“عبد الخالق الطريس: النائب البرلماني”

صدر كتاب “عبد الخالق الطريس: النائب البرلماني” لمؤلفه  لحسن بنساسي سنة 2003، في ما مجموعه 62 من الصفحات ذات الحجم المتوسط. وقد سعى فيه صاحبه إلى تقديم آخر التنقيبات التوثيقية التي اشتغلت على السيرة النضالية لزعيم الوحدة الأستاذ الطريس، باعتبارها نموذجا للملاحم الوطنية المسترسلة التي مارست تأثيرها وسلطتها المرجعية والرمزية على أجيال الفاعلين السياسيين في مغرب ما بعد الاستقلال، وخاصة بالنسبة لنخب الشمال. والكتاب –في حدوده العامة- تجميع لسلسلة خطب ومداخلات ساهم بها الزعيم الطريس في سياق تجربته البرلمانية  عندما انتخب بدائرة تطوان في أول انتخابات تشريعية عرفها المغرب المستقل سنة 1963. وتعود أهمية هذا الكتاب إلى كونه يلقي الضوء على جوانب هامة في سيرة الطريس لم تنل حقها من البحث والتنقيب في كتابات مؤرخي الحركة الوطنية بالمغرب ممن اهتموا بسيرة هذه الشخصية الاستثنائية. فغالبية الكتابات ذات الصلة، اهتمت بجوانب النضال ضد الاستعمار في سيرة الطريس، معتبرة أن المرحلة كانت أهم ما صنع الرجل في حياته. والحقيقة إن مرحلة ما بعد الاستقلال قد شكلت بالنسبة للطريس بداية التأسيس لأفق نضالي بديل، قوامه دعم مؤسسات الدولة والانتقال إلى ترجمة أحلام الاستقلال في الحرية والمساواة والديمقراطية على أرض الواقع. إنها واجهة نضالية لم تكن تقل شأنا عن مرحلة مجابهة مشاريع الاستعمار، بل ربما كانت أكثر أهمية من سابقتها بالنظر لطبيعة المخاض الذي وجه جهود الوطنيين نحو التأصيل لقيم الديمقراطية ولركائز دولة الحق والقانون والمشروعية. فالأمر مرتبط –في نهاية المطاف- بمشروع مجتمعي كان قيد التكون على ضوء اجتهادات نخب الاستقلال الهادفة إلى القطع مع الإكراهات والتراكمات الاستعمارية والمخزنية على حد سواء.

واعتبارا لهذا الدور الحيوي الذي أثر في مسارات تطور أوضاع مغرب ما بعد الاستقلال، أمكن القول إن الاهتمام بإعادة قراءة النصوص والكتابات التي خلفها رواد المرحلة، يظل عملا أساسيا وموجها لفهم طبيعة أنساق الفعل والمبادرة التي ميزت المشهد السياسي المغربي المعاصر. كما أن هذا التوجه يسمح بإعادة تركيب مختلف مكونات شخصية الطريس باعتباره سياسيا محنكا، وخطيبا بارعا، ورجل دولة لم يكن يترك أية مناسبة تمر دون تسجيل مواقفه الثابتة والتأكيد على مبادئه التي جاهد من أجلها، وليتحول –بذلك- البرلمان إلى واجهة مشرعة للدفاع عن مصالح الوطن العليا وللدفاع عن قضايا الشعب المغربي.

والملاحظ على مجمل هذه الخطب، اكتسابها للكثير من الخصوصيات التي ابتعدت بها عن الإرسابات الموروثة عن عهد الاستعمار حسب ما ارتبط بكتابات رواد الحركة الوطنية آنذاك. كما أنها ظلت بعيدة عن كل أشكال المزايدات السياسوية أو السجالات العقيمة التي كثيرا ما هيمنت على أجواء المناقشات البرلمانية منذ تلك الفترة وإلى يومنا هذا. فالرجل كان واضحا في كلامه، صادقا في تصريحاته، مثيرا في جرأته وفي منازلاته. ولعل هذا ما انتبه إليه الأستاذ أبو بكر القادري عندما قال في تقديمه للكتاب: “لم يكن أسلوب الطريس في خطاباته في البرلمان، كخطاباته في الجماهير، ولم تكن طريقته في التأثير في رجال الحكومة، كطريقته في أحاديثه الأخرى، كان يدرك كل الإدراك أن المناقشة التي تجري بعد عرض المشاريع الحكومية تتطلب كثيرا من الإنصات، وكثيرا من الدرس، وكثيرا من المعرفة، حتى تكون مناقشته مجدية، ويكون الحوار ذا مصداقية، ويتحقق ما يتطلع له المخلصون من إصلاحات وإنجازات… إن التدخلات التي تدخلها الطريس… تدل على أن الرجل كان يدرك مسؤوليته الوطنية، ويقدر تمام التقدير أنه تحمل مسؤولية كبرى من ناخبيه، ومن حزبه الذي يتكلم باسمه في البرلمان، ولذلك فإن وجوده داخل قاعة البرلمان، تتطلب منه أن يكون على حذر، حتى لا ينطق إلا بالصواب، ولا يتحدث إلا بما يحقق مطامح مواطنيه. فليس البرلمان قاعة للتهريج أو القذف أو التحطيم، ولكنه منبر لتوضيح الحقائق، والدفاع عن المطالب، والمناقشة الهادئة للمشاريع ليتحقق من ورائها ما يعود بالخير على مجموع المواطنين…” (ص ص. 6-7).

في سياق هذا التصور العام، يقدم كتاب “عبد الخالق الطريس: النائب البرلماني” نصوصا هي في الحقيقة وثائق تشهد على أصالة فكر الرجل وعلى استماتته في الدفاع عن مبادئ الأمة وفق منطلقات لا ولاء لها إلا للقيم الخالدة للشعب. وتتوزع مضامين هذه الخطب  بين مواد مختلفة اقتضتها ظروف المغرب عند مطلع ستينيات القرن الماضي. في هذا الإطار، نقرأ الكلمة التي ألقاها الطريس بمناسبة مناقشة البرنامج الحكومي وذلك يوم 23 دجنبر 1963، إلى جانب مداخلة أخرى رد فيها على محاولة فرق الأغلبية (الجبهة) التهرب من تكوين لجنة نيابية لتقصي الحقائق حول الفيضانات التي ضربت العديد من مناطق المغرب خلال سنة 1963. كما نجد نص تدخل الطريس يوم 22 يناير 1964، مدافعا فيه عن حق النواب في الاشتغال في ظروف مناسبة، حيث كان مقر البرلمان –آنذاك- يوجد داخل ما يعرف اليوم بكلية العلوم بالرباط، وكذا نص تدخل مسطري حول حرمة المؤسسة التشريعية وحقوق النواب (23 يناير 1964)، وآخر خاص بمناقشة مشروع الميزانية العامة لسنة 1964.

وفي نفس السياق كذلك، سعى الكتاب إلى التوثيق لعدة معارك نضالية قادها الطريس من أعلى قبة البرلمان، أهمها معركة النظام الداخلي لمجلس النواب ومعركة التعليم ومعركة الإعلام ومعركة الدفاع عن الأقاليم الشمالية. كما تم إدراج حيثيات تقديم الفريق النيابي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية لملتمس رقابة في 15 يونيو 1964 ضد الحكومة، والذي سانده الفريق الاستقلالي للمشروعية والتعادلية كما هو واضح من التدخل الذي ألقاه الطريس يوم 22 من الشهر نفسه باسم الفريق المذكور. وعلى مستوى آخر، قدم الكتاب نموذجا من الأسئلة الشفاهية التي كان يتقدم بها الطريس باسم الفريق الاستقلالي للمشروعية والتعادلية، إلى جانب نماذج من خطبه التي ألقاها خلال الحملة الانتخابية التشريعية لسنة 1963 في إطار التجمعات الجماهيرية بكل من الرباط وتطوان ووجدة والريف، وهي التجمعات التي جعل  الطريس شعارها المركزي ينهض على الحث على مواصلة المعركة ضد “الإقطاع والخونة”.

وبهذه النصوص المنتقاة، نجح لحسن بنساسي في الكشف عن ملامح من سيرة الزعيم الطريس لم نكن نعرف عنها إلا شتات المعلومات والروايات المتفرقة. ولا شك أن تجميع هذه النصوص يقدم خدمة كبرى للمهتمين، ليس فقط بالحقل السياسي الحركي المباشر بمعناه الضيق، ولكن كذلك بمجال البحث التاريخي الأكاديمي الذي انشغل بالتوثيق لتراث الحركة الوطنية المغربية سواء في منطلقاته المرجعية العامة أو في امتداداته التأسيسية لمخاض مغرب ما بعد الاستقلال. ولعل أهم قيمة معرفية اكتساها الكتاب، نجاحه في إبراز صورة الطريس البرلماني التي ظلت متوارية وراء أبعاد أخرى من شخصية هذا الزعيم وخاصة على المستوى التحرري والتربوي والإعلامي والإبداعي. وفي ذلك إضافة نوعية جعلت الكتاب يصبح اختزالا لتجربة جهادية ثرية يمكن أن تنير مجال الدراسة بالنسبة للمؤرخين ولعموم المهتمين برصد إبدالات تطور أنساق الخطاب السياسي بمغرب القرن 20.

أسامة الزكاري

عن Romaisae

شاهد أيضاً

الموسيقى الأندلسية امتداد للحضارة الأندلسية بالمغرب – 3 –

النوبات الأندلسية بالمغرب: ترى الباحثة (سمحة الخولي) أن «النوبة الأندلسية ويناظرها في الشرق (الوصلة) تمثل …

كتابات نسائية

تفتح الشمال هذا الحيز للكتابة النسائية، إسهاما في التعريف بالحضور الفكري والأدبي والاجتماعي والبحثي لنخب …

طقوس قرائية مع الدكتور حسن بنيخلف

شكر واستئذان:  أغتنم هذه الفرصة لأشكر الصديق العزيز د. عبد الواحد التهامي العلمي على هذه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: