رثاء ليس الأخير .. إلى روح الفقيد سعيد الشاوي

أراك تسبقني بخطواتك الوئيدة لا تلتفت إلى الوراء، ثابت الخطوات، منصتا إلى أعماقك في أحضان أفق مفتوح، ربما شغلتك هواجس ما سيأتي، ففي ميدان يضج بالصراعات و يحبل بالمفاجآت، وتجري في مساربه الطموحات الخفية والظاهرة وتتشكل فيه، حسب اتجاه الرياح، التكتلات والتكتلات المضادة، لا وقت لراحة العقل، لا وقت للركون إلى الخلف أو الاستسلام…

لم أكن أعلم أنها المرة الأخيرة التي أراك فيها، وقد التقينا قبل ذلك دون أن نلتقي، ومررنا مرات من هذا السبيل متسارين دون أن نكمل المسار، وقد تواعدنا على ذلك دون أن يتحقق الوعد، أصررت على ذلك مرارا معاتبا إياي على تقاعسي  وكسلي غير المبرر، في حين واظبت وسط زحام الانشغالات والتنقلات والمعارك على أخذ جرعتك من الهواء النقي لتجديد نفسك وحيدا أو مع أحد الأصدقاء الأوفياء.

و عبثا أكمل على تلك المحجة وحيدا منذ أن رفع الحجر، و لا أخفيك سرا أن فراستك وإيقاظك لغفوتي لم أظفر بمعناهما، ولم أسبر مغزاهما إلا متأخرا، وأنا عبثا أكمل وحيدا، أتساءل، وكأنك هنا وسنلتقي يوما، لماذا أخلفت الوعد ولماذا تقاعست وتكاسلت، و لا أجد تفسيرا معقولا لتصرف القدر.

في ذلك الممر المعتم البارد التقينا، أنت القادم من ليكسوس وأنا سليل أبينوم، كنا نخرج لنتنفس عبثا شيئا من الحرية في ذلك الصقيع، ربما تواجدنا معا خطأ في ذلك المكان، لكنه القدر، فاخترت مسارك عبر سم إبرة، غرزة غرزة، و كأنك تنقش نطفة في الصقيع ومعنى آخر في الحجر، واخترت، دون أن أدري، مقاومة العبث بالعبث، ولولا شيئ من لطف القدر لكانت خساراتي أقسى من طعم الجراح، فشكرا للقدر، وشكرا للأصدقاء و…؟ ! .

في بيت الأم؛ وفي ذلك المقعد الذي يذوي بعبق ذكرى الراحلين الأعزاء إلى القلب أجهشت العين، لم يمهلك القدر، صديقي، لتكمل الطريق وتلتقي مع وعد الفرح، الذي نسجته مع حمامتيك و نصفك الآخر، رغم كل شيء، وأنا لم أستطع، رغم كل شيء، جمع شتات روحي الحزينة وجسدي السقيم، وعيونك تطل من الكوفية الفلسطينية رافعا شارة النصر هنا وهناك، منتصرا على إصرار العبث وتشاؤم الهزيمة.

لا أدعي أنني كنت صديقا حميما أو أني وارث وصيتك، وأصدقاؤك ربما أكثر أو أقل مما بقي لي في رماد العمر، لكنني أشهد أن صداقتنا كانت تبنى حجرا حجرا بهدوء، و أن رحيلك هز قلبي، وأصابني بحزن عميق؛ ومشاعري دلتني على أنك كنت من بين أقرب الأصدقاء إلى نفسي، رغم اختلافك معي واختلافي معك، فأنت خريج مدرسة قوية الشكيمة، وأنا لا تستوعبني المدارس وأتوجس من شعث الراهن وأخاف رمل الآتي.

لقد جمعتنا لحظات متفرقة، وجمعتنا قضايا إنسانية وعملية مشتركة ومنها شؤون خلفنا، لقد كنت لا تتعب في مسعاك منذ أيام الدراسة حتى رحيلك، فتنازلت عن أشياء كثيرة  في سبيل ما آمنت به وجعلته قضيتك، فلم تنساق مع إغراءات تسلب عقول معظم الناس، ستبقى زياراتنا معا ل”سوق البلدي” الذي تعمره البائعات الكادحات محفورة في ذاكرتي تقطر بدلالات البساطة والإنسانية والتضامن في أرقى معانيه، وسيبقى دفاعك عن قضايا المحرومين العادلة، ووقوفك بجانب من يحتاج إلى الدعم والمناصرة محفورا في الذاكرة الجماعية، لا أحد يمكنه أن يدعي الكمال و لا أحد لا يخطئ، لقد ناضلت بمثابرة وحنكة، وصبر وثبات، والنضال اختيار و مواقف واصطفافات، وفي ساحته تصطدم الطموحات و التقديرات، والأفكار والمواقف، وقد يصل الصدام إلى معارك طاحنة، قد تأخذ أحيانا طابعا شخصيا، ويبقى التاريخ في الأخير حكما منصفا للجميع في هذه الحياة التي بقدرما تغرق في الواقعية تنزع، من غير توقع،  إلى العبثية.

هذا غيض من فيض، صديقي، فأنت ربما أكبر من حكايتي أنا الذي اخترت الانزواء والسكينة والسكون، اخترت سبيل الإصلاح، اخترت موقفا يشبهني و لن أتشدق بغيره، ما أحلم وخريف العمر يزف، حلم بسيط، اكتساب أصدقاء بدل أعداء، اطمئنان، ونافذة صغيرة تطل على القمر في بلد أجدادي.

لا أشك أن رفاقك وأصدقائك الآخرين لهم من الحكايات ما قد يكمل بعضه البعض،   ولو جمعوا تلك الحكايات، ستكون أجمل هدية لك، نحن كلنا عابرون، وما يوثق يذكر ويتواتر وما لايوثق ينسى، وآفة العلم النسيان.

اعذرني إن كنت أغفلت شيئا في حقك، ولتطمئن روحك الطاهرة، صديقي، فقد تركت إرثا لا يقدر بثمن، إنه حب الناس و ذكر حسن.

أنا هنا أحس بغير قليل من الغربة، يتعبني التفكير فيما تبقى… ووحشته، يتعبني رحيل الأعزاء واحدا تلو الآخر، يتعبني الأمل في بزوع يوم آخر مشرق لمن سيأتون.

عبدالحي مفتاح

عن Romaisae

شاهد أيضاً

تباين في حصيلة “السارس-كوف-2”

– بعد عام و نيّف ، ما الذي نعرفه حتى الآن عن “كوفيذ-19” ، و …

قدرنا من قدر البشرية

في الوقت الذي يشكو فيه العالم من التطرف العرقي والإثني و كذلك الديني في مناطق …

وقفة مع نظام الباكالوريوس..

نظام الباكالوريوس دلالة وسياق.. البكالورويوس نظام دراسي جامعي يتوج بالحصول على شهادة تفتح آفاقا لممارسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: