من القضايا التي تعالجها رواية “المصري ” للروائي الراحل محمد أنقار نورد ثلاثة قضايا أساس هي :
1 ـ الهوى المصري :
في دراسته التي خصصها د. محمد مشبال لرواية ” المصري ” في كتابه ” الهوى المصري في المخيلة المغربية ” ، ذهب إلى أن أرض الكنانة بما كان يصدره كتابها وأدباؤها الكبار من إنتاجات فكرية وأدبية كانت وحدها مصدراً لإلهام المثقفين والأدباء المغاربة ، حيث كان للهوى المصري أثر السحر على مخيلتهم . لكنني أنني أرى رأياً آخر، مفاده أن الهوى المشرقي بصفة عامة ( بلاد الشام وأدباء المهجر الأمريكي ) كان أيضاً مصدراً لمشروعات بعض المثقفين والأدباء المغاربة ، وليس الهوى المصري وحده. وأنصع مثال نستدل به في هذا الصدد ، هو الأديب البارز محمد الصباغ ( وهو أحد أبناء مدينة تطوان ) فقد كان هواه مهجرياً لبنانياً ، ولم يكن مصرياً. بل إن ثمة رأياً آخر بدا لي أثناء قراءتي لرواية ” المصري ” ، وهو أن الهوى الذي كان يستهوي صاحب الرواية نفسه هو” الهوى التطواني “. وهذه قراءة تدخل في إطار القراءات المتعددة التي تتيحها النصوص الغنية المتميزة. فـــ”علاقة الاستكشاف والتحليل التأويلي … تجعل الناقد يقر بأن النص الروائي قابل لعدة قراءات واستكشافات ، وهو لذلك ذو طبيعة حركية متجددة، ولا يمكن أن نسجنه داخل خانات وأحكام نهائية.” ([1] ) لقد كان الهوى التطواني هو الذي حفز الكاتب إلى الكتابة عن مدينته الأثيرة التي عشق دروبها وأزقتها وحواريها وكل ركن فيها منذ طفولته .
إن ما قام به محمد أنقار في روايته هو إجراء حوار ثري وذكي مع بعض أعمال نجيب محفوظ الروائية التي كان مجال فضاءاتها القاهرة القديمة ، وكذلك مع أعمال أدبية أخرى عربية ومغربية وأجنبية استحضرها قصد توظيفها فنياً . ([2] ) ، فالنصوص التخييلية ـ كما يقول الأستاذ محمد برادة :” تشتمل..على إمكانات واسعة لما يسميه باختين ” إعادة التنبير ” أي محاورة المبدعين لنصوص وأعمال مميزة بقصد إبراز دلالات مهمة ضمن سياق زمني مختلف. ” ([3] )
والجدير بالذكر هو أن الرواية العربية في كثير من نصوصها تعتمد على العالم السحري للرواية المحفوظية الزاخر بوصف المكان ، ورصد الشخصيات المتنوعة ومن بينها الشخصيات المهمشة والشخصيات الغريبة الأطوار. يقول الناقد المغربي محمد برادة : ” من النافل القول بأن الحديث عن الرواية العربية التي أخذت تحتل مكانة بارزة منذ الستينيات ، إنما يمر عبر استحضار التجربة المحفوظية والاتكاء على منجزاتها التي مهدت الطريق أمام نصوص مغايرة تعلي صرح الرواية وتربطه بالآفاق اللامحدودة لهذا الشكل المرن المتجدد. ” ([4] )
لقد أدرج الأستاذ محمد برادة نص ” المصري ” لأنقار ضمن ما أسماه بالقراءة الحوارية بحيث جعل فيه نجيب محفوظ شخصية روائية تعيش في فضاء مدينة تطوان المغربية .. ([5] )
وقد أشار د. محمد مشبال إلى مسألة الحوارية مستشهداً بآراء باختين ورونيه روجيه في هذا المضمار ، فالسارد ـ المشارك الساحلي ” لن يكون عمله الروائي سوى حوار كبير مع هذا العالم المشكل من خطابات الآخرين. ” ([6] ) “.
إن عنوان الرواية نفسه (المصري) يدخل ضمن إطار هذا الحوار الفني بين المتنين الروائيين (المصري) وروايات نجيب محفوظ. فالعنوان ( المصري ) حيلة فنية يتم من خلالها إيهام المتلقي بأنه إزاء عمل روائي بطله شخص مصري ، ولكننا حين ندخل إلى الكون الروائي ، لا نجد بطلا مصرياً قاهرياً ، بل إننا نجد البطل السارد ـ المشارك أحمد الساحلي المغربي التطواني. وهكذا يخرق المؤلف أفق انتظارنا. فالبطل تطواني حتى الصميم ، مرتبط أيما ارتباط بمدينته. يعرف كل ركن من أركانها باسمه. ([7] ) شديد الهوس بها . يتوق إلى كتابة رواية عنها تخلدها وتخلده قبل أن يحين حينه. وذلك ما فعله ذلك المصري الحقيقي نجيب محفوظ بأعماله الروائية الخالدة. يقول المؤلف على لسان سارده الساحلي معبراً عن فكرة تحدي الموت بواسطة الكتابة والإبداع : “.. المهم أن الخطوط الكبرى واضحة للغاية ..جمع صور العتاقة في رواية طويلة .. إن ذلك ممكن ..فكر في الأمر ..وستكون فرصتك الذهبية لتحدي الموت ..” ( ص : 34 ). إن الهوى التطواني ، حسب رأيي ، هو الذي جعل أحمد الساحلي متشبثاً بكتابة رواية عن مدينته بشكل يتسم بالإصرار والعناد ، مواجهاً كل المعوقات التي تحول بينه وبين تحقيق رغبته متحدياً الموت الفيزيقي الذي يلاحقه ، والموت المعنوي للمدينة الحبيبة إذا ما تخلى عن الكتابة عنها. والملاحظ ، بصدد حبه العذري لمدينته ، الغيرة التي يبديها الساحلي نحو هذه المدينة الجميلة الأصيلة ، عندما أخذت تطولها يد التشويه سواء على المستوى المعماري أو على المستوى الأخلاقي والاجتماعي والثقافي. ([8] )
حقيقة إن المؤلف من خلال راويه الساحلي استحضر بعض أعمال نجيب محفوظ الروائية بأجوائها وشخوصها ، وجعله يسمي ابنيه نجيب وكمال ليعرب عن إعجابه وتيمنه بشخص نجيب محفوظ الكاتب العبقري المبدع ، وحبه لأحد شخصياته الرئيسة في الثلاثية ” كمال ” ابن أحمد عبدالجواد ، بل إنه ليقدم في بعض المقاطع السردية ملخصاً أو تعليقاً أو اقتباساً لفقرة سردية من بعض هذه الروايات ( [9] ) ، لكنه مع كل ذلك لا يحاكي ، ولا يستنسخ ، وإنما يقدم عملاً روائياً ذا نكهة خاصة تعبق بأجواء مدينة تطوان المغربية المتميزة. ويؤكد ذلك الروائي المصري جميل عطية إبراهيم بقوله : ” وعلى صفحات الرواية يكشف الدكتور محمد أنقار عن دراسة عميقة لشخصيات عمنا نجيب محفوظ وهو يطلقها في شوارع تطوان وأزقتها في مقابلات وتناص ويتساءل عن حيوات ومصائر شخصيات عمنا نجيب في سياقات تحتفظ بحلاوة الأصل وعراقة مدينة تطوان. ” ([10] ) ويبدو أن الروائي محمداً أنقار باستدعائه لأعمال نجيب محفوظ الروائية بالشكل الذي ذكرناه ، يرى مع الأستاذ محمد برادة أن ” المطلوب أمام إنتاج روائي مميَّز وغنيّ، هو أن تحتضنه قراءة حوارية تجدد نسوغه وتستكشف أبعاد متخيَّـلِه الواصل بين الأرض والسماء.” ([11] )
2 ـ زمن الهزيمة :
يلتقي أحمد الساحلي بطل رواية ” المصري ” في تجربة الخيبة والإحباط مع بطلين هما : ” دون كيخوطي ” ، وسعيد مهران في عملين روائيين استحضرهما المؤلف في روايته : الأول رائعة سرفانتيس والملاحظ أن هذا العمل تم التعامل معه باعتباره نصاً غائباً إذ لم يأت ذكره في المتن الروائي . والثاني رواية “اللص والكلاب” لنجيب محفوظ ، وقد ورد ذكره وذكر أهم شخصياته ، بل وحضرت بعض مقاطعه السردية. .فالساحلي يخرج إلى إلى عالم المدينة العتيقة من أجل جمع مادة لروايته. ودون كيخوطي يخرج خرجتين ([12] ) ، فارساً مغواراً متأثراً بما قرأه في روايات الفروسية والرعوية والشطارية لمحاربة الظلم وإقامة العدل على الأرض ، ولكن إمكاناته كانت أقل من طموحاته ، فلم يتمكن إلا من مصارعة طواحين الهواء. وإذا كان هذا الأخير مهووساً بقراءة كتب الفروسية ، فإن الساحلي كان مغرما بقراءة روايات نجيب محفوظ ، وخاصة رواياته المحتفية بتصوير الفضاء الروائي . وقد بين د. محمد مشبال بعض نقاط الاتصال والانفصال بين هاتين الشخصيتين الروائيتين من خلال تلك المقارنة التي عقدها بينهما أبان فيها عن فهم عميق لشخصية ” كيخوطي “ولعمل ” سرفانتيس ” الخالد. وأهم ما ورد في هذه المقارنة ينسجم مع سياق حديثنا ،هوأن كليهما كانا يعانيان من داء ألم بهما : “دون كيخوطي ” كان يعاني من داء الفروسية .أما الساحلي فقد ألم به داء الكتابة. ” بينما كان بطل ثربانطيس مصاباً بداء الفروسية ، كان بطل أنقار مصاباً بداء الكتابة.” ([13] ) وكلاهما خرجا للمقارعة والصراع كل في ميدانه ([14] ) ، بيد أنهما كانا يعودان من مغامراتهما يجران أذيال الخيبة والهزيمة.
أما ” سعيد مهران ” ، فيخرج ليثأر من أعدائه وخصومه ، بيد أنه كان في كل خرجة من خرجاته الانتقامية يعود خائباً مهزوماً مأزوماً ، لانه بدل أن يصيب عدوه الحقيقي ، يلفي نفسه وقد أصاب شخصاً بريئاً لاعلاقة له به لا من قريب ولا من بعيد . وتتكرر المأساة في كل محاولة لأخذ الثأر من أعدائه الألداء.
وكأنني بالكاتب هنا يقول لنا إن الزمن لم يعد زمن الفروسية والبطولة. فلم تعد الفروسية وقيم النبل والبطولة الفردية ذات جدوى فيه ([15] ) ، فالقيم أضحت مبتذلة حتى في مدينة عريقة أصيلة محافظة مثل مدينة تطوان .وثمة إشارات وأحداث في الرواية تومئ إلى حدوث تغير وتشوه خطير على مستوى القيم والأخلاق والمستوى الحضاري العام.
ولا يخفى أن تيمة الهزيمة والخيبة تيمة هيمنت على الرواية العربية منذ هزيمة يونيو67 وغيرها من الهزائم و الخيبات المتكررة التي حاقت وما تزال تحيق بالأمة العربية إلى يوم الناس هذا.
3 ـ إشكالية الإبداع :
لا شك أن إشكالية الإبداع عموماً والإبداع الروائي تحديداً ، كانت من أبرز القضايا التي أثارها المؤلف في روايته ، فلطالما أرَّقَ تْ كبارَ المبدعين شرقاً وغرباً. وقد عبر عنها الكاتب في غير موضع من الرواية ([16] ) ، و استطاع أن يصور لنا هذه المعاناة من خلال صراع خفي دار بين المؤلف الفعلي وذاته الثانية السارد ـ المشارك الساحلي. ويتجلى هذا الصراع في اللعبة الفنية التي استخدمها المؤلف في بناء روايته. فثمة صراعٌ بين العجز عن الفعل والقدرة عليه، ضعف الموهبة وقوتها، عقم الخيال وخصوبته. وهكذا تنتهي اللعبة بعجز الساحلي عن اقتحام عالم الإبداع بكتابة رواية عن مدينته ، وقدرة المؤلف على إنجازها. فرغم أن صوت الشخصية كان أبرز من صوت المؤلف المتواري في الخلفية ([17] ) ، فإن هذا الأخير انتصر على الشخصية الساردة، وحقق ما عجزت عنه. وهاهنا سحر اللعبة الفنية التي أمتعنا بها الروائي محمد أنقار في روايته “المصري “.
الهوامش
[1] ـ د.محمد برادة ، الرواية ذاكرة مفتوحة ، ط.1 ، آفاق للنشر والتوزيع ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، 2008 ، ص : 18
[2] ـ نشير هنا على سبيل التمثيل إلى نص الرافعي حول الحب المثالي/ رائعة ميكيل دي سيرفانتيس ” دون كيخوطي دي لامانشا ” التي تم توظيفها في الرواية باعتبارها نصاً غائباً تتناص معه .
[3] ـ الرواية ذاكرة مفتوحة ، م . س . ذ ، مقدمة الكتاب ، ص : 7 .
[4] ـ نفسه ، ص : 140 .
[5] ـانظر المرجع نفسه ، ص : 141 .
[6] ـ الهوى المصري ، م . س. ذ ، ص : 135 .
[7] ـ وهذا ما أشار إليه د. محمد مشبال بقوله : ” تعد الرواية من هذه النواحي الواقعية أيضاً وثيقة أدبية لأمكنة المدينة العتيقة ، حيث لا يوجد ركن عتيق لم تتطرق إليه بالتسمية إن لم يكن بالوصف ” ( الهوى المصري ، ص : 141 )
[8] ـ انظر التحليل الذي أنجزه د. محمد مشبال لدى دراسته لصورة الفتاة اللعوب مع الفتى الذي كان يغازلها بجانب قنا الماء بحي السويقة في كتابه ” الهوى المصري ” حيث يؤول المشهد تأويلاً جنسياً ، يشير من خلاله إلى التحول الذي طرأ على أخلاق الناس في المدينة التي كانت معروفة بمحافظتها وحشمة أهلها في عهد شباب الساحلي. ص : 155 وما بعدها.
[9] ـ انظر على سبيل المثال حديثه عن رواية ” القاهرة الجديدة ” : ” أية صراحة وأية تعرية للأوضاع الاجتماعية العفنة.الرشوة والقوادة وبيع الذمم والعهر والتنازل السهل عن المبادئ.فلسفة ” طز ” والمتاجرة بالثقافة والأخلاق والقيم ” ( ص : 13 وما بعدها / اقتباس فقرة سردية كاملة من رواية ” قصر الشوق ” ( ص : 33 ) / انظر كذلك إشارات إلى بعض شخصيات محفوظ : عمر الحمزاوي في “الشحاذ ” عثمان بيومي في ” حضرة المحترم ” ص : 37 ؛ أحمد عاكف في ” خان الخليلي ، ص : 61 … )
[10] ـ عن مقالة للكاتب الروائي المصري كتبها من جنيف بعنوان : ” محمد أنقار .. والمربي الفاضل ” بتاريخ 22 يوليو2007 ، نقلا عن موقع بالإنترنيت وعنوانه : www.alwarsha.com .
[11] ـ الرواية، ذاكرة مفتوحة ، م. س . ذ ، ص : 142 .
[12] ـ انظر مقدمة رواية “دون كيخوطي “لمترجم الرواية الدكتور عبدالرجمن بدوي ، ط.2 ، دار المدى للثقافة والنشر ، لبنان ـ بيروت ، 2007 ، ص : 16 وما بعدها.
[13] ـ د.محمد مشبال ، الهوى المصري ، م. س . ذ ، ص :143
[14] ـ انظر : المرجع نفسه ، ص : 127 .
[15] ـ استأنست في هذه الفكرة برأي ذ. محمد برادة ورد في كتابه : الرواية ،ذاكرة مفتوحة ، م.مذكور ، انظر ص : 69 .
[16] ـ تمت الإشارة إلى هذه القضية في مستهل الدراسة.
[17] ـ انظر بهذا الخصوص : د.صبري حافظ ، الرواية العربية ، ممكنات السرد ، أعمال الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الثقافي الحادي عشر ،عالم المعرفة ، نسخة مجانية توزع مع العدد :359 ، دولة الكويت ، 2009 ، ص : 191.
بقلم : عبدالجبار العلمي









































































PDF 2025

