تكتسي الكتابة عن تجربة المسرحي المغربي رضوان احدادو، صفة تجديدية تقتضي الحرص الدائم على مواكبة “الجديد”، مادام هذا المبدع قد استطاع الوفاء لحيويته المثيرة في دوام التواصل مع قرائه، من موقعه ككاتب مسرحي وكفاعل جمعوي، وكذاكرة لتاريخ المسرح المغربي بالشمال. وإذا كنا قد خصصنا العديد من المقالات لمواكبة مجمل الإصدارات المتواترة للمبدع احدادو، سواء بالنسبة للنصوص المسرحية أم بالنسبة للأعمال التوثيقية المشتغلة على ذاكرة المسرح المغربي بالشمال، فإننا سنخصص هذه القراءة المتواضعة للتعريف بإحدى الإصدارات الحديثة التي جعلت من رضوان احدادو موضوعا للدراسة وللتأمل وللتشريح. يتعلق الأمر بكتاب “مظاهر المدينة في النص الدرامي المغربي- رضوان احدادو نموذجا”، لمؤلفه الأستاذ حسن صغيري، والصادر سنة 2022، في ما مجموعه 125 من الصفحات ذات الحجم المتوسط. يقدم الكتاب حصيلة دراسة تشخيصية في رصيد منجز المبدع احدادو من خلال تلمس أشكال حضور المدينة في النصوص الدرامية لمبدعنا الكبير رضوان احدادو. وبطبيعة الحال، فإن هذا الحضور ينسجم مع الأفق العام لاشتغال الأستاذ احدادو على مستوى التأصيل لشروط التجانس الخلاق بين نزوات الذات المبدعة من جهة، وبين سحر المكان وخصوبة الفضاء العام لمدينة تطوان من جهة ثانية. لا يتعلق الأمر بكتابة تسجيلية/ خطية لأشكال توظيف معالم المدينة المادية والرمزية داخل متون احدادو، ولا باستلهام نوسطالجي حالم مرتبط بموطن الميلاد والنشأة، بقدر ما أن الأمر يرتبط بنزوع المبدع نحو أنسنة المكان ونحو الارتقاء بعطائه الحضاري المؤطر لكل مكونات الهوية الثقافية للمدينة. وفي ذلك انسجام تام مع جهود المبدع احدادو لتطويع ثراء الفضاء العام للمدينة في سعيه نحو أنسنة هذا الفضاء عبر إدراجه في سياق كوني واسع يمنح للحياة ألقها، ويضفي على وجود الإنسان إنسانيته. ولعل هذا ما اختزله الأستاذ حسن صغيري بشكل دقيق عندما قال: “ففي المسرح يجد المبدع ذاته، ويحقق أحلامه لأنه فن الممكن وليس فن المستحيل. إنه احتفال وإبحار في الذاكرة الجماعية، وانفكاك من الأسر، والقدرة على البوح وتكسير جدار الصمت، والحديث عن المحظور، إذ لا مكان في المسرح عند رضوان احدادو لشيء اسمه المسكوت عنه، لأن المسرح احتفال…” (ص. 25). ولعل هذا النزوع نحو تكسير الطابوهات هو الذي جعل المبدع احدادو يقترح آفاقا رحبة تجاوزت حدود التخصص وصرامة الانضباط للقواعد المدرسية المتوارثة في الكتابة المسرحية، الأمر الذي عبر عنه الأستاذ صغيري قائلا: “والجذير بالذكر، أنه يصعب تصنيف شخصية رضوان احدادو في مسرح واحد، فهو ينتمي إلى مسرح المدينة، ومسرح الحياة، ومسرح الوطن، ومسرح الوجود، ومسرح العالم ومسرح الإنسان…” (ص. 35).
داخل هذا الإطار العام المهيكل لثوابت الانتماء المسرحي عند المبدع احدادو، تحضر مدينة تطوان كحلم محتضن للآلام وللأمل، لتوهج الأمس ولبؤس الراهن، لأحلام جيل التأسيس ولانتكاسات جيل الاستمرار. والحقيقة، أن مدينة تطوان لا تحضر إلا كاختزال لمظاهر خفوت توهج المدينة المغربية بشكل عام، ولتداعيات أفول عطائها الحضاري الذي صنع سكينتها وفطرتها وعذريتها خلال المراحل السابقة. وداخل هذا الزخم الكبير من المتناقضات، ظل رضوان احدادو يبحث عن مدينته المشتهاة، أو لنقل عن “مدينته السعيدة” حسب التعبير الأثير للشاعر المهدي أخريف، من خلال السعي لتكسير طوق الغربة والاغتراب الذي أصبح يطبق على روح المبدع في تفاعله مع تحولات الفضاء العام المفضي إلى بؤس تردي المكان. يقول الأستاذ صغيري بهذا الخصوص: “يتضح أن رضوان احدادو قد وظف المدينة بمعاني مختلفة، كان أبرزها هو شعوره بالغربة والضياع داخلها، ويزداد حجم الإحساس بها لما يتعلق الحال بموطنه الأصلي، وقد أصبح السكان داخل المدينة يعانون من مشاكل عدة، حيث صارت تتفاقم يوما بعد يوم في مجالات عديدة تأتي في طليعتها البعد الاجتماعي والبعد السياسي…” (ص ص. 33-34).
وفي كل مستويات توظيف المبدع احدادو لخصوبة المكان، ظل حريصا على الابتعاد عن التعاطي الوصفي التقريري، بل كان واضحا نزوعه نحو أنسنة الموضوع، ونحو البحث عن تخليد عناصر الخصب داخله من خلال الاحتفاء بالبعد الجمالي العام الناظم لأشكال تساكن الإنسان مع محيطه. لم تكن كتابة رضوان احدادو ذات صبغة تقنية صارمة، ولا صفة سياسية تعبوية مباشرة، بقدر ما أنها اشتغلت على نسق من الاستعارات الجمالية التي جعلت موضوعه يتجاوز الإطار المحلي الضيق، إلى مستوى كوني يشتغل على القيم الفنية من خلال أسئلة الواقع وإكراهاته. يقول الأستاذ صغيري: “ينبغي التنصيص في هذا الصدد إلى مسألة تبدو ذات أهمية، وهي أن حضور الجانب السياسي في إبداعات رضوان احدادو المسرحية، لم يكن على حساب الجانب الجمالي، فقد ظلت رؤيته الفنية مرتبطة برؤيته السياسية…” (ص. 59). ويضيف الأستاذ صغيري موضحا آفاق البحث والتأمل في قضايا المدينة بالنسبة للمبدع احدادو، قائلا: “إن اهتمام رضوان احدادو بهذا الموضوع، كان يروم توجيه المتلقين وكل الفاعلين السياسيين وجميع المتدخلين إلى التفكير المعقلن الرصين في موضوع المدينة، والتفكير في مستقبلها ومستقبل الأجيال الصاعدة عن طريق إعادة النظر في بنائها من جديد، وفق تصور جديد يتساوق مع روح العصر وتقلباته حتى لا نخلف الموعد مع التاريخ، خاصة ونحن نواجه امتحانا عسيرا يتعلق ببناء نظام قيمي صالح لمواجهة الإشكالات والصعوبات التي تعترض سبيلنا في الحياة…” (ص. 118).
وللاقتراب من السقف العام لهذه الرؤية، اهتم الأستاذ حسن صغيري في الفصل الأول من عمله بمقاربة موقع رضوان احدادو داخل حقل الإبداع المسرحي الوطني كمدخل لرصد المفهوم الذي بلوره هذا المبدع لمصطلح “المدينة”. في هذا السياق، ارتكز المؤلف إلى نصوص مرجعية لإبراز مظاهر مرارة الواقعين الاجتماعي والسياسي، وكذا تداعيات البؤس المترتب عن اختلال منظومة القيم. من بين النصوص المرجعية التي اعتمدها المؤلف في هذا الإطار، نذكر مسرحية “زمن مضى.. ولم يمض”، ومسرحية “أهل المدينة الفاضلة”، ومسرحية “البحث عن متغيب”، ومسرحية “المتنبي يخطئ زمنه”، ومسرحية “في انتظار زمن الجنون”، ومسرحية “الحافلة رقم 3″، ومسرحية “المشاء أو الأراجيح تحلق عاليا”،…
وفي الفصل الثاني من الكتاب، انتقل المؤلف لرصد تجليات المدينة الحلم المرتقب، أو الحلم المنتظر، في نصوص رضوان احدادو، من خلال تحديد المداخل الحقيقية للبحث عن المدينة المنشودة، وهي المداخل المرتبطة بحرقة الأسئلة المغيبة وبتبعات التردي المسؤول عن انبثاق الزمن الضائع، وقبل ذلك، بتكريس مبدأ الانتصار للحياة بتجاوز “عولمة الدمار” والتأصيل لشروط الحلم المؤجل، حتى تتساكن الروح مع محيطها، وتنسج الذات مع حضنها.
هي قراءة وجودية، تعيد مساءلة أسباب انتكاسة الراهن، وتستشرف المستقبل، قبضا بتلابيب الحلم المؤجل. وبهذه الصفة، اكتست نصوص رضوان احدادو صبغة تأصيلية تربط التاريخ وتوهج عطائه بالحاضر وانتظاراته وأحلامه. ولعل ذلك ما استطاعت دراسة الأستاذ حسن صغيري تشريح أبعاده، من خلال قراءة نقدية فاحصة، سمحت بإعادة اكتشاف متون رضوان احدادو، وبتوسيع دوائر التأويل داخل مضامين هذه المتون. وفي ذلك، قيمة أكاديمية رفيعة، تجعل من رصيد منجز الرائد رضوان احدادو مجالا مشرعا لتوليد قراءات على قراءات، وتأويلات على تأويلات، وأسئلة على أسئلة. باختصار، هي كتابة تترك الأثر بعد أن يُمحى الخبر، وتضفي على رصيد المبدع كل عناصر الاستمرارية والخلود.
أسامة الزكاري









































































PDF 2025


