حوار مع الفنان المغربي إدريس الروخ

إدريس الروخ، مخرج “ديما جيران” و”صفي تشرب” و”دار الغزلان” وغير ذلك من الأعمال،  هوفنان مغربي من الطراز العالي، يتزامن حوارنا معه وعيد ميلاده الذي يصادف 5 يوليوز،  ليناهز عمره، اليوم السبت،  52 سنة، أي رحلة عمر مليئة بالمغامرة والكفاح والمثابرة والصبر، عشقا لفن التمثيل الذي يجري في دمه مجرى الدم من العروق، مما جعله يفرض نفسه بقوة في الساحة الفنية المغربية، ويجمع بين التمثيل والإخراج والإنتاج…التقت به “الشمال” فأجرت معه الحوار التالي:

 

س1 ـ نبدأ معك السي إدريس بالسؤال التقليدي، وهو كيف تقدم الفنان إدريس الروخ إلى القراء المغاربة الواقعيين، والقراء العرب الافتراضيين على مواقع الانترنت؟

يمكن ان اقدم نفسي بشكل يجعلني اقرب الى الحلم منه الى الحقيقة ..فبخلاف ان حياتي تدحرجت بين متاهات الزمن وسلحتني بأسلحة تدمير الجهل والتخلف والابتعاد عن الملل والرتابة والانكباب على فتح نوافذ الأمل وتقريب صور الماضي لتبقى لصيقة بي طوال حياتي ..و لانتفض على وجعي طرقت باب المسرح ممثلا وخرجا وكاتبًا ..وبث بداخله اشاكس لمدة طويلة بعدها رحلت الى باب التلفزيون والسينما حيث أجوب بين دروبات الشخصيات ممثلا اغرق في البحث عن مكامن قوتها وضعفها ..لأجعل من كل محطة اقف او امر ..بها فعلا مستقبليا اخلد فيه موقفي من أشياء تقلقني ..ممثلا ..مخرجا ..مدرسا ..

فهدفي ليس ان أبقى متفرجا في الصفوف الخلفية او ان أكون مجرد ديكور في مسرح كبير ..او دمية تحركها أياد خفية .

هدفي ان أكون فاعلًا وليس مفعولا به ..ان أكون معادلة رياضية وليس رقما ..ان أكون هاو لا أكون على حد قول شاعر الأجيال شكسبير .

 

س2 ـ ننتقل الآن إلى الحديث عن  البدايات الأولى التي مهدت لمجيئك إلى السينما ؟

في الحقيقة المسرح هو من قادني الى عالم الصورة ..الى السينما ..هو من شكل رؤيتي ورتب بيت افكاري وشحن احاسيسي وفتح الطريق امامي لأقارع شخصيات وفضاءات وتقاطعات عوالم السينما ..

منذ البدئ عندما كنت طالبًا بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط وصوت بداخلي يحثني على المزاوجة بين المسرح والسينما ..وان انكب على دراسة اكبر الاتجاهات الفنية سواء تلك المتعلقة بالكتابة او بالإخراج او التمثيل او السينوغرافيا والإضاءة الغ ..ففي كل ذلك غوص حقيقي في ماهية الفن .

ففي الكتابة ساعدتني اعمال شكسبير واارتر ميلر واندري مالرو وتنيسي وليامز وهمنغواي وكولتيز وتشيكوف ..في الاقتراب من عالم كتابة ودراسة وقراءة السيناريو بكل آلياته وأدواته التقنية والفنية ..والابتعاد عن الكلمة التي تجتر نفسها الى الصورة الدالة على الكل بدلًا من الحزأ..

وفي الإخراج ..أستطيع ان اقول ان كانتور وعالمه التشكيلي ..ألهمني كثيرا ..دون ان أنسى العبقري بيتر بروك صاحب المساحة الفارغة…

ثم هناك ستانسيسلافسكي ومايورهولد كروتوفسكي وبريشت …من مدارس الاداء والتمثيل المنهج ..الغ

وفي الوقع هناك العديد ممن اثروا بشكل إيجابي في ان الج السينما وساعدوني في ان افهم ان الصورة سحر خاص اذا ما اصابك ولو لهنيهة تصبح أسيرًا ( بشكل إيجابي ) لفعل ( الآكشن) ( الحركة ) طوال حياتك .

 

س3  ـ ما هي أهم المحطات في مشوارك السينمائي في التمثيل والإخراج؟

في حقيقة الامر يجب الإشارة ان ما احدثه الفن ثمتيلا وإخراجًا كان بمثابة تصفية المياه من الوحل ..لقد تغيرت حياتي كلها وبشكل جدري وأنعمت بأجواء الابداع وتحولات الزمن فنيا وطهرت من الداخل وربطت علاقة وطيدة مع نفسي وأصبحت بالمقابل منفتحًا على الاخر ..ولهذا عندما اعود الان لأجيب على سؤالك حول عن اهم المحطات في مشواري  تمثيلا وإخراجًا ..اجزم انها جميعها محطات بفوائد جمة ..واعترف بفضلها وبفضل كل من ساعدني في ذلك على جعلها نبراسا ينير طريق المستقبل ..ففي المسرح كما في التلفزيون والسينما ، تشبعت بفكر متعدد وبرؤى مختلفة وبمفاهيم حول الحياة والفن وحول الاندماج وحول التوحد ..واستطعت ان احدد نقط ضعفي قبل نقاط قوتي ..

وفي التمثيل كما الإخراج ..كانت لدي محطات مهمة أخرجتني من الروتين الفني القاتل وقدمتني للعالم بطريقة مختلفة فعندما كنت في السويد مثلا واشتغالي بمسرح إنجريد .. تحقق لدي حلم الالتقاء بالآخر ..فرحة ولغة وسلوكًا وحوارًا ..فان تشتغل مع جواد الأسدي ( المخرج المسرحي العراقي المتمرد ) ليس بالسهل وان تقتحم دروبات نص لمتمرد آخر كسترينبيرغ برائعته الآنسة جوليا وان تتقمص دور شخصية متمردة على الأوضاع وعلى الطبقة البورجوازية وان تمثل بجانب انوار البياتي ( ممثلة عراقية سويدية ) وان تسلط عليها كاريزما خاصة بتمثيل يأخد من مدارس الفن الحديثة..وان نجد نفسك في عروض المساء والليل يشاهدك الجميع ومن جنسيات مختلفة وتعرض بمسارح السويد شمالًا وجنوبًا شرقًا وغربًا ..فهذا يجعلك سعيدا ..يجعل منك شخصًا ينحني امام الجميع ويحيي الجميع بتحية الحب والإخلاص ..

وتجارب المسرح مثل هذه كثيرة جدا ولكنها بالنسبة لي كانت نقطة التحول في مساري الاحترافي ..وكانت لحظة من اللحظات المهمة في تشكيل نفسيتي وشخصيتي كإنسان

ان عملًا كبيرًا مع ايفا بيرغمان  ابنة المخرج السويدي المخرج الأسطورة بيرغمان ..ومع فريق عمل يضم خيرة مبدعي العالم في الغناء والموسيقى والرقص والتمثيل والسينوغرافيا والإضاءة ..يعني انك امام تجربة فريدة من نوعها ..تجربة تحملك الى عمق الابداع ..وان تنقب وسط صفحات التاريخ بكل تجلياته ..ان تشتغل على مسرحية حلم ليلة صيف لمبدع كبير كشكسبير وتجد نفسك في حلم الحلم تشخص شخصيتين في نفس الوقت ومعك وبجانبك ممثلين وممثلات من لبنان ومصر وفلسطين والأردني وسوريا ..الخ وان تنسجم في خلق التوازن وان تقدم هذا الحلم في مسارح مصر ومسارح السويد وان تقف في خشية الدراماتن( المسرح الوطني بستوكهولم ) بجعلك حقيقة في قمة السعادة وعندما تعلق كل ليلة وانت توزع الحب والإحساس والابداع على الحضور ..تنتقل من مكان الى آخر ومن حالك الى اخرى ومن مستوى فني الى مستوى عال من الاحتراف وحب المهنة .

الحقيقة انني ساكون عاجزا على ان احصي كل المحطات او ان أحصرها. في رقم معين ..فهي كثيرة وذات قيمة ..لنعد قليلًا الى الوراء وأتحدث عن محطة حد مهمة في تاريخ الفني مع احد عباقرة الموسيقى في العالم المغربي احمد الصياد برائعته(  إقط الحيل ) ومع المخرجة الفرنسية آن طوريس ..حيث تجربة الأوبرا في مسرح ستراسبورغ وحيث الاشتغال على نص ذا تاثير على الثقافة العربية والعالمية ( مقامات بديع الزمان الهمداني  ) ..بالطبع لن تخرج من هذه التجربة خاوي الوفاض بل على العكس من ذلك تسيجك بسياج من الفهم لماهية الحياة بشقها الفلسفي والاجتماعي والفني ..

تجارب عديدة غيرت مساري وغيرت تفكيري وزادتني ايمانا بان العمل الحقيقي والاجتهاد والصبر والمعاناة …سبل في فتح الأبواب الموصدة ..وكيف لا والطريق تقدمك الى أليخاندرو كونزاليس انياتيرو وبراد بيت وكيت بلانشيت في فيلم بابل ..وان تجد نفسك في فيلم المنطقة الخضراء مع مات دايمان تحت إدارة بول كرينكراس او فيلم الوضعية مع كوني نيلسون والمخرج فيليب هاس ..

محطات ومحطات بالمغرب مع مخرجين بمؤهلات فنية وتقنية ..حيث تستمتع في رسم الشخصيات بمعيتهم ..مدركون بان السينما رحلة في النفس البشرية وحكاية مجتمع ..ليس اَي مجتمع !! انه مجتمعك

ولهذا فمحطاتي جميعها مؤمن بأهميتها وبكونها وشمتني من الداخل وشما يكبر يحجم حبي لعالم السينما

 

س 4 ـ تعرف الممارسة السينمائية تحول بعض الممثلين إلى الإخراج، ولربما إلى الانتاج أيضا. هل تجد لهذا الأمر، من الناحية الفنية، مسوغات معقولة؟

في نظري المسالة لا تتعلق بالمعقول او الغير معقول ..فنحن في اطار إبداعي ..ينمو في مستنبت الاحاسيس والأحلام كل  واحدة تعتني بالأخرى .. وتملأ جعبتها من بذرات فنية ..فالممثل يحمل بداخله ارق التجديد وينقش في كل عمل اسمه على شخصياته ويستفيد من كل من مر بهم من مخرجين وكتاب سيناريو   ومنتجين وتقنيين ..ينهل بوعي او بغير وعي من معارفهم وينسخ في ذاكرته آليات صناعة الصورة ..يوما بعد يوم وعملا بعد عمل ..ويبقى الطموح سيد الموقف والرغبة في التعبير بامكانيات اخرى غير تلك التي يملكها سلفًا ..وتسطع بداخله شمس الابداع في منحى آخر ..فنجده يهتم بالتفاصيل ويسال ويتابع عن كتب كل ما يحدث ببلاطو التصوير ..ويستمر في ذلك سنوات عديدة يترجمها بعدها بتداريب وورشات في مجالات التخصص ..( سيناريو – اخراج – إدارة الممثل …) كل هذا لا يأتي من فراغ بل من تجربة طويلة واحتكاك بأصحاب المهنة وصناع الصورة ومبدعي الاحاسيس ..

وبالتالي عندما نلحظ ان ممثلا غير موقعه من الصفوف الأمامية الى الخلفية وراء الكاميرا ..فهذا ليس بغريب ..فطبيعة الانسان هي الطموح والرغبة في الخلق والتجديد وتحدي امكانياته ومغازلة المغامرات في كل سبلها .. ومن الطبيعي جدا ان يتحول الممثل الى مخرج ( وهذا ليس شرطا ) لكونه الأقرب الى عالم الصورة وإدارة الممثل ومعرفة أغوار السيناريو ..وخبايا البلاطوهات ..

وشخصيا عندما انقل تجربتي في هذا الباب ..لم تأت بين عشية وضحاها ولكن ثمرة سنين من التمرس والتدريب والبحث والاحتكاك في مجالات مختلفة ( مسرح – تلفزيون -سينما – كتابة – إدارة – تدريس – مساعد مخرج ..الغ ) وبالتالي بات من الضروري الخروج الى الملأ برغبة في التعبير عما يخالجني من أحاسيس عن طريق الإخراج وإبداء وجهة نظري حول ما يحدث في محيط دائرتي برسمه بالكاميرا.

 

س 5 ـ ارتبط، في بعض الاحيان، حضور إدريس الروخ في السينما المغربية والعالمية، بجدل مرافق، أين ترى مدعاة هذا الجدل؟

ذات يوم وانا ادرس بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط ..كنت اشاهد العديد من الاعمال المسرحية والسينمائية ..وقرات العديد من الكتب والمؤلفات المسرحية والفنية بشكل عام ..وكنت من هواة (و لا زلت ) قراءة سير ( البيوغرافيا ) لعدد كبير من الاسماء التي رسمت ونقشت اسمها في تاريخ البشرية بما قدمته من اعمال في مختلف المشارب ..مسرح – فلسفة – رياضيات – أدب – فنون- موسيقى وغناء – الخ وعانت ما عانته من اختيارات صعبة في مسارها سواء تعلق الامر بما ترغب في تقديمه او ما تعرضت له من مضايقات في حرية اختياراتها ..ولكن ما يميز هذه الاسماء الكبيرة هو تشبتها بمبادئها واستمرارها في التعبير عن افكارها وان دعت الضرورة للتضحية بنفسها ..

فالألم التي تعيشه كل هذه الاسماء على فترات طويلة من حياتها هو الم الاختيار في تقرير مصيرها والدفاع عن توجهاتها ..والنضال من اجل إبراز مواهبها ..قد يستمر ذلك طويلا ..ولكن هذا مايجعلها خالدة ..

وبالفعل كبر معي كل هذا ..واتسع في داخلي لاختار ان أعيش تجارب مختلفة في المسرح ( سابقا ) وفي التلفزيون وبالأخص في السينما المغربية او العالمية وذلك فقط لكوني اؤمن بان العمل في السينما هو عمل كلي متكامل مترابط ..مؤثر ..وفي نفس الوقت مستمر في الزمن ولا يجب ان نتهاون في التعامل معه بنوع من الجد والاحترام والصدق ..فالفن كالبحر اذا أعطيته كلك اعطاك نصفه وإذا أعطيته نصفك لا يعطيك شيء .

وعند الرجوع الى الجدل الذي يصاحب اختياراتي في اعمال بعينها فمرده الإيمان بما أقدمه كعمل فني بنيوي لا يجب ان نخل بأحد أجزائه حثى يبقى في الصورة التي رسمها المبدع ..

فكل شخصية اقدمها وسط عمل سينمائي لها ما يبرر افعالها وتصرفاتها وألفاظها ..ولها بناءها الدرامي ووقعها داخل فسيفساء القصة ..وتكون ملونة بأحاسيس صادقة وتعبيراتها عامة هي سلوكات بسيكولوجية تنقلها من عالم الآنا الى عالم الاخر ، وعوض ان أكون انا الآنا اصبح انا الاخر ..وبالتالي لا يجب ان أتهاون ولو للحظة في ان أكون الشخصية بإيجابياتها وسلبياتها

 

س 6 ـ تحظى شخصية إدريس الروخ بتقدير كبير من قبل المتفرج المغربي والعالمي، هل مرجع ذلك إلى طبيعة الأفلام التي لعب فيها أدوارا معينة؟ أم ان الأمر يعود فنيا إلى الإمكانات الفردية التي تتمتع بها؟

في الحقيقة هناك عوامل كثيرة تقف وراء هذا الحب المتبادل مع الجمهور ..ومع كل من اشتغل وأتعامل معهم ..فالصدق والإخلاص للعمل واحترام من تقدم له ابداعك ..يكون بمثابة بطاقة العبور الى دواخل النفس وضمان فضاء مريح بها ..

ثم لا ننسى ان الجزء يبقى رهينًا بالكل وان علاقتك بأسرتك وبمحيطك  ووطنك وبقضايا مجتمعك ..والاهتمام بكل صغيرة وكبيرة ابتداء بطريقة عيشك وأسلوب كلامك في الحوارات والبرامج التلفزيون وخرجاتك الإعلامية وظهورك بشكل مقتضب في وسائل التواصل الاجتماعي ..والتعبير عن افكارك بدون محاباة او مقايضات والتفكير في الغير وان تذوب تنصهر وسط من يعشقون اعمالك ..كل هذا وغيره يقدمك الناس بوجه وضاح ويساهم بشكل كبير في خلق كيمياء بينك وبين جمهورك

الجمهور ذكي ومخلص ومحب وفاهم ومجرب لأدوات الفرجة ولديه وسائله الخاصة في المشاهدة والتعبير عما يحس ويشعر به تجاه هذا الفنان او ذاك وبالتالي لا يمكن الا ان تكون صريحا معه واضحا مشعا بدون زوائد ..إجمالًا يجب ان تكون انت .

وبالفعل عندما تدخل في مغامرة ابداع ما ..لا وقت للتهاون او التكاسل او أخذ الأمور بالهزل ..فكلما كنت منكبا على إتقان فعلك كلما ازداد إعجاب جماهيرك واحترامهم لك ..

صحيح ان لكل عمل ما يميزه عن الاخر وصحيح ان الاعمال ليست جميعها  بنفس القوة وبنفس الجودة ..ولكن مع ذلك ان كنت قد أخلصت وتماديت في طلب الكمال ( بالرغم من كون ذلك صعب المنال ) فستعطي إشارات قوية لمتتبعيك ومشاهدي اعمالك ليتمسكوا بوجودك اكثر فاكثر .

س 7 ـ السينما المغربية لم تصل بعد إلى إقناع المتفرج المغربي. ما مرد ذلك حسب رأيك؟

منذ سنوات طويلة والسينما المغربية تبحث عن نفسها وسط خريطة سينما العالم ..وتحاول قدر الإمكانيات ان تجد مكانا لها..وهذا ليس بالأمر الهين خصوصًا وان هذا رهين بامكانية إصلاح المنظومة السينمائية برمتها .. على مستوى القوانين المهيكلة وكذا الإمكانيات المادية المرصودة لها وطبعا الانفتاح الداخلي في خلق المزيد من فضاءات حرية التعبير وايضاً إسهام وانخراط المؤسسات الخاصة في التعامل الجدي والعقلاني مع عالم الصورة ومنحهم منح تساعدهم في إنتاج أعمالهم بأريحية ..ان السينما بالقدر الذي تحتاج فيه الى الابداع الحقيقي على مستوى كتابة السيناريو وتنوعه وبالقدر الذي تحتاج فيه الى مخرجين  بفلتات ابداعية متميزة وقادرة على كسر الروتين الفرجوي والانفتاح على ابعاد جمالية تنقلنا الى ماهية وكنه الصورة السينمائية ..بنفس القدر او اكثر تحتاج السينما المغربية لدعم حقيقي مادي معنوي تقني لوجيستيكي وقانوني ..

فكيف نستطيع ان نطور الفيلم السينمائي المغربي اذا كنا لا نشاهده حثى في القاعات السينمائية  القليلة المتوفرة في بعض المدن ..هل يعقل ان نتحدث عن صناعة سينمائية في حدود شاشات عرض قليلة جدا بالمقارنة مع ساكنة المغرب ..كيف يمكن ان نتحدث عن جودة ونحن نكتفي بمحاولات فردية لمخرجين يقاومون من اجل ان يخلقوا من الشيء أشياء تبهر وعلى قلتهم فهم موجودون ويخلقون الحدث في مهرجانات عالمية ..ربما ليس كما نود ولكن هناك فعلا عمل جبار باسماء معينة تجتهد وتشتغل وتحلم بفعل سينمائي  يقنع ويمتع ..وكي أكون صريحًا ففي الأربع او الخمس وعشرون فيلما التي تنتج سنويا ..وتتميز وسطها ثلات او اربع أفلام لمخرجين من اجيال مختلفة هذا يعتبر ربحا وامتيازًا يجب الحفاظ عليه وتطعيمه بالمزيد من الاعمال الاخرى ..

ليس سهلا ان تنتج عملًا سينمائيًا وبالأخص في المغرب ..ليس سهلا ان تخرج عملًا بامكانيات محدودة ..وبالطبع عندما نتحدث عن الرضى والإقناع ليس من السهل أيضا ان تقنع اذا كانت إمكانياتك الفنية والإبداعية ورؤيتك للسينما محدودة وغير ناضجة وليس فيها عمق ..وتفتقر لكل مقومات الخلق .

وتبقى هذه العملية نسبية من حيث الإقبال والاستقبال ومشاهدة وتتبع فيلم ما .

 

س 8 ـ هل يمكن للدارجة المغربية أن تكون عائقا أمام انتشار السينما المغربية عربيا؟

اللغة عامة تشكل محورًا مهمًا في التعبير والشرح وتقريب المعنى بل هي مهمة في كل مجتمع مجتمع لما لها من دور في تسليط الضوء عن كل ما لاتستطيع شرحه أدوات وآليات تواصل اخرى ..والكل يعرف ان اللغة تعبر عن ثقافة مجتمع وعن زمن معين بحس لغوي يراعي التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي ينخرط فيها الفرد وبها نتواصل ونتجادل ..وعي بالفعل فعالة وذات أهمية قصوى في تنشيط الحياة عامة ..غير ان الفن استطاع ان يجد آلية تواصل اخرى من خلال السيميولوجيا وان يرسم معاني ومفاهيم تقرب كنه ما يقدمه المبدع سواء تعلق الامر وبالخصوص في الفنون التشكيلية التي ابتعدت كلية عن اللغة وعوضتها بالأشكال والألوان والاحاسيس الغ ..وفي المسرح أيضا يمكن ان تشاهد عرضا بولونيا أو سويديا ..وتنخرط فيه وتغوص في حكايته كانك تعرف لغته ..والأصل في ذلك كمية الاحاسيس التي يوزعها في صالة العرض وتشدك لتجد نفسك رهين ماتشاهد وليس ماتسمع ..

وهناك فنون عديدة دأبت على التخلي عن اللغة في خلق جسر التواصل بينها وبين الجمهور ..فالمشاهد يحتاج ان حس بحرارة الصوت ودفء النبرة وإشعاع العلاقات بين الشخصيات ..صحيح ان اللغة في احيان كثيرة تكون ضرورية وإلزامية لشرح  ماتعجز عنه أدوات المخرج التعبيرية الاخرى كاللقطات وحساسية حركة الكاميرا ..ولحظات الصمت ووو الغ ..

ولكن هذا الإشكال لم يعد عائقًا في انتشار الفيلم السينمائي عالميًا ..فبغض النظر عن الترجمات والدوبلاح ..فالفيلم هو بنية متكاملة من الرموز التي يجب ان تكتشفها كل مرة وقد تستطيع فهم بعضها ويستعصي عليك البعض الاخر حتى ولو كنت تتكلم نفس لغة الفيلم .

ان الفيلم المغربي ليس كما يظن البعض صعبا على الفهم لغويا ..فهذا مجرد نقاش عقيم يغطي الحقيقة و الحقيقة اننا نحن بالمغرب مثلا استقبلنا لسنوات من التراكم المشاهداتية طبعا أفلامًا مصرية ولبنانية وسورية وعراقية وهندية …الخ وأصبحنا نفهمها و نتكلمها ونشتغل بها احيانا عندما تقتضي الضرورة الى ذلك ..

اعتقد ان مشكل اللغة/ او اللهجة المغربية  هو تبرير واه لعدم تسويق وانتشار الفيلم المغربي ..

لنتحدث قليلًا عن الأغنية المغربية الم تعاني في البداية نفس الامر وربما ضرب عليها حسارا لسنوات طويلة ..ولم يكتب لها ان تصبح في الريادة الا الان ليس لان الابداع تغير او تشكل بصورة مختلفة وليس ان اللغة او اللهجة تنازلت عن عرشها للغة اخرى ..لا ! إنما التراكم الذي أسس له الرواد في نشر الأغنية المغربية وإلحاح الفنان المغربي على لهجته وظهور المبدع الشاب المغربي حاملًا مشعل الفن بصوته ولحنه وإيقاعه ..جعل العالم العربي يستمع ويغني ويرقص على نغمات اللهجة المغربية .

 

حاوراه عبدالإله المويسي و محمد إمغران

عن admin

شاهد أيضاً

في دائرة الحوار مع الشاعر نور الدين الدامون

تمهيد لابد منه: في السنوات الأخيرة زادت قريحة هذا الشاعر الشعرية بالعطاءات المتميزة والجيدة في …

ميادة كيالي: السرديّة الذكوريّة جعلت من الرّجل مركز الكون وباني الحضارة، ومصدر الإلهام

قراءة التاريخ هي عملية مستمرة ويتطلبُ البحثُ في مجال تاريخ الحضارات ونشوء المعتقدات الأسطورية التدجج …

الشمال في حوار مع الدكتور خالد القرقوري ..

الدكتور خالد القرقوري شخصية مميزة داخل أكبر مختبر طبي بكلية الطب بمارسيليا للبروفيسور ديديي راؤول. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: