طقوس قرائية مع الدكتور محمد علي الرباوي

لماذا نقرأ؟

نحن نعيش الحياة، ونتعلم من تجاربنا، ونستفيد من ماضينا، وحاضرنا؛ لنقتحم الحاضر، والمستقبل. وقد نُغْنِي هذا بتجارب مَن هم حولنا، لكن حين نقتحم غمارَ القراءة، فإننا نكتشف تجاربَ الكُتَّاب من خلال إبداعهم، إن كانوا مبدعين، ومن خلال أفكارهم، إن كانوا مفكرين، وبهذا تَغتني تجاربنا بهذا التلاقح.

 كيف نقرأ؟

لكي نستفيد مما نقرأ، ينبغي أن نعرف كيف نقرأ. قبل أن نأخذ الكتابَ ينبغي أن نختار وقتا مناسبا لبرنامج يومنا، فلا نقرأ ونحن مستعجلون؛ لأن عملا ينتظرنا. يجب أن يكون وقتُ القراءة وقتا نملكه، ونتصرف فيه.  وأن تكون نفسيتُنا مستعدة للقراءة بحب. أنا أتحدث عن القراءة الحرة، لا القراءة من أجل الامتحان. هذه الأخيرة، تكون مفروضة عليك، والأخرى تكون برغبة منك، ولهذا كنتُ التلميذَ الكسول خلال مرحلة التمدرس بكل أشكاله، رغم حصولي عند الدراسة على إحدى المراتب الأولى. كنتُ أكره هذه القراءة؛ لأني كنت مجبرا على قراءة مقرراتٍ  بها مواد لا ترتاح إليها نفسيتي. كيف أقرأ مثلا في الكتاب المدرسي قولَ أمير الشعراء: (يأ أختَ أندلسٍ عليكِ سلامُ// هَوَتِ الخلافةُ عنك والإسلامُ) وهي قصيدة لا تدل على أن صاحبها أميرُ الشعراء، ولكن لو قَدَّم لي الكتابُ المدرسي قول شوقي: (جَبَلَ التَّوْبادِ حَيَّاكَ الْحَيَا//.وَسَقى اللهُ صِبانا ورعى….) أو قوله: (رُدَّت الروحُ على المُضنى معكْ// أحسنُ الأيام يومٌ أَرْجعكْ) أو قوله: (يا جارةَ الوادي طربتُ وعادني// ما يشبه الأحلامَ من ذكراكِ) لشدني هذا الاختيارُ إلى الكتاب؛ ولهذا كنت أكره هذه المقررات، وأتركها لأقرأ خارجها ما يغذي ذوقي. هذه القراءة الحرةُ كيف أنجزها؟ إذا الأمر شعرا، فإني أقتني الديوانَ دون اعتبار لشهرة صاحبه، فقد يكون مشهورا، أو نجما، لكنه قد لا يشدني. أذكر أني قرأت ديوان الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، ولم أستطع اتمام قراءته، والشي نفسه مع ديوان شاعر القطرين مطران خليل مطران. ولهذا فالقراء السليمة هي أن تكتشف أنت أديبك المفضل. وقد يكون هذا الذي اكتشفته مغمورا. وفي تجربتي الشعرية استفدتُ من المغمورين أكثر . أقرأ هذا الشعر مستمتعا بلغته، وإيقاعه، ولا تهمني الكلماتُ التي تدفعني لتصفح المعجم لفهمها. أقرأها بحب، وشغف، وأطرب لجرسها المنسجم مع النص. لأن العودة الى المعجم  تكسر متعة القراءة. أذكر في طفولتي أني قرأت الطلاسم لأبي ماضي، فاستوقفني قولُه: (فمتى تَعرف ذاتي كنه ذاتي) . هزتني كلمة “كُنْهَ”  التي لم أعرف معناها، ولم أرجع إلى المعجم لفك طلاسمها.

لكن كتب الدراسات، والنقد، والفكر تختلف. أُفضل في أن تكون ملكي؛ لأني أقرأها وقلم بين يدي؛ لأعلق في الهوامش، لأسجل ملاحظاتي. وإذا كان بالمتن نص أضع تحته خطا، أو دائرة بالقلم؛ لأعود إليه بعد انتهائي من قراءة الكتاب

ماذا نقرأ؟ 

أقرأ ما له اهتمام بتخصصي الأدبي، لكني أجد متعة في قراءة الكتب الفكرية: كالفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس. أما علوم الكلام فاعتبرتها تَرَفا فكريا؛ ولهذا لم تشدني قراءتها إلا ما فرضته الدراسة المقررة؛ لأني أفضل قراْة البخلاء أو الحيوان للجاحظ، وأتعرف من الكتابين على الاعتزال بدل قراءة الكتب النظرية.

كيف تنظم وقتك في القراءة والكتابة؟ 

ذكرتُ لك أنني كنتُ كسولا، وهذا الكسل حبب إلي الأطلاع علي ما يغذي ذائقتي الأدبية. ولأن الأمر مرتبط بالذوق، وبالمطالعة الحرة، فإني أرفض تنظيم الوقت للقراءة. فأنا كلما أحسست بالرغبة في القراءة أقرأ. الإحساس بالرغبة يجعلك تقرأ بحب، وهذا يجعلك تستوعب محتوى القراءة  بيسر.

أطروحتك لنيل شهادة الدكتوراه: هل اهتمامك بالشعر، ولكونك شاعرا،اخترت موضوع العروض والإبداع. وهل كان لهذه الأطروحة امتدادات لبحوث أكاديمية أخرى جديدة؟ 

لم يكن موضوع العَروض وليد انشغالي بالبحث الجامعي. فقد جاء اهتمامي بالموضوع من خارج أسوار الجامعة. وأنا تلميذ يكتب ما كان يظنه شعرا. اكتشف في مرحلة التلمذة أن شعره ينقصه شيْ يجعل منه كلاما مختلفا. ظن أن الوزن سيتحقق له إذا قام بِعَدِّ المقاطع، كما في الشعر الفرنسي القائم على النظم المقطعي، ولكن بعد كتابته هذا الشعر المقطعي، أحس أن هذا لا يحقق له الوزن المطلوب؟ لماذا؟ لم يكن يملك زمانئذ الجواب. ثم بعد أن مارس الكتابة الشعرية الموزونة في مرحلة نضجه، وجد نصوصا شعرية موزونة لبعض الشعراء المعروفين، ولكن أذنه كانت لا تقبل في أشعارهم بعض الممارسات العروضية القبيحة. لكن لفت نظره أن الممارسات القبيحة هذه تحضر في شعرنا الجاهلي، ولكن أذنه كانت تقبلها. فتساءل: لماذا تقبح ظاهرة عروضية في شعر هذا، وتحسن في شعر ذاك؟ فتناسلت أسئلة من هذا الصنف حين التحق بالجامعة طالبا فأستاذا. واستنتج أن الشعراء الذين أخذوا العَروض من كتب العروض، هم الذين يظهر العوار في شعرهم، لكن الشعراء الذين لم يدرسوا العروض، واقتصروا على حفظ “ألف بيت من الشعر العربي” هم الذين استقام الإيقاع في كتاباتهم؛ ولهذا دَرَسَ العروض من خلال ما أنجزه الشعراء في أشعارهم، وليس اعتمادا على كتب العروض.وكان بالإمكان استنباط منهج لتدريس مادة العروض من خلال هذه الأطروحة، أسميه بالمنهج الفني لتدريس هذه المادة.

مع الأسف لم يكن لهذه الأطروحة امتداد؛ لأن نظام التدريس بالجامعة المغربية خاصة، يقف عائقا أمام تقدم البحث العلمي. فلاشك أنك تعلم أن اللجنة العلمية التي ناقشت هذه الأطروحة، أوصت بنشر الدراسة؛ لأهميتها. والنشر لو تم فإنه سيسمح بقراءتها قراءة معمقة، ومناقشة بعض ما تقدمه من قضايا، والنقاش العلمي هو الذي يطور المعرفة.

هل تعد مهنة التعليم عاملا مساعدا أم عائقا عن القراءة والكتابة؟

مهنة التعليم عامل مساعد على القراءة، والكتابة، يوم كان التعليم رسالة. اليوم التعليم على اختلاف أسلاكه، ينفر من القراءة، ولا يشجع عليها.وأرى أن التعليم كلما اهتم بالتبسيط أنتج أميين.

 

د. عبد الواحد العلمي

عن Romaisae

شاهد أيضاً

طقوس قرائية مع الدكتور علي البوجديدي

1- سيرة ذاتيّة: د. علي البوجديديّ: أستاذ جامعيّ بالمعهد العالي للعلوم الإنسانيّة بمدنين من جامعة …

طقوس قرائية: مع الأستاذة عائشة العلوي الأمراني

متلازمة القراءة والكتابة ممتنة لهيئة التحرير في جريدة “الشمال” دعوتها الكريمة لاستضافة شخصي المتواضع على …

مرفأ الذاكرة مع الأستاذ: عمر المسعودي

بطاقة شخصية: عمر بن عبد السلام المسعودي ولدت سنة 1940 بزاوية يوسف ـ إقليم الحسيمة. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: