شغف بالجريدة..

كثيرا ما يقود تأمل الإنسان في انبعاث ميل أو انجذاب إلى فن أو رياضة أو حرفة أو هواية من الهوايات إلى النب ش في أرشيف الذاكرة؛ فقد يظفر بشيء ذي وزن في حينه وقد لا يظفر، وقد يكون ما يبحث عنه في متناول اليد لأنه على السطح قريب و لا يتوارى إلا قليلا.

هكذا هي قصتي مع الميل للصحافة والإنجذاب إلى الكتابة الصحافية؛ فهو ميل رديف لانشغالي بالسياسة كمنهج ورؤية للعالم، وإحساس بالآخرين من حولي، و تعاطف مع من كنت أحسبهم يصطفون إلى جانب الشعب والوطن والإنسان، وكانت الصحافة المعارضة والوطنية في الأول ثم المستقلة بعد ذلك هي الوجه الآخر، عندي، للسياسة، فيها تلتقي أصوات الكشف والفضح والرسائل المشفرة وفهم الواقع.

وخلال سنوات توالى اهتمامي وشغفي بجرائد أنوال والاتحاد الإشتراكي والعلم، ثم الطريق و البلاغ، فالصحيفة والأيام والشمال والمساء والأحداث المغربية(في بداياتها) والقدس العربي…؛ ومن حين لآخر ببعض الجرائد المكتوبة بالفرنسية، ولم ينقطع هذا الشغف البتة، وإن كان يتلون بتلون الأيام و يخضع لتأثير المحيط ومجريات الأحداث وتطور الوعي.

ومن الطبيعي أن يثمر هذا الاهتمام والشغف صداقات مع أقلام وأسماء حقيقية أو مستعارة تجذبك بأسلوبها و طريقة تناولها للأحداث و القضايا ومتابعتها للأخبار، فنسجت علاقة إعجاب وسحر بأجيال متعددة كعبدالجبار السحيمي و مصطفى القرشاوي و محمد باهي و خالد مشبال- رحمهم الله-، وعبداللطيف شهبون ونورالدين مفتاح وطالع سعود الأطلسي وأبوبيسان وعبدالله الدامون ومريم مكريم و بشرى إيجورك وفاطمة الإفريقي وتوفيق بوعشرين وأسماء أخرى كثيرة من الجنسين لا أستحضرها اللحظة؛ كنت كلما فتحت جريدة من الجرائد التي أتعود عليها أبدأ بها قبل تصفح ما تبقى من الأخبار أو التقارير أو الروبرتاجات أو المتابعات أو المواضيع، مثلما هو الشأن بالنسبة للملاحق الثقافية التي أهرع فيها إلى أسماء بعينها.

لكل واحد من هؤلاء الأصدقاء طعمه المتميز، و كلما قرأت لواحد منهم آخذتك سمة في أسلوبه-والأسلوب هو الرجل كما يقال- كالذكاء و الجرأة، أو الإشارة والتلميح، أو الغمز والهمز، أو مزج الواقعية بالشاعرية، أو العمق وكشف غير المكشوف، أو تفكيك الغامض، أو ربط أحداث قريبة بأخرى بعيدة…، ولا شك أن إرادة التميز الصحفي هي تقليد وولع جاءنا من الجرائد العالمية والعربية الكبرى حيث انبنى صيتها و طارت شهرتها، في كثير من الأحيان، على سحر وإبداع وخبرة وجرأة وذكاء أقلام وأسماء أصبحت أيقونة و مرجعا في الكتابة الصحفية.

وفي حقيقة الأمر، وهذا قد يشاركني فيه آخرون، كان إعجابي بكتابات، من صادقتهم لمدة طويلة، المبثوثة في أعمدة متواترة يومية أو أسبوعية يوقظ في داخلي رغبة في أن أمتلك الروح الخفية التي ينبع منها سحرهم، لكن هيهات فلا تزيذك الأيام إلا عطشا والسحر سر من الأسرار لا يوهب إلا لقلة في كل ميدان، ولا زلت حتى أيامنا هاته أمني نفسي بما مضى و انقضى مع جيل الكبار و العصر الذهبي للصحافة الورقية الذي أصبح نوستالجيا ونحن نرى أمامنا انحدارا جارفا لم تعرفه أمم أخرى تقاوم التيار المعلوماتي للحفاظ على التقاليد الصحفية الباذخة بتخصيص حيز معتبر لأصحاب الأقلام الرفيعة في الإعلام السمعي البصري للتعليق على الأحداث و تحليل القضايا الحساسة والراهنة…وممارسة كرسي السلطة الرابعة بجدارة ومسؤولية.

ويبقى ذوقنا، بعدما زاغت الأيام و هيمن هاجس المقاولة والمال على كل شيء، راسيا في ذاك الزمان الجميل، ونحلم يوما أن يجود الزمن بأقلام وأسماء تحيي وهج الماضي بسحر عصرها السريع منصتة إلى نبضاته التي تشتهي التجديد بأناقة وشاعرية، وذكاء وجرأة، لا بتفاهة صلفة، ووقاحة خرفة لا أنزل الله بها من سلطان..

 عبدالحي مفتاح

عن Romaisae

شاهد أيضاً

تباين في حصيلة “السارس-كوف-2”

– بعد عام و نيّف ، ما الذي نعرفه حتى الآن عن “كوفيذ-19” ، و …

قدرنا من قدر البشرية

في الوقت الذي يشكو فيه العالم من التطرف العرقي والإثني و كذلك الديني في مناطق …

وقفة مع نظام الباكالوريوس..

نظام الباكالوريوس دلالة وسياق.. البكالورويوس نظام دراسي جامعي يتوج بالحصول على شهادة تفتح آفاقا لممارسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: