طقوس قرائية مع الدكتورة مينة قسيري

أول كتاب قرأت؟

لا أتذكر بالضبط كتابي الأول الذي قرأته، فقد قرأنا قصصا كثيرة في الطفولة، وشرعنا في البحث بعد ذلك عن المقروء المتوفر في بيوتنا، ولحسن حظي كان أكبر إخوتي مكلفا بهذه المهمة في العائلة، وهي السهر على دراستنا، ولأنه يؤمن بدور القراءة، فقد وضَعَنَا في بداية الطريق، فتشرَّبْنا عنه شغفه بالقراءة، واستفدنا من وفرة الكتب باللغتين العربية والفرنسية، والمكتبة المنزلية التي كان الجلوس بها لأجل القراءة فقطْ، سُنَّة. وأتذكَّر أن من ضمن ما توفر آنذاك من الكتب الروائية والقصصية، رواية لعبد الرحمان منيف «قصة حب مجوسية»، ورواية أخرى لعبد الكريم غلاب «دفنا الماضي»، التي شرعتُ في قراءتها، لكنّي وجدتها مثل درس في التاريخ، ولم أكن أدرك حينذاك تفاصيل الكتابة الروائية بشكل جيد، فلم أكمل قراءتها، وضعتها جانبا، وقرأت «قصة حب مجوسية» أولا، وكان قد أعجبني في هذه الأخيرة، أسلوب الوصف الدقيق لكل شيء بما في ذلك المشاعر، حتى أنّي اعتبرتها في تلك الفترة حكيا عن تجربة خاصة للكاتب. ثم عدتُ لرواية عبد الكريم غلاب دفنا الماضي وأنهيت قراءتها.

لماذا ومتى وأين تقرئين؟

أقرأ، لأن القراءة أساس لتحقيق الوجود، ولإثبات الهوية، فقد جاء الأمر بفعل القراءة على رأس تعاليم الشريعة الإسلامية، حيث كان أول خطاب رباني للإنسان مستهلا بفعل: «اقرأ»، ويحمل معه وعْدا بأن ممارسة هذا الفعل سيفتح أمام القارئ الباب على مصراعيه نحو العلوم. وعلينا هنا أن ندرك أهمية القراءة وإلزاميتها أيضا للإنسان. فمن المفروض أن تكون من أولوياتنا، فنحن في حاجة لمجتمع قارئ، يدرك أنه لن يرتقي ويتميز إلا بالمعرفة. إن القراءة تنقلنا من عالم إلى عوالم، تأخذنا من فكرة يتيمة إلى مجموع أفكار، فلا شيء يضاهي متعة الانغماس في رواية رائعة أو قصة جميلة، أو قضية نقدية، أو اجتماعية، أو سياسية، أو فلسفية. أنا أقرأ لأني أومن بفعالية وأساسية فعل القراءة في الحياة.

وأن نخصص للقراءة وقتا محددا داخل اليوم كما العبادة هو أمر جميل ومستحب، لكن القراءة في حقيقة الأمر فعل ينفلت أحيانا من قيود الزمن، ويتجاوز حتى الفضاء الذي يُفْترَض أنك خصّصته له، لأني شخصيا أين ما وجدت مجالا ملائما للقراءة أقرأ، ومتى ما وجدت ما يمكن قراءته، لا أفوِّتُ فرصة قراءته، أو على الأقل تصفحه وقراءة فهرسه. أتذكر أني قرأت في ساحة الرياضة خلال الثانوي التأهيلي روايات عبير، حيث كانت تدمن على قراءتها زميلة في القسم، دائما تحمل رواية أو اثنتين منها في محفظتها، هكذا ارتفعت وتيرة القراءة في زمن معين، وتعددت أمكنتها. لكن بعد ذلك صرت ألتزم بمواعيد دخول مكتبتي، قد لا تكون قارة، لكني أنصرف إلى خلوتي خلال النهار، وقسطا يسيرا من الليل. قريبا من كتبي أمنح نفسي فرصة للتأمل والتحليل والتفاعل مع المقروء، أتحقق من فاعلية ما جاء في نظريات القراءة والتلقي، التي كانت قاعدة لإنجاز شهادة الدكتوراه التي حصلت عليها سابقا في النقد الحديث، أختبر النصوص التي اقرأها، وأعود للكتب التي قرأتها سابقا أبحث عن إجابات للتساؤلات التي لم أستطع الإجابة عليها في حينها، ربما أجدها بعدما توفرت لي مؤهلات النقد والتحليل. بفضل القراءة والبحث العلمي. أسهر على إعداد ورقة أشارك بها في مجلة أدبية أو ثقافية، أنجز مداخلة أشارك بها في تظاهرة أو نشاط ثقافي.

لمن تقرئين؟

أقرأ للجميع، لا أنتقي، يحملني الفضول أحيانا لأقرأ لكاتب مغمور، غير معروف، فأجده متقِنا متمكِّنا من فعله الإبداعي، أقرأ كتابا أصادفه في خزانة ما، أقرأ في مجال غير الذي أبحث فيه، ومرات عديدة خلال سنوات التحضير لموضوع الدكتوراه، كنت أتيه بين الرفوف، أتعقب العناوين المُغرية بالقراءة في مجالات مختلفة، فأقبل عليها، أنهل منها ما شئت، قرأت في نظرية التواصل، في الشعر، في اللسانيات، حتى أني حررت مقالات قبل إتمام موضوع رسالة الدكتوراه، أذكر منها «دلالة الوحدات اللغوية ودورها في الإخبار»، « الوظيفة التواصلية للإيقاع».

قرأت في مجال النقد الأدبي لحميد الحمداني، محمد مفتاح، قرأت ولا أعتقد أني سأتوقف يوما عن قراءة وإعادة قراءة الأثر النقدي الضخم للناقد والروائي المرحوم ادريس بلمليح: «المختارات الشعرية وأجهزة تلقيها عند العرب».

لكني أيضا قرأت للروائي المصري يوسف زيدان، روايته عزازيل، ما تزال شخصية نسطور تسكنني بشكل غريب، أنجز فيها قراءة لكني جد متمهلة لأن الرواية ذات طابع صوفي، ولها منطق مختلف جدا عن المعتاد، قرأت له النبطي، فيها بعض من نكهة عزازيل، فهو ميال أو حريص على تناول الأديان والمعتقدات في كتاباته. قرأت للروائي الجزائري واسيني الأعرج، روايته أصابع لوليتا التي تحيل بشكل ضمني ومباشر أيضا للرواية المشهورة «لوليتا»، لكاتبها الروسي، والتي كان بطلها العجوز المريض شغوفا بحب مراهقة في الثانية عشرة من عمرها، وهو شأن بطل رواية واسيني الأعرج أصابع لوليتا، حيث يقع الكاتب العجوز في حب عارضة أزياء في سن حفيدته، ولا يدرك أنها مجندة لاغتياله. قرأت له أيضا بعضا من «طوق الفراشة» التي لم أكملها لأنها لم تعجبني ما يكفي، قرأت كان وأخواتها للكاتب المغربي عبد القادر الشاوي، من روائع ما كتب في أدب السجون، كما قرأت قبل هذا لعبة النسيان لمحمد برادة. أوراق السيرة الذاتية لعبد الله العروي. قرأت أيضا في الأدب المغربي الفرنكفوني، لفاطمة المرنيسي، وللطاهر بنجلون: «l’Enfant de sable et la Nuit sacrée» ما يسمونه بالفرنسية le diptyque العملين اللذين جعلا من الطاهر بنجلون كاتبا مشهورا. والماضي البسيط لإدريس الشرايبي الذي قال للفرنسيين: سأجعلكم غرباء في لغتكم.

كيف تنظمين وقتك في القراءة والكتابة الإبداعية والبحثية والصحافية الثقافية كمساهمتك الفعالة في مجلة كتابات إلى جانب الكاتب المغربي العرب بنجلون؟

حري بالقراءة أن تمنح ممارسها بعض القدرات سواء في الخلق أو إعادة إنتاج المنتوج، وحرِيٌّ بمن يقرأ أن تخالج أنفاسه أحرفا ينظمها شعرا، أو يرتبها نسقا سرديا، فقد استجبت في لحظات قليلة جدا لدفقة شعرية جاد بها خاطري، وكتبت بعض القصائد في ديوان صغير عنونته ب: «هسيس الروح»، كما أصدرت مجموعة قصصية ق.ق.ج.، موسومة ب: «انفلات النسيج»، وعندي مجموعة أخرى للقصة القصيرة جاهزة للطبع، وهذا النوع الإبداعي من الكتابات لا موعد لها، على عكس الكتابات البحثية. وهنا يمكن الإجابة عن كيف نقرأ ونكتب، أو كيف ننظم الوقت بين القراءة والكتابة. لأن الفعل القرائي يخضع للسيرورة التي يعيشها الإنسان، تنمو بنموه، فمثلا قراءاتي في الصبا والشباب، ليست هي قراءاتي اليوم، والدليل أنني عدت لقراءة كتب قرأتها في الماضي، أتعمق في دلالاتها لأستكشف السر الذي جعلني منجذبة إليها، فلم أكن في حينها أمتلك الميكانيزمات الكفيلة لسبر أغوار النصوص، ولم أكن أمتلك رؤية نقدية كما هو الأمر اليوم، فاليوم أجد قراءاتي مدعومة بنوع من الوعي الذي ينبر اشتغالي سواء بالقراءة، ويجعل منها قراءات منتجة. لهذا حين أكون مرتبطة أو ملتزمة بعمل بحثيٍّ، أو ملتزمة بورقة أو مداخلة نقدية، فمواعيد الكتابة أجعلها قارة لا أحيد عنها، وهي المساء.

أما عن تجربتي ك: رئيسة تحرير في مجلة كتابات، فقد كانت فرصة لأعرف أن رئيس التحرير يتحمل مسؤولية جسيمة، هذا علما أن مدير التحرير، ومؤسس المجلة الكاتب العربي بنجلون جزيل الشكر له، لم يكن يتركني أتحمل إلا جزء من العبء، وفي النهاية آمنتُ أن الاشتغال كمحررة يمكن القيام به، فهو دوري الذي أستطيع أن أتقنه، وأبدع فيه، وستصدر لي مقالة نقدية مطلع شهر يناير 2022 في مجلة الاتحاد العالمي للمثقفين العرب.

ساهمت مساهمة رئيسة في إعداد كتاب تكريمي جماعي حول الكاتب القاص الروائي بنجلون بعنوان: «الأديب العربي بنجلون، الواحد المتعدد»

قبل الحديث عن العمل الجماعي الذي يلعب دورا كبيرا في تضافر الجهود من أجل إخراج عمل تتعدد فيه زوايا النظر، وتتنوع آليات الاشتغال، أود التذكير أنه قبل مؤلف «الأديب العربي بنجلون الواحد المتعدد»، والذي تعود فيه الفكرة إليَّ، كنتُ قد ساهمت في كتاب جماعي آخر حول أعمال الأديب القاص محمد غرناط بمقالة تحت عنوان: «الكتابة القصصية عند محمد غرناط بين الكائن والممكن». وإن رافقَتْ هذه التجربة خيبة أمل لم أكن أتوقعها، فأنا لحدود اليوم لم أتوصل بالنسخ التي من حقي حيازتها كمشاركة في العمل -فاشتريتها-، وحتى اسمي كُتب خطأ، رغم تقديمي نسخة من بطاقتي الوطنية. أما الكتاب الذي أصدرناه، صديقاي د. زهور بن السيد ود. المصطفى سلام وأنا حول الكاتب المغربي الكبير العربي بنجلون، فقد كان الدافع الأول عندنا، ثقافة الاعتراف لكاتب كان أستاذا لنا قبل أن يصبح كاتبا وأديبا نقرأ له، ويقرأ له جيل المستقبل، فقد تعلمنا منه الكثير، عرفنا معه معنى التحرر من القيود، والصدق في الاشتغال بالأدب، أيضا، نحن عبَّرنا عن واجبنا فقط، تُجاه قامة أدبية باسقة مثل الكاتب العربي بنجلون، أسهم بالكثير من الإنتاجات الأدبية المتعددة الأجناس، التي أغنت المشهد الثقافي المغربي، وسهر على الارتقاء بالذوق الجمالي عند الطفل من خلال الأدب الخاص بهذه الفئة العمرية، فهو يستحق منا كل التقدير والاعتراف، وليس كتابا واحدا في حقه إلا دعوة منا إلى إحياء ثقافة الاعتراف التي نتمنى أن تكون ديدننا، وواجبنا حيال الأدب والأدباء. ولأننا لم نحتفل بعدُ بتوقيعه، فذلك راجع فقط للوضعية الوبائية التي يعيشها العالم، في انتظار عبور هذه الأزمة بسلام لنُكمل طقوس التكريم والاحتفاء كاملة بالأديب العربي بنجلون.

هل تعدين مهنة التدريس عاملا مساعدا أم عائقا عن القراءة والكتابة؟

مهنة التدريس، من أجمل ما مُنيت به في حياتي، هي بالأحرى محفز على القراءة والتجدُّدِ، تحس أنك دائما في حاجة إلى تعضيد رصيدك المعرفي، تطوير معلوماتك، فتقرأ باستمرار، لتجويد أدائك، وتقرأ دائما لتكون عندك جاهزية لكل شيء، هي مهنة من لا يكتفي بالقليل من المعرفة.

لكنها أيضا، قد تسلبك حرية التفرغ للكتابة، لكنك تتحايل على الزمن، وتراوده لينجب لك مساحات تنكب فيها أو تنغمس في عمل أدبي.

عن Romaisae

شاهد أيضاً

حـــــوار مع الدكتور المرحوم عبدالله المرابط الترغي

تقديم: هو واحد من الذين استهواهم التراث المغربي والأندلسي، فغاص بين ثناياه منقباً وباحثاً ومحققاً …

حوار مع عبدالسلام حيلي بطل أولمبي ولد من رحم المعاناة

رحلة الألف ميل وتحقيق الحلم، دائما ماتبدأ بخطوة صغيرة ومن تم يبدأ الحلم يكبر ويكبر …

طقوس قرائية: مع د. الحسن الغشتول 2/2

3- 2 القراءة نار وأنوار يكون للقراءة في هذه الحال إذن مفعول السحر أو التوجيه، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: