مازلنا مع رحلة فنسنت شيين” أمريكي بين الريفيين” و في هذه الورقة سيكون الحديث عن صورة محمد بن عبد الكريم الخطابي في هذه الرحلة، كيف تحدث الكاتب عنه؟ ومتى التقى به وأين؟ وما هي انطباعاته بعد اللقاء؟
استهل “شيين” حديثه في كتابه بمقدمة في حوالي عشر صفحات تحدث فيها عن بداية الحملات الاستعمارية الغربية للأقطار الأفريقية بدعوى التمدين والحماية! وغيرها من الذرائع الفاسدة، والكاتب يسلم بحضور الخير والمنفعة مع هذه التسلطات الاستعمارية (نظام الحماية 1912م) ومعجب بإنجازاتها! كما ينفي مصاحبة العنف لإرساء هذا النظام الاستعماري! وهو أمر مخالف لحقيقة ما كان، كما يحدثنا التاريخ عن ذلك، ومن خلال ماسطره الكاتب عن نظام الحماية يظهر أنه تأثر بالدعاية الفرنسية التي أطلقتها أثناء حمايتها للمغرب، وهو ما تنبه له المترجم ووضحه قائلا:«من الواضح أن تقييم “شيين” في هذا السياق ينم عن سذاجة وجهل بتاريخ العنف الذي صاحب فرض نظام الحماية في المغرب، وبالمقاومة الشرسة التي ووجهت بعنف استثنائي في مناطق مغربية مختلفة»([1])
يعتبر الكاتب أن عمليات التنظيم الإدراي (نظام الحماية) كان بالإمكان أن تستمر إلى الأبد لولا حضور محمد بن عبد الكريم الخطابي، هذا الزعيم العبقري المتفرد، الذي نجح في تبوئ “دور زعيم المسلمين في مواجهة الغزو الرومي، نداؤه للوعي الإسلامي هو نداء له قوته وبلاغته، فقد هاجم فرنسا باسم الدين الواحد الذي يجمع بين كل شمال أفريقيا، وقد تجاوز تأثيره المجال الضيق لحرب حدودية محلية، وسواء كان يصبو لذلك عن وعي أم لا، فإنه قد أصبح زعيما وبطلا في ثورة المجتمعات المسلمة في الجزء الغربي من الإمبراطورية الإسلامية المتلاشية، لقد أصبح ابن عبد الكريم النموذج الأبرز لتلك الهبة الدينية والقومية التي أضحت تحفز الشعوب الشرقية المستعمرة في كل مكان في مواجهة مستعمريها الغربين، إن نهضة الأوطان والديانات الأقل تطورا، وقدرتها توجيه طاقاتها ضد حضارة أوربا التقنية تتوقفان في فعاليتهما على الحماسة التي يستطيع زعماء هذه الثورات إذكاءها، والحماسة هي نقطة القوة في المجتمعات المسلمة كما هي نقطة ضعفها، ولقد استطاع محمد بن عبد الكريم، تحقيق هذا الإنجاز وذلك بنجاحه في إذكاء تلك الحماسة في بلد لم يظهر فيه زعيم مسلم لعقود عديدة من الزمن، وهنا يكمن تهديده الأساسي للقوى الطامعة في شمال إفريقا، وتكمن أيضا أهمية شخصه للحركة العالمية التي هو جزء منها“([2])
ارتأيت نقل النص أعلاه كما هو لأهمية، فقد عبر فيه “شيين” عن ملامح شخصية مولاي موحند في مرآة الغرب، فهو الزعيم الحامل لشعلة التحرر من ربقة الاستعمار، وهو الصارخ باسم الإسلام والمشترك الديني ليسُمع أبعد الشعوب الإسلامية المستعمَرة، نداء كسر الحدود المحلية ووسع الضيق، ليصبح بذلك شعلة الثورة التحررية في مواجهة القوى الاستعمارية آنذاك في مختلف أقطار الإسلام، وأملا ينظر إليه لانبعات المسلمين ونهضتهم، لقد نجح عبد الكريم في معركته حسب “شيين” لأنه وفّق في إذكاء الحماسة، هذه الحماسة التي هي الداء والدواء، والمقصود منها هو توفق عبد الكريم في عجن خطاب فعال مركب من: الدين الإسلامي والقومية والعرقية، يحفز في المرء الإيمان واللغة والنوع، وهذه الخطابات تحضر في سياقات تاريخية معينة محكومة بخصوصيتها وراهنيتها، مثل لحظة الغياب الطويل للزعامات، وهو ما استغله محمد بن عبد الكريم ونجح به، وذلك بظهوره في فترة فراغ تتطلب السد والعمل الجاد.
وبما أن الحديث عن صور محمد بن عبد الريكم الخطابي في رحلة “شيين” فإن أول لقاء بينهما كان في يناير 1925م بقرية “آيث قمرة” منطقة غير بعيدة عن مدينة الحسيمة، هناك حيث منزل الزعيم الخطابي، «أيت قمرة هي أكبر تجمع سكاني وعمراني أصادفه منذ غادرت المنطقة الفرنسية، القرية تستضيف آنذاك ما يترواح بين ألف ومائتين وألف وثلاثمائة من الأسرى الإسبان.. ووخصصت للأسرى ثلاثة منازل مبنية بالطين، يوجد في القرية العربية حانوت يباع فيه الشاي والسكر وبضائع أخرى.. كان هناك كوخ بمثابة مقهى.. لم تكن هناك أية طائرات تحلق في السماء، كما لم يكن ثمة شيء آخر قد يوحي بأن هذه هي العاصمة الفعلية لأمة في حالة حرب»([3]).
ويستمر “شيين” في وصف قرية آيث قمرة سهولها وهضابها وما بها من أراضي فلاحية، وموقع القرية الجغرافي، إلى أن يصل إلى منزل الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي، فيصفه هو كذلك «منزل السلطان _يقصد الأمير، لأن شيين وقع في خلط بين الألقاب، ولا يميز بين السلطان والأمير أو بين السلطان والمتداول في الريف من الألقاب التي تطلق على محمد بن عبد الكريم الخطابي وهي: مولاي موحند أو ابن سي عبد الكريم_ مبني من الطين مثل كل المنازل الأخرى، لكنه أوسع، ويقع شمال شرق القرية، هناك طريق يؤدي نحو المنزل وتنتهي عنده، تمر سيارات محمد بن عبد الكريم على هذه الطريق.. ترجلنا أنا وسيدي محمادي عند الباب الخارجي، حيث ألقى أربعة حراس ريفين التحية.. فتقدمونا عبر فناء يشبه فناء منزل السلطان في أجدير.. وخلف هذا الفناء فناء آخر ينتهي عند باب غرفة حيث كان حارس آخر واقفا، دخلنا تلك الغرفة دون خلع صنادلنا، هي غرفة مربعة وخالية، فيها طاولة وثلاثة كراسي هي أول الكراسي التي أراها في الريف، على الطاولة أوراق، وخلف تلك الأوراق كان يجلس محمد بن عبد الكريم»([4])
وإلى هنا ينتهي وصف شيين لمنزل مولاي موحند ومكان اللقاء به بأيت قمرة، لينتقل إلى وصف صورة الشخص وملامحها ثم الانخراط معه في حوار حول مختلف الأوضاع والقضايا آنذاك «نظر إلينا ابن عبد الكريم نظرة متأنية يعاين بلمحة ثاقبة من عينيه البنيتين هذا الزائر الرّومي الواقف أمامه أخيرا، محمد بن عبد الكريم ريفي قصير وداكن البشرة، قد يحسب متوسط القامة في أي مكان آخر، يميل جسمه للبدانة، لباسه في منتهى البساطة، جلابة بنية منسوجة من الصوف وقميص من كتان نظيف وناصع البياض، مد يده إلي فلمستها ثم رفعت أصابعي إلى شفتاي كما هي العادة الريفية»([5])
وبعد هذا انطلق الحوار بين “شيين” ومولاي موحند، بالسان بالريفي (الريفية) مع الترجمة إلى الفرنسية من طرف الشخص الثالث الحاضر معهما، وكان من بين الأسئلة التي سألها شيين ما يتعلق الحركة الإسلامية وعلاقة عبد الكريم بها، والجواب كان « لاوجود لحركة إسلامية_الجامعة الإسلامية_ ليست لنا علاقة بأية حركة في المنطقة الفرنسية أو الجزائر أو تونس أو مصر، وليست في نيتنا محاولة أقامة تلك العلاقات، كفاحنا هو كفاح وطني محض وعدونا الوحيد هو إسبانيا، إسبانيا هي التي أرادت ذلك، ولسنا نحن من رغب في الحرب، إذ لاشيء نريده أكثر من السلام مع إسبانيا ومع العالم بأسره…»([6])
كما سأله “شيين” عن شروط السلام مع الإسبان، ليجيب عبد الكريم، بأن المسألة متعلقة بالاسبان أنفسهم، فنحن نصبو قبل كل شيء إلى السلام، ولذلك «يجب إجلاء كل جندي إسباني في المغرب من الأطلسي حتى الحدود الشرقية والانسحاب إلى سبتة ومليلية أو إلى إسبانيا، لاشي سيرضينا إلا الجلاء الكامل»([7]) وبهذا يضع محمد بن عبد الكريم الخطابي الأرضية المشتركة الممكنة لضمان السلام، الجلاء الكلي للاسبان، ويطالب ذلك باسم كل الأمة المغربية، وأن الحماية لا تجلب إلا الشقاء والبؤس للشعوب.
وبناء علىيه، يؤكد مولاي موحند عزمه وقدرة أهل البلد على خدمة أنفسهم في السلم والحرب وأن طموحاتهم واسعة الآفاق، يقول: «إن مسقبل بلادنا لا حدود له، لدينا الثقة في مؤهلاتنا الصناعية وفي قدرتنا على التميز والبلاء الحسن في السلم كما في الحرب، ونطالب من العالم الخارجي باسم العدالة أن يمنحنا فرصتنا، إذا لم يمنحنا العالم السلام الآن ونحن مستعدون له، سنقاتل حتى نحصل عليه بسلاحنا وبمشيئة الله»([8]).
إلى هنا انتهى الحوار بين “شيين” و”محمد بن عبد الكريم” ، وقدشمل الحوار عدة قضايا وأسئلة لا يتسع المقال لمناقشتها وتحرير القول فيها نظرا لحساسيتها وأهميتها، ولأنها تتطلب البحث والتدقيق أكثر، بينما المقام هنا مقام تقريبات بسيطة لبعض متن الكتاب وتقديم نظرة مقتضبة عن بعض ما جاء فيه، والمتعلق بالخصوص بصورة محمد بن عبد الكريم الخطابي عند الغرب، وإلا فالكتاب أوسع من أن يحاط بهذه المقالة، وللإطلاع والتوسع أكثر على أهم هذه القضايا والإشكالات يمكن الرجوع إلىى الكتاب وقراءته قراءة متأنية،والسلام عليكم ورحمة الله.
ـ أمريكي بين الريفيين، ص 55. [1]
بلال بوزيان









































































PDF 2025


