زيارة جلالة المغفور له محمد الخامس لمدينة تطوان (9 أبريل 1956)

يعود تاريخ هذه الزيارة إلى 9 أبريل 1956، ولعل يومها التاسع وشهرها (أبريل) ما أحدث خلخلة عند البعض وتشابه عليه الأمر بينها وبين زيارة سابقة لجلالته لمدينة طنجة، وإن كان يفصلها حوالي عقد من الزمن (9 أبريل 1947).

إذا كانت زيارة طنجة قد حققت هدفا أساسيا سعى إليه جلالة الملك والحركة الوطنية المغربية، وهو المطالبة باستقلال المغرب وإسماع صوته دوليا، فإن زيارة 9 أبريل 1956 إلى تطوان جاءت في ظروف مغايرة، سِيمَتُها عودة الملك الشرعي من منفاه بعد مقاومة المستعمر، فجاء معها الإعلان الرسمي والبُشْرى برجوع السيادة الوطنية وتوحيد المغرب، وحل معها السرور العظيم والبهجة الكبرى بتحقيق ما كان أملا بالأمس أصبح اليوم حقيقة. ومن الصدف الجميلة أن رجال الحركة الوطنية الذين سهروا على تنظيم زيارة محمد الخامس لطنجة (9 أبريل 1947)، كانوا هم أنفسهم وراء ترتيب وإعداد زيارة ملكنا المكافح لمدينة تطوان في 9 أبريل 1956 وفي مقدمتهم الزعيم الكبير الأستاذ عبد الخالق الطريس، والسيد الطيب بنونة أول عامل على تطوان، ورفقائهم بمدن طنجة وأصيلا والعرائش…

فبعد زيارة قصيرة لإسبانيا وبعض مدنها: مدريد، طوليدو، غرناطة، قرطبة، إشبيلية، والمشاركة في المفاوضات الرسمية بين الدولتين. انتقل العاهل المفدى جواً يوم الإثنين 9 أبريل 1956 إلى تطوان كأول محطة يزورها بالمنطقة الخليفية للإعلان لشعبه الكريم عن استقلال الوطن ووحدة البلاد ورجوع السيادة الكاملة، وتوحيد شماله وجنوبه بانتهاء عهد الحماية والاستعمار.

نزلت الطائرة الإسبانية بمطار سانية الرمل، واحتشد المواطنون والمواطنات على طول الطريق تعلو وجوههم الفرحة العارمة والانشراح الكبير بقدوم محقق الوحدة الوطنية جلالة الملك المغفور له محمد الخامس.

امتلأ مطار تطوان في صباح يوم تاريخي غير مشهود بالوفود والهيئات والجماهير الشعبية، والشخصيات المختلفة المتقاطرة عليه من جهات عديدة، راغبة في السلام على صانع الوحدة والتبرك بقدومه.

توقفت الطائرة المقلة للوفد الملكي لترتفع حينئذ في السماء زغاريد النساء والهتافات الحماسية، وبعد دقائق قبل فتح باب الطائرة توجه جلالته بالشكر إلى ربانها وقائدها وزير الجو الإسباني السيد Gonzalez Gallarza، الذي قطع المسافة من مطار إشبيلية إلى مطار تطوان في وقت قصير، ورحلة هادئة مطمئنة كُلِّلَت بالنجاح.

في جو حماسي قل نظيره نزل جلالته مصحوبا بالأميرين مولاي الحسن (الحسن الثاني)، ومولاي عبد الله رحمهما الله، ووزير القصور السلطانية والتشريفات، ووزراء الدولة، وأعضاء الوفد المشارك في المفاوضات.

ومن المطار قَصَدَ جلالته في سيارة مكشوفة سوداء، مزينة بالعلم المغربي، ملعب سانية الرمل، حيث أعدت هناك منصة خطابية قام جلالته إثر توقفه القصير بإلقاء كلمة، ثم وشح صدر المقيم العام الإسباني الجنرال García Valiño بحمالة الوسام العلوي. كما ألقى المندوب الإسباني السامي كلمة بالمناسبة.

في تلك اللحظة ظلت مدافع قصبة تطوان تواصل طلقاتها منذ أن هبطت الطائرة الملكية إلى المطار، حتى أتمت مائة طلقة إيذانا بقدوم الملك المعظم.

وبعد ذلك انتظم الموكب في اتجاه القصر الخليفي العامر (القصر الملكي حاليا)، واستغرق وصوله – رغم قصر المسافة – حوالي ساعتين ونصف إلى ساحة الفدان، معلمة تطوان وفضاؤها التاريخي، الذي شهد أشكالا من الأحداث النضالية، والمظاهرات الصاخبة المطالِبَة باستقلال المغرب، ورَفْض نفْي قائده محمد الخامس، والإصرار على عودته.

وخرجت إلى الفدان في هذا اليوم الأغر أفواج من الطائفة اليهودية المغربية، وأعداد من الإسبان المقيمين بتطوان ونواحيها للتعبير عن احترامها وتقديرها لهذا الملك الهمام.

ونظرا لازدحام واكتظاظ هذا الفضاء على سعته بالمواطنين والمواطنات وهم يقدمون التحيات والتبريكات القلبية للملك الوفي عبر أصواتهم المرتفعة وهتافاتهم القوية وزغاريد النساء العالية… تجلى سبب هذا التأخير ومعه استحالة ولوج الموكب الرسمي مدخل القصر، مما يُفْصِحُ – بدون شك – عن المحبة العميقة، والتعلق الكبير للشعب بملكه.

وقَدَّرت بعض الصحف المنشورة باللغة الإسبانية وقتها أن عدد المستقبِلِين لصاحب الجلالة من الجماهير المحلية والوافدة زاد عن 200.000 ألف مواطن ومواطنة، علما أن عدد سكان المدينة عام 1956 كان لا يتجاوز 80.000 ألف نسمة.

أما الخطاب التاريخي الذي ألقاه جلالة محمد بن يوسف من شرفة قصره، أمام الجماهير الغفيرة فلم يتم تقديمه إلا في الواحدة والدقيقة الأربعين، واستغرق خمسا وعشرين دقيقة، وكان يقاطع بالتصفيقات الحارة والدعوات الصادقة لقائد الأمة.

وقبله ألقى سمو الخليفة مولاي الحسن بن المهدي خطابا أعرب فيه لصاحب الجلالة عن إخلاصه وإخلاص سكان الشمال قاطبة لقضية الوطن الكبرى.

وافتتح جلالته الخطاب بقوله:

«الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

رعايانا الأوفياء.

إنها منة من الله، وفضل عظيم أن نقف اليوم بينكم في هذه المدينة ذات المجد التاريخي، وأحد معاقل الحضارة المغربية الأندلسية، وفي هذا الشطر من مملكتنا، عرين الأبطال، ومرتع الصناديد من رجال الريف الأبرار، أولئك الذين كان لهم ذكر ومازال في تاريخ بلادنا، قديمه وحديثه، وسيظل باقيا زاهرا على مر الأعصار»

مضيفا: «بالأمس عدنا من ديار فرنسا ووجهتنا عاصمة مملكتنا رباط الفتح لنزف منها إلى رعايانا بشائر الاستقلال، واليوم نعود من رحلتنا من الديار الإسبانية ووجهتنا تطوان قاعدة نواحي مملكتنا في الشمال، وتحت سماء هذه المدينة قصدنا أن يرن صوت الإعلان بوحدة التراب إلى رعايانا في جميع المملكة، وذلك رمزا إلى تتميم هذه الوحدة وتثبيتها».

وبعد انتهاء الخطاب الملكي، أقيم استعراض بساحة الفدان تابعه جلالته من شرفة القصر، وشاركت فيه كل من فتيان الكشفية الحسنية والشبيبة الاستقلالية وهيئات ومنظمات مختلف الأحزاب الوطنية وأجواق عسكرية…

وعلى الساعة السادسة مساء من نفس يوم الاثنين 9 أبريل 1956 كان موعد صاحب الجلالة مع الاستقبالات بقصر المشور السعيد بتطوان، وتَشَرَّفَ بالمثول بين يديه: ممثلو جيش التحرير، وممثلات الاتحاد النسائي التطواني، ووفد يمثل خريجي الجامعات، والهيئات الثقافية، والجمعية الخيرية، والأشراف والوجهاء، وممثلو النقابات، وممثلو رجال الأمن. وكان جلالته رحمه الله حسب ما تشهد به تقارير الصحف المغربية والأجنبية «يُزود كل واحد بنصائحه الغالية وإرشاداته السامية، ويحض على  توحيد الصفوف والعمل بجد واجتهاد لخير الأمة والبلاد».

وكان الزعيم الأستاذ عبد الخالق الطريس والسيد الطيب بنونة عامل إقليم تطوان في كل لحظة بجانب جلالته أثناء هذه الاستقبالات الرائعة.

وبعد هذه الزيارة الأولى مُنحت لجلالته ميزة الشرف الذهبية لمدينة تطوان، ووزعت أثناء هذه الاحتفالات الضخمة الصدقات على الفقراء والمحتاجين.

وبمناسبة الزيارة الملكية التاريخية نُظمت عدة أنشطة، منها الأمسية الأدبية، من إعداد مندوبية التربية والثقافة الخاصة بالطالبات المغربيات، حيث ألقيت قصائد ومقطوعات شعرية، وقُدِّمَت أعمال أدبية، وذلك بفضاء مدرسة الصنائع.

كما وضع برنامج لمباريات رياضية في كرة القدم.

واحتضن مسرح إسبانيول بتطوان أمسية شعرية لفتيات الريف حضرها الأمير مولاي الحسن (الحسن الثاني رحمه الله). وأقامت جمعية الطالب المغربية والطائفة اليهودية التطوانية حفل شاي لأفراد العائلة الملكية. كما رَتَّبَتْ جمعية الاتحاد النسائي حفل شاي على شرف جلالة محمد الخامس وحاشيته، نُظم هذا الحفل بدار الركينة الفخمة، وأعَدّت مدرسة الأميرة للا فاطمة حفلة مسرحية…

وهكذا عاشت مدينة تطوان بمختلف طوائف ساكنتها أفراحا وسعادة بهذه المناسبة الجليلة، أفراحا عاشتها أيضا أحياء وشوارع المدينة والمراكز والمؤسسات الموجودة بها، مزهوة بأعلامها المغربية مترنمة بأناشيدها وأغانيها الوطنية، مبتهجة بهذا العيد الجديد، أول عيد الاستقلال والحرية والوحدة.

 

الزبير بن الأمين

عن Romaisae

شاهد أيضاً

شيخ العلوم بتطوان، العلاّمة القاضي سيدي محمد المُرِير

أسرة المرير: أسرة المرير من الأسر الجبلية، وتنحدر بالضّبط من قبيلة بني سعيد الغمارية، وتحديداً …

مؤسسة عبد الخالق الطريس تدشن انطلاقتها العلمية

تعزز مجال الدراسات التاريخية الوطنية المعاصرة بصدور كتاب جماعي خلال بحر السنة الجارية (2020)، تحت …

الفقيه القاضي، سيدي أحمد بن محمد بنتاويت التطواني

أسرة بنتاويت: أسرة بنتاوِيت من الأسر الجبلية، وترجع أصولها إلى مدشر تاوِيششْ، (نسبة لأولاد بنتاويت)، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: