الرئيسية / أخبار الجهة / ذاكرة سيدة طنجاوية

ذاكرة سيدة طنجاوية

… تطرح كتابات البروفسور الدكتور “دومنيك روسو” ، وهو أستاذ القانون الدستوري بجامعتيْ “مونبوليي1” ، و “باريس1” ، وقد كان عضواً في المجلس الاستشاري للقضاء لسنوات 2006/2002م ، تطرح الشهادة لمشروع غلاف يُحاور من خلاله السيدة “راشيل مويال” ، ليلتقط خصوصياتها في كتاب بعنوان “ذاكرة سيدة طنجاوية” . الكتاب من القطع المتوسط ، يحتوي على  272 صفحة ، بحلة أنيقة ، تمتاز ترجمته بدراسة للأستاذ الأكاديمي التي تليق بذاكرة السيرة الذاتية ل”راشيل مويال” و لمدينة طنجة .

إذا بالمُصنّف يتفرَّدُ بسيرة من ثلاثة أجزاء :

  • الجزء الأول : بعدَ المقدمة ،
  1. الطفولة في طنجة .
  2. المراهقة (سيكولوجيا) تحت علامة الحيوية .
  3. بين الحداثة و الرغبة في المستقبل .
  4. وفاء لشباب في مدينة البوغاز .
  5. أول نجاح في الحياة المهنية .
  6. عدد غفير (من اليهود) يغادرون طنجة إبان الاستقلال .
  7. الخطوات الأولى لراشيل بإدارة مكتبة الأعمدة .
  • الجزء الثاني :
  1. زيارات ذو شأن .
  2. توقيع المؤلفين في المكتبة .
  3. من الأكاديمية إلى جائزة “الكونكور”(الكاف الأولى فوقها ثلاثة نقط) .
  4. في أعقاب “بول بولس” .
  5. على خطى شكري .
  6. بين نصوص و قصص أخرى ، و وجوه أخرى .
  • الجزء الثالث : السنوات الأخيرة في المكتبة
  1. نهاية القرن في طنجة .
  2. السفيرة .
  3. خاتمة الكتاب ..

ينهض الفجر ، و بدأ طلوع النهار ، هواء نقيٌّ تحت سحاب المدينة ، لتستيقظ الذاكرة من النسيان لإثراء الفكر بالجلوس إلى راشيل مويال ، السيدة الطنجاوية . هذا المشروع من الجنس الأدبي في دراسة السيرة الذاتية . المغربية ذو العقيدة اليهودية . بدْءً  بمسقط رأسها في الثلاثينيات من القرن العشرين ، للتعريف بإنسانة و دورها الأدبي و الثقافي كمديرة لمكتبة الأعمدة بشارع  باستور بطنجة . فإنَّ لها من العلم ما تستطيع به كرفيقة ترْشدنا إلى سيرتها الذاتية بمدينة البوغاز . بصعود مسار الحياة الكرُنولوجي ، و بترتيب زمني ، لاستجماع صدى ثريٌّ و كثيف لذاكرة طنجة . نسعى إلى شهادة ثمينة لفهم الماضي الثقافي بشكل أفضل في الثلث الأخير من القرن العشرين ، منها خمس و عشرون سنة بالمكتبة . و راشيل مويال هي أيقونة العصر ، و شخصية تتمتع بنوع من القداسة منذ اعتلائها مكتبة الأعمدة التي أنشئت قبل ذلك سنة 1949م . و التي سوف تحتل مكانة مرموقة  . طنجة في عيونها(راشيل) ، و نبضات ماضيها في صوتها . الكاتب يبدأ  مغامرته دون أنْ يشكَّ في رفعتها . فقد حان الظرف ليُعرّف المؤلف بكلام فصيح و وصف دقيق ، حسب الأصول ، ما الماضي الذي سوْف يُستنطق . فطنجة تفتح ذراعيها للمستقبل ، لتُخبرنا عنه راشيل .

 

كان ازديادي عقب ثلاثة أطفال ، بتاريخ 16/2/1933م ، بفضاء مرشان و بملتقى شارعيْ ابن الأبار و طريفة بطنجة . في الطابق الثاني للعمارة التي ما تزال موجودة إلى الآن . قيل لي ، إني وُلدتُ بعد أيام من وصول “هتلر” إلى الحكم . كانتْ ولادتي مُنتظرة بعد ثماني سنوات على ازدياد أخي الأخير .. في القرن السابع عشر نزحتْ عائلة والدي من مدينة تازة إلى فاس ثمَّ طنجة . بينما عائلة والدتي ، احتمال أنها غادرتْ إسبانيا بعد طرد اليهود في نهاية القرن الخامس عشر للميلاد . و قد تُوُفيتْ والدتي و أنا في سنّ الثانية و النصف من عمري . إلا أنني استطعتُ الحصول على صورتها في وقت متأخر ، تسلمتها من خالة لها تعيش في إسرائيل . و يُقال لي إنَّ أمي كانتْ ذا جمال ، و إنني شبيهة قليلا بها ، و لكن .. ! راشيل تنهض لتبحث بعناية عن صورة والدتها لتبينها لي (دومنيك روسو) . مُنطلقة لامتداد الحكي (بعد وفاة والدتها) ، انتقلتُ مع إخوتي الثلاث لنعيش مع عمتي و عمي ، الذيْن ليس لهما أطفال . لمّا بلغتُ الثماني سنوات من عمري ، قرَّرَا عمي و عمتي تسجيلي في المدرسة الفرنسية الإسرائيلية بحومة حسنونة ، إلا أنني كان يغمرُني حبُّ الاستطلاع فأطرح عدة أسئلة .. غير أنَّ عمي الكثير التدَيُن كان يرفض ذهابي إلى المدرسة يوم السبت . في طفولتي كان يطاولني شعور أنَّ طنجة عبارة عن جزيرة ، كأنها مكان منفصلٌ . لم أعلمْ أنَّ طنجة جزءٌ من المغرب إلا في سنة 1947م ، لعلَّ ذلك راجع إلى زيارة السلطان محمد بن يوسف إليها . بحكم حدودها مع تطوان و البيضاء و إسبانيا اللآئي كنَّ يطالبن العبور بجوازات السفر . نصوص و خواطر راشيل مويال تأخد أصولها بين الحربين الأولى و الثانية . لأنَّ المدينة تحدُّ بعدة “حدود” ، و تُدار بعشرة دول منذ سنة 1923م  .و قد أنشئتْ في منطقة جغرافية سُميَتْ ب”منطقة طنجة الدولية”.

بداية هذه الرواية الأدبية لحياة مرتبطة بمواقف سياسية و إدارية ، لها خصوصية ، تعلقت بشروط وجود حياة راشيل مويال لتأكيد الذات منذ الطفولة . وقد يصعبُ على الطفل أنْ يكتشف معالمه من بين دول ممثلة في طنجة ، كفرنسا و إسبانيا و المملكة المتحدة و إيطاليا . الحدود كانتْ تُجسدُ وضعاً معقداً ، فيتمُّ تفتيشنا في معابر الحدود الجمركية ، و نحن مزودين بجوازات السفر . جدُّي (راشيل) كان يحمل جواز سفر هولاندي ، مما كان يُجبره الحصول على تأشيرة لعبور الحدود . هذا الأمر كان يزْعجه و يضايقه ، ليرفض بذلك الجواز الهولاندي ، و يطالب بجوازه المغربي . هكذا كان بإمكانه الذهاب و الإياب كما يشاء في سفرياته ، لأنَّ عمله كان يتطلب ذلك . وهو صاحب دُكان للمجوهرات و معرضاً للتحف في السوق البرّاني . مكتبته بكل الطابق ، إذ كنا نذهب إليه كلما حلتْ ذكرى المولد النبوي للمسلمين ، من أجل الفرجة على الهدايا التي كانت تتجه نحو ضريح “بوعرَّاقية” من الطوائف .

بالمناسبة كان للمسلمات الحق في الخروج إلى الشارع ، فقد كان الأمن مستتبٌ من طرف الشرطة الفرنسية و البلجيكية و الجيش كذلك . أثناء الحرب كان الأمن بيد الشرطة الإسبانية و التي استولت على طنجة سنة 1940م ، نفس التاريخ التي احتلت ْ فيه ألمانيا باريس عاصمة فرنسا . راشيل تستجيب لسؤال عندما خضعتْ للتفتيش و هي بنت السابعة أو الثامنة ، في الجمارك على الحدود عند زيارتها للقصر الكبير . عندما أعلنت الحرب سنة 1939م ، عمي و عمتي كانا مذعورين من خلفياتها ، إذاك كان عمر راشيل ست سنوات .

وقد كبرت في وسط مريح و في أجواء عائلية تتمتع بنوع من اليقظة بين إخوتها و عمها و عمتها . كانت تتوق للتعليم إلا أنها لم تذهب للمدرسة بعد . راشيل في تهوُر لسعادة الطفولة تحت ضياء نور البوغاز ، كما كانت طنجة هي أيضاً كانت تسعد بهذا التهوُر لحيادها من غضب العالم ، رغم أنها ليست جزيرة في المحيط . و خشية على بكارتها السياسية لموقعها الاستراتيجي ، من معتد يلوثها . المعاهدات التي تحميها ما هي إلا عبارة عن أوراق ، وقد منحتها هذه بالفعل مرجعية للسلام و ملجأ للرعايا الأروبيين ،من اليهود و المثقفين من إيطاليا و ألمانيا و تشيكوسلفاكيا و المجر و من جبل طارق القريبة من أوروبا الشهيدة و الموقع الاستراتيجي لاحتمال تعرضه للقصف ، و أيضا من الجمهوريين الإسبان لعنصرهم أو لألوانهم السياسية ، و كذلك للآجئين من بولونيا التي استأثرتْ شابة منها بملكة جمال الشاطئ . الجالية اليهودية بطنجة كانت سباقة لاستقبال الألفين من الديانة اليهودية لآجئي الحرب ، ، تضاف إلى سبعة عشر ألف من المقيمين بالمدينة .

و كان لا بدَّ من تقديم الدَّعم المادي و النفسي لكل اللآجئين . يُصرحُ عم راشيل إلى عمتها أنهم قد تجاوزوا الطاقة الاستيعابية للعد الكبير من اليهود الذين يفرّون من الحرب في أروبا . إ كان للأطباء اليهود دور في توفير الدعم و تقديم المساعدات . في هذا السياق الطارئ ، ، و على لسان عمي ، قدمتْ فتاتان يهوديتان من سنّي لتنظم إلى عائلتنا . فقضيا الليلة في غرفة نومي فواجهتنا صعوبات صعوبة في التواصل لعدم تحدثنا بنفس اللغة . ثمَّ غادرن منزلنا بعد حوالي الشهر ، لألتقي بإحداهنَّ في المدرسة الفرنسية الإسرائيلية بعد حين . لم نكن نعلم شيئاً عن معاناتهم إلا بعد مدة طويلة ، للرُعب الذي خضعوا له .احتمال أنَّ عمي و عمتي و والدي و إخوتي كانوا على علم بذلك . و أنا لصغر سني لم أتمكن من استنطاق الوضع . الحرب في أروبا خلقت حوادث مأساوية ، فأصبحت طنجة أرض اللجوء و وعاء لهذه المسارات ، من خلال ذاكرة راشيل وهي تطل على قصة “فضولية” لإيطالية مثالية . هي طبيبة يهودية إيطالية (عاشت 105عام) ، متزوجة من جرَّاح يهودي إيطالي . كانت من الفائزات في تخصصها . تمَّ تحذيرها سنة1939م من عواقب الحرب ، و طلب منها مغادرة البلاد للأحداث السيئة التي سوف تعاني منها إيطاليا .

و نظراً لعدم منحهم النقود ، جلبوا معهما عدة أدوات للجراحة الطبية ، ليفتتحوا في طنجة عيادة على مقربة من المحكمة . الجالية اليهودية فتحت لهم الأبواب و تكفلت بالإشهار . و لم أتردَّدْ عليهم إلا بعن سنّ الرُشد . و قد لعب الأطباء اليهود دورا هاما في مصلحة الصحة بطنجة و خصوصا عند الجالية اليهودية ، وهي ذكريات  جميلة عند راشيل . راشيل كانت لها صديقة عزيزة عليها تسمى “كلارا” و هما في عمر الزهور ، و هذه الأخيرة كانت لها بإيطاليا ، ابنت أخيها ، التي حلت بطنجة وهي تحكي عن أمها الصغيرة السنّ قبل الحرب . و في حفلة الرقص بقصر المؤتمرات بإيطاليا تعرَّفت على طبيب ضابط في البحرية ، نزل من “فرقاطة” للتوّ ترسو في الميناء . الضابط الطبيب “داود كوهن” فرَّ من إيطاليا  “موسوليني” ، ليلتقي فيما بعد بالبنت التي سبق أ،ْ تعرَّف عليها بالمرقص ليتزوجها بطنجة وهو لاجئ بها ، ثمَّ انجبا طفلتين . تواصلت معهم جيداً بعد أبان أجل . اسم الطبين كوهن تمَّ تسجيله على لائحة رائعة لأطباء يهود مارسوا مهامهم في مستشفى “بن شيمول” و من بين رجال غير عاديين ، حسب راشيل .

هذه المؤسسة الطبية تعكس تاريخاً مجيداً . أنشأها “حايم بن شيمول” سنة 1904م ، على مقربة من قصر مولاي حفيظ ، وهو الشخصية البارزة بمدينة طنجة . الجالية اليهودية كانت تجد علاجها عنده . إذ كان يحتوي أيضاً على دير تلمودي للعبادة أثناء الحرب . كان المستشفى ملجأ يشتغل بأقصى سرعة نظراً لعديد من اللآجئين . إلى جانب الدكتور كوهن ، كان هناك الدكاترة “بيداريدا” و “بن عروش” و “سيلفاكوف” و “المْسْلمْ” أو “ماني” و هذا الأخير كان أيام شبابه يقطن بفلسطين العثمانية . قدم إلى المغرب أوائل القرن ليعالج السلطان بفاس . طبيب بارز ، و قد عالج معظم أطفال طنجة .

و إلى طنجة جاء من فلسطين مجموعة من اللآجئين . حكت راشيل قصة رائعة في نفس السياق . عندما كانت العائلة تسكن بشارع “ليكاسبي” . كان هناك شخص يُدعى “إسحاق حاسيد” ، وقد مكث معنا حوالي السنة . جاء إلى طنجة للقاء زوجته ، بعدما هاجرا من فلسطين ، خوفا من الاضطهاد في أروبا حيال اليهود . فقررا الذهاب إلي أمريكا عند أخ لزوجته . هذه الأخيرة ، لكي تحصل على التأشيرة يجب أن تكون عزباء . اضطرَّ زوجها أنْ يطلقها فذهبت بصحبة ابنتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية .بقي إسحاق معنا في حالة مروعة من الفزع لفراقها وهو العاشق الولهان في حبّ الفاتنة الجملية .إذ زيادة من معاناته ، خوفا أن يتزوجها “ميليونير” أمركي وهي ذي بهاء وجمال . انتهت الحرب و عادت له محبوبته و تزوجا من جديد إلى أنْ فارقا الحياة . في سنة 1971م زرتهم بالولايات المتحدة الأمريكية عندما كنت أشتغل مع الأمريكيين .اعترفوا أنّ هذه الرواية قصة حقيقة ..

في مدينة طنجة مكتبة الأعمدة كانتْ أفضل موقع . بعد عرض كتاب التحدي للملك الحسن الثاني من طرف “ألبان ميشيل” سنة 1976م ، و الذي كان له نجاحاً كبيراً ، و في معبد هذا الزخم من الأعمال هناك قديس لأقداس في مكتبة الأعمدة يسمى الأدب . راشيل كانت تتنفس من خلال هذا الحبّ ، الفعل و الجملة ، و الحب العميق للأدب . إذ المكتبة تبقى مكاناً للقاءات الأدبية . أسماء مشهورة في العلم و الأدب كانت تتكرَّرُ زياراتها لهذا المقام . أمثال ، “بول بولس” و محمد شكري و الطاهر بنجلون و لطفي أقلعي و “كلاوديو برافو” . و مشاهير آخرون كانت زياراتهم وجيزة ك”فرانسوا ماري بانيي” ، و التي قرأت لها “الإقامات الثانية” . و من الشخصيات الاستثنائية التي كانت تحرص على القراءة ، السيد   “أليكساندر دْ مارونش” ، رئيس المصالح السرية الفرنسية أيام “الرئيس “بومبيدو” و الرئيس “جيسكار ديستان” ، و أم “أليكساندر” “الكونتيسة” التي كانت تعيش بطنجة . كان ابنها الكلونيل يزور المكتبة ، وله عدة أصدقاء بالمغرب . كنتُ (راشيل) أحكي له الأسرار الصغيرة لطنجة دون أنْ يتكلم بدوره عن الأسرار و الخبايا الكبرى الفرنسية . و إذا كانت لراشيل صفة علائقية ، فهي للأميرة فاطمة الزهراء بنت سلطان المغرب أوائل القرن العشرين ، مولاي عبد العزيز . وهي التي ما زالتْ تضيئ ذاكرة راشيل مويال .. بأدب رفيع المستوى جسد المؤلف “دومنيك روسو” شخصيات التي عايشتْ راشيل ،  في سيرتها  الذاتية باستحضار الزمان الماضي إلى الحال الثابت ْ…

بقلم : عبد المجيد الإدريسي

عن admin

شاهد أيضاً

حوار مع الفنان المغربي إدريس الروخ

إدريس الروخ، مخرج “ديما جيران” و”صفي تشرب” و”دار الغزلان” وغير ذلك من الأعمال،  هوفنان مغربي …

الحسيمة.. الدرك الملكي يمشط جماعة لوطا بحثا عن مروجي الكوكايين

أطلقت مصالح الدرك الملكي حملة تمشيط واسعة بجماعة لوطا ب إقليم الحسيمة، بحثا عن مروجي …

المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بصدد إنشاء غرفة التداول لإدارة المخاطر

ترتبط أنشطة المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بمناخ متقلب وسريع التغير، مما يؤدي إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *