سلسلة تراث غمارة: من أعلام قبيلة بني زجل الغمارية -1-

هذه دراسة لتاريخ منطقة جبلية هي موطن المؤلف ومكان انتسابه، ثنائية المكان والانتماء، المكان هو البؤرة التي تتجمع فيها الأحداث وتلتقي فيها الشخصيات والأرواح والنفوس، والإنسان هو المؤرخ و المحتفى به أيضا، المؤرخ للمنطقة من خلال أعلامها والمحتفى به من خلال ما خلفه من إرث علمي، مجهود سنوات عديدة من البحث والتحصيل، تاريخ من التجارب والأحداث التي تعيدنا لصفوف الدرس الأولى، لنتعلم أبجدية الحياة في تحولاتها ونجمع ما حصلناه من علوم لنحاول فك شفراتها ونسلك شعابها بما أوتينا من فكر.

هنا الوفاء للمكان في أبهى تجلياته، الاعتزاز بالانتساب، والفخر بالموطن وما يزخر به من أعلام. كان هم المؤرخ الكبير و حلمه الذي يصبو إلى تحقيقه وهو بين تنقلاته في مسار حياته العلمية والعملية، بثقافته الموسوعية وتجميعه العلمي، للزاد الروحي والفكري، ليصل لعتبة هذه اللحظة وهو يعود لمنطقته التي ينتمي إليها ليعايشها في تاريخها العميق، ليجالس أعلامها من خلال ما خلفوه، لينقب عن المغمورين منهم ويحاول وضع صورهم في شجرة القبيلة كثيرة الفروع ليسهل الطريق على من أراد سلك هذا الدرب ويدلل له الصعاب

وفي هذا الصدد يقول في مقدمة مؤلفه :(قمت فشمرت على ساعدي لأساهم في وضع لبنة أساس حول سيرة أعلام هذه القبيلة من مختلف الأصناف ليكون منطلقا لمن يرغب في المستقبل الكتابة عنهم بعدي، لأنهم يستحقون بالفعل الدراسة لما قدموه من فكر وعلم وثقافة وسياسة واجتماع وما إلى ذلك.)[1]

لكن هذا العمل الكبير اعترضته الكثير من العوائق أفصح عنها مؤرخنا في مقدمة كتابه قائلا: (ومن الصعوبة التي واجهتني أيضا أن البعض من أبناء قبيلتي ممن توسمت فيهم الخير والتفهم لطبيعة البحث التاريخي، كانوا يخلفون وعدهم معي فأجد في نفسي حسرة،من ذلك مثلا أنني أنتظر الشخص لعدة سنوات من أجل إجراء حوار معه ، وعندما يأتي متأخرا يعتذر مني وينصرف وقد يزودني بمعلومات بعجالة وينصرف إلى حال سبيله ، وبعضهم كان يلح على تسليمه المكتوب الذي حررته منه .)[2]

لم يكن التأريخ للمنطقة ينصب فقط على ما تزخر به المصادر والمراجع من معلومات، بل كان ينبغي عليه القيام ببحث ميداني حتى يبرز بكل ما أوتي من قوة كل من شرف قبيلته بعلمه وعمله. لكن تظل دائما المطبات تعترض مسيره وهذا ما أبداه أيضا في مقدمة كتابه حيث قال: (ومنها أيضا أنني كنت أنتقل من قرية “إلى أخرى متخفيا من عينها (المقدم) وأنا لا ألومه، فهو معذور، لأن ذلك يدخل اختصاصاته، فكم من مرة أوقفني و استفسرني، وهذا عائد بالأساس الى ان السلطة المحلية امتنعت عن منحي رخصة القيام بالبحث داخل مداشر وقرى القبيلة والحالة هذه أنني تقدمت بعدة طلبات في الموضوع إلى السيد عامل إقليم شفشاون للحصول عليها لكن دون جدوى ولا أدري السبب في ذلك ؟)[3]

فالكتاب يدخل ضمن كتب التراجم الإخبارية وهو صنف من التأليف يكون القصد منه تحصيل تراجم الرجال ضمن موادها إما بشكل مفرد أو ضمن جماعات وطبقات.

وينصرف العمل الترجمي فيها إلى رصد ما يتعلق بالتعريف بشخصيات لها وجود بارز في بيئتها إما علما وأدبا وإما سياسة ووجاهة وإما صلاحا.

وهذا الصنف من التأليف يقوم أساسا على وحدات من الترجمة الخاصة بهؤلاء الرجال المقدم لهم ، تعرض وحدها أو ضمن مجموعة أخرى من التراجم ضمن طبقة أو أكثر ، وتهدف هذه الترجمة إلى ذكر ما يتعلق بأحوال المترجم به من مولد ووفاة وعرض أخباره ومواقفه واختياراته وإنجازاته ، ليحصل التعرف عليه ويزول المجهول الذي يلف شخصيته وحياته، وبذلك كان الهدف من الترجمة هو التعرف على المترجم به بالأساس ،إما في إطار مفرد خاص به يقوم التنبيه عليه والتنويه به وإما في إطار جماعة ينتسب إليها ،أو طبقة معينة ينتمي إليها، أو فترة زمانية ومكانية عاصر أصحابها فينقل ما أمكن من أخبار هذا المترجم به ويجلب النماذج من أعماله وإنجازاته ، ليتم التعرف عليه بشكل أوضح ويقع التقرب منه أكثر ، فيحصل الاستئناس به والتجاوب معه.[4]

وعلى هذا النهج سار الباحث المؤرخ الأستاذ محمد آثار حيث قال : (فعندما أشرع في ترجمة علم ما أبدأ بالكلام عن اسمه ونسبه وأسرته، وتاريخ ومكان ولادته ، والسنة التي ولج فيها الكتاب، وكم كان عمره وقتذاك، ومن تكفل  بذلك مع ذكر الشيوخ الذين علموه مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن العزيز على أيديهم ، ثم رحلته في طلب الغلم داخل قبيلته أو خارجها إن حصلت مع الإشارة إلى الفقهاء والعلماء الذين أخذ عنهم…..)[5]

التأليف إذن مصدر هام لكل من أراد التعرف على المنطقة وأعلامها -قبيلة بني زجل الغمارية -، لكل طالب باحث ليثري به دراسته عن المنطقة، هو غيض من فيض لسلسلة تراث غمارة العامرة، ستليه بإذن الله إصدارات أخرى للتعريف بكل القبائل التابعة لمنطقة غمارة والتي تزخر بالعديد من الأعلام المشهورين  والمغمورين،  مع متمنياتنا بالتوفيق والسداد للمؤرخ المجد.

سلسلة تراث غمارة من أعلام قبيلة بني زجل الغمارية ص:8 [1]

سلسلة تراث غمارة من أعلام قبيلة بني زجل الغمارية ص:11[2]

سلسلة تراث غمارة من أعلام قبيلة بني زجل الغمارية ص:12[3]

كتب التراجم العامة وكتب المناقب خلال عصر المولى إسماعيل -1082-1139هـ مجلة المناهل  العدد  56ديسمبر1997[4]

سلسلة تراث غمارة من أعلام قبيلة بني زجل الغمارية ص: 10[5]

 

دة. جليلة الخليع 

عن Romaisae

شاهد أيضاً

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: مجلة “الحديقة”

شهدت مدينة تطوان خلال عقود الاستعمار الإسباني للقرن 20 نهضة ثقافية وفكرية مثيرة، جعلتها تتحول …

التجليات الأندلسية في المتن الشعري النسائي “هل أتاك حديث أندلس” لسعاد الناصر أنموذجا 2/1

تتميز التجربة الشعرية المغربية بخصوصيات تجعلها متفردة من حيث المضامين والأغراض، وتحفل ساحة الشعر العربي …

مؤتمر طنجة المغاربي

بالعودة إلى نص الكلمة القيمة والموجهة التي ألقاها الأستاذ محمد اليازغي – حفظه الله – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: