سلسلة تراجم علماء تطوان: العلامة أحمد بن محمد السلاويُّ خاتمةُ المحقِّقين بتطوان ( ت 1320 هـ )

هذه سلسلة حلقات في ترجمة خاتمة المحققين بتطوان العلامة أحمد بن محمد السلاوي، ننشرها منجمة بصحيفة (الشمال) الغراء، تعريفاً برجالات الحضرة التطوانية، ونبوغ أبنائها البررة في مضامير العلم والعرفان، ورجاؤنا أكيد أن تمسيَ هذه الترجمة ومثيلاتها مشكاةً للأجيال القابلة، تستلهم منها الفكرة والعبرة.. ولأجل هذا تُكتب تراجم النوابغ، وويل لأمة لا تستهدي بشموعها !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وظائفه ومناصبه

  إنَّ حذقَ السلاويِّ بالفقه، واستحصادَ آلته في العلوم، واشتهاره بالتَّحقيق والشّفوف، مزايا وطّأتْ له سبلَ الارتسام في الوظائف الشرعيّة المرموقة في عصره، وحملت ولاة الأمور على التمسّك به في إقامة المصالح الدينية والدنيوية، ولا يذكر المترجمون به منصباً تقلَّده، أو ولايةً وليها، إلا ويطيلون غرَّة الثَّناء على سيرته، وحسن تصرّفه، وتورّعه عن الشبهات؛ بل إنه قد يستعفي من الوظيفةِ إذا انجرَّت منها ريبة أو إساءةٌ للدين، طلباً للسلامة وحسن العاقبة.

1 . العدالة والتوثيق

كانت خطّة العدالة صنعةً أثيرةً لدى فقهاء تطوان، ومصدراً مباشراً لرزقهم ومعاشهم، وقد ارتسم فيها مترجَمنا في العقد الثالث من عمره، على يفيده رسمٌ عدليٌّ مؤرخٌ بعام 1269 م، واستمرَّ في تعاطي التوثيق وعقد الشروط ما يزيد على عشرين سنة [1]، وكان من عدول القاضي محمد بن محمد الجنويِّ ( ت 1271 هـ )، وحلاَّه في رسمٍ  كتبه في سنة 1269هـ  بـ ( بالفقيه الأجل، العالم العلامة الأبجل، النحرير الدراكة الأفضل، الحجة البركة الأمثل، الشريف الحسنيّ المبجّل، قاضي الجماعة بتطوان.. ) [2].

  ولما تولّى محمد عزيمان (ت 1313هـ ) قضاء تطوان، كان مترجَمنا من عدوله أيضاً، وحلاَّه في رسمٍ كتبه ب ( الفقيه الأجل، الصّدر المكين المبجَّل، العلامة الدراكة الأفضل، الحافظ الحجّة السميدع الأمثل، المحصِّل المحرِّر الأكمل، قاضي الجماعة بحضرة تطوان وعمالتها.. )[3].

مهما يكن من أمرٍ فمترجَمنا من أبرز عدول تطوان في القرن الثالث عشر، ولعله أربى على الأقران في هذه الصناعةِ حذقاً وبصراً بالشروط؛ إذ من المتواتر عنه أنه لا يتعاطى شيئاً إلا وهذّبه وجوّده، وتأنّى فيه على وجهِ الإحسان، وهذا ديدنه في التقييد، والفتوى، ومطالعة الكتب وتحشيتها.

2 . الفتوى والشّورى

   كان مترجَمنا ( المفتي الأول المبرَّز في مدينة تطوان )[4]، ومفزعَ الناس في الجوابِ عن نوازل عصرهم، ومحلَّ تقديرٍ وتجلّةٍ لدى أهل الحلّ والعقد، حتّى إن الفتوى قُصرت عليه وعلى الفقيه الطيب اليعقوبيِّ بأمرٍ من السلطان[5]، لما عمّت الشكوى من كثرة المفتين، واستجرائهم على دين الله تعالى، مع قلّة الفقاهة، وقصور الآلة.

  ولا أعلمُ مفتياً من طبقتهِ جاراه في صناعة الفتوى بله أن يبزَّه؛ وإنما وُجد في عصره مفتون مقلّون في الإنتاج، متوسّطون في الإحسان، وكان مترجَمنا كثير التعقّب لهم، والانتقاد عليهم، ولو جُمِعت ردوده على القاضي عزيمان لكانت كتاباً حفيلاً، ومورداً من موارد النقد الفقهيِّ في القرن الثالث عشر.

 ولا بدعَ أن يُشاوَر مترجَمنا في الأحكام، ويُستطلَع رأيه في النوازل، بعد اشتهاره بالرّسوخ وفقاهة النّفس. وقد كان  قاضي تطوان محمد بن محمد الجنويّ (ت 1271هـ) لا يعقد مجالس الشورى إلا بحضوره وحضور شيخيه الصفّار وعزيمان [6] .

3 . القضاء

تصدّر مترجَمنا لقضاء طنجة عام 1289 هـ بظهير شريفٍ من السلطان محمد بن عبد الرحمن، وهذا نصّه :

  ( يُعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعزَّ أمره، وجعل في الصالحات طيّه ونشره، أننا بحول الله وقوته، وشامل يمنه ومنّته، ولّينا ماسكه الفقيه الأرضى السيد أحمد السلاوي التطواني،  خطة القضاء بمحروسة طنجة، وأسندنا إليه أمورها، وأرخينا عليه ستورها، وأذنا له في مطالعة الرسوم، وفصل الخصوم، والحكم في القضايا التي ترفع إليه، بمشهور مذهب الإمام مالك رحمه الله، والراجح أو ما به العمل.

 سدّده الله وجنبنا وإياه مواقع الزلل، لما بلغنا من دينه وعفّته وبعده عن الطّمع، وعلوّ همّته، فنأمره بتقوى الله وطاعته، والقيام بما أسند إليه  جهد استطاعته، وأن يسويَّ في مجلس حكمه بين المشروف

 والشريف، ويأخذ الحقَّ من القويِّ للضّعيف، من غير أن تأخذه في الله لومة لائم، أو تصدّه عن الحقّ صولة ظالم، وليستعن على ذلك بأن يستحضرَ في أحكامه قوله تعالى: ” يا داود إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ” .

  وفقنا الله وإياه والمسلمين جميعاً  لما يحبّه ويرضاه، والواقف عليه يعمل به، ولا يحيد عن كريم مذهبه.

   صدر به أمرنا المعتزّ بالله في مها حجة الحرام متمّ عام 1289 هـ. ) [7].

وقد وقفنا على رسالةٍ من السلطان محمد بن عبد الرحمن إلى مترجَمنا أيام قضائه بطنجة، ونصّها :

  ( محبنا الأرضى الفقيه القاضي  السيد أحمد بن محمد السلاوي  سدَّدك الله وسلام عليك ورحمة الله، وبعد :

  قد كنا كتبنا كتاباً للقاضي السيد العربي الحمدوني رحمه الله لحامله الشريف أحمد بن عبد اللطيف في شأن التقديم على وصية كان أوصى بها زوج بنته الفقيه السيد أحمد بن إدريس الطنجي، فإنه إن كان أهلاً للتقديم عليها فقدِّمْهُ. ثمَّ إنه لما توجّه إليه الكتاب صادفه في مرض موته، فقضى الله عليه، والآن فنأمرك بما كنا أمرنا به القاضي قبلك حسبما في الكتاب المشار إليه. والسلام

  في 23 جمادى الأولى 1290 هـ )[8].

ونغنم من الرِّسالة فائدتين تاريخيتين: الأولى:أن السلاوي تولى القضاء خلفاً للقاضي العربي الحمدوني بعد وفاته، والثانية : أنه كان مستمراً في منصبه إلى تاريخ 23 جمادى الأولى 1290هـ. والذي يلوحُ لي أن مترجَمنا حكم شهوراً بطنجة، ثم استعفى في أواخر عام 1290هـ، بسبب أن رجلاً ريفيّاً أتاهُ، وكان( موظَّفاً في بعض السّفارات الأجنبية، وطلب منه الإذن للعدول أن يتلقّوا منه تبنِّيَ ولدٍ يهوديٍّ ادّعى أنه زنى بأمّهِ، فقال له: إن إقراركَ هذا يوجب عليك الحدَّ شرعاً، فقال له على سبيل الإهانة للدّين : السّلطان الذي ولاَّكَ لا يقدر أن يقيم علي الحدَّ فضلاً عنك! فلمع سمع ذلك منه، كتب للسّلطان بطلب الإعفاء، وركب بغلته، ورجع لبلدته من حينه )[9]، وروجع مراراً في الرجوع إلى القضاء، والتصرّف في شأن ذلك الرجل بما يراه الشرع، فأبى، وانقطع للتدريس والإفادة.

  وهذه الرواية التي أوردها الرهونيُّ في عمدتهِ لتنبىء عن عفّةِ الرّجل وحميّته لدين الله تعالى، وزهده في المناصب، وحرصه على سلامة العاقبة، وقد رشِّح لقضاء تطوان عقب وفاة قاضيها عزيمان بالتماسٍ من علمائها وأعيانها، فأصرَّ على الرَّفض غاية الإصرار، ( وبإشارةٍ منه صارت توليةُ تلميذه الشَّريف سيدي التهامي أفيلال الذي توفيَّ قاضياً رحمه الله )[10].

4 . التدريس

 كانَ مترجمنا شيخَ الجماعة بتطوان، وكعبةَ أبنائها في تحصيل العلوم، متفنِّناً في التدريس، قوَّاماً على كتب الفقه والحديث والنحو، مجوِّداً في شرح المتون، وإيضاح المكنون، وضربِ الأمثال الشَّارحة، وقد وصفَ تلميذه الرهونيُّ درسهُ فقال: (حضرت عليه طرفاً من ” التحفة “، وحروف الجر من الألفية، فرأيت من حسن تدريسهِ، وفصاحته وتأنيه، وإبلاغه للمعاني إلى حدود المحسوسات ما يبهر العقول، ولا يبقي لقائل ما يقول )[11]، وأثنى عبد الحفيظ الفاسيِّ على رسوخ ملكته في التدريس قائلاً : (  حدثني الشيخ الوالد رحمه الله أنه لم يرَ  مثله في حسن التلخيص والتحصيل وجودة الإلقاء، وكانت له يد طولى في عدة علوم، مع التبحر في الفقه والعلوم العربية.. )[12]

 ولما احتلَّ الجيش الإسبانيُّ تطوان عام 1276هـ، هاجر إلى فاس، وانتصب للإقراء برحاب القرويين، وهي آنذاك مأرز الجلّة من العلماء وشيوخ الدرس، فحاز بينهم حظوةً أيَّ حظوةٍ؛ وطار الذّكر  باتّساعِ تفنّنه، وعذوبةِ بيانه، وجودة إلقائه، ومن كبار تلاميذه : عبد الله الكامل الأمرانيُّ العلويُّ (ت 1321هـ)، والطاهر الفاسي (ت1324هـ)، وأبو جيدة بن عبد الكبير الفاسي (ت1328هـ ).ومن مقرواءتهم  عليه : صحيح البخاري، ومختصر خليل، وتحفة ابن عاصم، وألفية ابن مالك

بأوضح المسالك لابن هشام [13].

 وكان قد أُنعمَ على مترجَمنا بالإلحاق بأهل الرتبة الأولى من علماء فاس، كما تفيدُ ذلك رسالةٌ من السلطان مولاي عبد العزيز إلى نائبه محمد الطريس، ونصّها :

   ( خديمنا الأرضى النائب الحاج محمد الطريس وفقك الله

      سلام عليك ورحمة الله، وبعد :

      وصل كتابك طالباً الإنعام على المفتي بتطوان الفقيه السيد أحمد السلاوي بما ينفذ لأمثاله أهل المراتب العلمية بفاس، وصار بالبال، فقد أنعمنا عليه بما ينفذ لأهل المرتبة الأولى شهرياً وسنوياً، وتوجهت له المكاتب بذلك على يد عامل تطوان، والسلام.

    في 25 جمادى الثانية عام 1318 )[14]

وعند انسحاب الجيشِ الإسبانيِّ عام 1278هـ، قفل مترجَمنا راجعاً إلى بلده، واستأنف دروسه بالجامع الكبير، وأقرأ ( المختصر والمرشد والموطأ والصحيح والألفية مراراً، وتحفة ابن عاصم والزقّاقية وغير ذلك )[15]، وكان متأنِّياً في دروسه، مجودّاً في إلقائه، وقّافاً عند المعضلات، لا يتحرّج من قول ( لا أدري ) إذا حزبتهُ مسألةٌ، أو استبهمَ عليه سبيلٌ، وله في سيرة إمامه مالك عبرةٌ وقدوةٌ.     

5 . الإمامة والخطابة

  انتصب مترجَمنا للإمامة في شرخ شبابه، وكانت إمامته الأولى بمسجد الساقية الفوقية في حدود عام 1266 هـ، ولما هاجر إلى فاس بعد حرب 1276 هـ،  أُسندت إليه إمامة مسجد اللبارين[16]، ثم أمَّ  بالجامع الكبير في الخمس بعد رجوعه إلى تطوان، وواظب على ذلك ( من غير فتورٍ ولا مللٍ، مع كبر سنّه، وضعف بدنه) [17]، وقد وصفَ الرهونيُّ إمامته وصلاته فقال : ( وكان .. ملازماً للجامع الأعظم في جميع الأوقات، ولصلاته إتقانٌ كبيرٌ، وخشوعٌ كثيرٌ، وعلى وجهه تلألؤ أنوار، وشيبةٌ بيضاء، كأنّها أسلاك فضّةٍ. وكان لحزبه في الجامع الأعظم هيئةٌ لم تكن لغيره معه ولا بعده؛ لكمال إتقانه وتجويده )[18].

     أما الخطابةُ فمضمارٌ صالَ فيه وجالَ، فكان أول أمره خطيباً بالزاوية الريسونية، ثم اضطلع بخطابة الجامع الكبير، وكان الناس يقصدون خطبهَ من كلِّ حدب وصوب؛ للتروّي من فصاحته، ونداوة صوته، وحلاوة عبارته، وما كانوا يملكون دمعتهم من فرطِ التأثرّ، ولا هو يملكها من فرط الخشوع !فلا غرو إن حُلِّيَ ب ( ليثُ المنابر ومنارها )[19]، وب ( أخطب أهل زمانه ) [20].

     ومما جرى ذكره بين أهل تطوان أن السّلطان مولاي الحسن صلَّى إحدى الجمع بالجامع الكبير، واستمع لخطبة السلاويِّ، وأعجب بها أيمّا إعجاب، فانتظر جلالته الجمعة الآتية، وصلّى مرّة ثانيةً في الجامع الكبير؛ لانبهاره بفصاحة مترجَمنا، وأنعم عليه بجائزة نفيسةٍ على عادة سلاطين المغرب[21].

[1] وقف مؤرخ تطوان الأستاذ محمد داود على رسوم عدلية لمترجَمنا مؤرخة بالسنوات الآتية : 1269 ، 1271، 1285، 1289هـ. انظر تاريخ تطوان، 7 / 253.

[2] نفسه، 7 / 235.

[3] نفسه، 7 / 240.

[4] مختصر تاريخ تطوان لداود، 2 / 325.

[5] انظر: تاريخ تطوان لداود، 6 / 57.

[6] انظر: عمدة الراوين للرهوني، 6 / 11.

[7] المصادر العربية لتاريخ طنجة: الظهائر السلطانية المدرجة في كناش تقييد الأملاك المحبسة بطنجة، جمع واعتناء : عبد اللطيف السملالي، (عمل مرقون ).

[8] نفسه.

[9] نفسه، 6 / 173.

[10] ترجمة السلاوي للدحداح، مجلة الاتحاد، العدد : 18 _ 19، سنة 1928 م.

[11] عمدة الراوين للرهوني، 6 / 173.

[12] نقل هذه الترجمة داود في ( عائلات تطوان )، 3 / 150، ولعلها من كتاب الفاسي المفقود : (  روضة الجنات في ذكر الشيخ الوالد وأشياخه وما لهم من المناقب والحسنات ).

[13] انظر هذه المقروءات في : إتحاف أعلام الناس لابن زيدان، 3 / 150، وعائلات تطوان لداود، 3 / 150 .

[14] عائلات تطوان لداود، 3 / 1488 .

[15] عمدة الراوين للرهوني، 6 / 172 _ 173.

[16] انظر: عائلات تطوان لداود، 3 / 146 .

[17] النعيم المقيم للمرير، 2 / 65 .

[18] عمدة الراوين للرهوني، 6 / 184.

[19] نفسه، 6 / 168.

[20] نفسه، 6 / 174.

[21] انظر: ترجمة السلاوي للدحداح، مجلة الاتحاد، العدد : 18 _ 19، 1928 م.

 

د.قطب الريسوني

 

عن Romaisae

شاهد أيضاً

نزار كنوني يناقش بنجاح أطروحة دكتوراه في العلوم بالمعهد العالي البوليتقني بتولوز.

ناقش الطالب الباحث نزار كنوني،  الأبن البكر للصحافي القدير الأستاذ عزيز كنوني،  بنجاح ،  أطروحة  …

قراءة في كتاب “الرحلة الخاطفة” للأستاذ التهامي الوزاني رحمه الله 2/1

خُصوصية الرّحلَة إن أول ما يُعن لِدارِس للأدب الرّحلي عموما ولـ«الرحلة الخاطفة » للتهامي الوزاني …

عن دور الصفحات والملاحق الثقافية للصحف المغربية نموذج : جريدة “العلم”

كان من كتاب صفحة ” أصوات ”  الذين كانوا يدرسون  في كلية الآداب في ظهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: