“عبد الكريم برشيد- رسائل إلى المخرج يوسف الريحاني”

لم يكن المسرح المغربي لقيط فعل الانبهار، ولم يكن هذا المسرح ثمرة لهاث نحو تقليعات الحداثة المعطوبة، ولم يكن مجرد “رجع الصدى” لفقاقيع تجارب الضفة الأخرى، ولم يكن –كذلك- مجرد تمارين مدرسية لقواعد البداية والتأسيس، كما لم يكن معزولا عن سياقات مجتمعية ضاغطة صنعت منه عطاءً سامقا، تبلورت داخله تجارب على تجارب، وارتبطت به أسماء على أسماء، وانصهرت داخله إبداعات على إبداعات. وداخل هذا المسار العام، كان حضور منطقة الشمال بارزا، كواجهة للعطاء وللتخصيب منذ دخول الاستعمار إلى بلادنا وإلى يومنا هذا، بل وربما قبل هذا التاريخ بكثير، حسب ما أثبته الدراسات التوثيقية الرائدة للمبدع رضوان احدادو حول ذاكرة المسرح بشمال المغرب، وهي الدراسات التي ألقت أضواء كاشفة على تجارب البدايات الأولى بالمنطقة المذكورة، مثلما هو الحال مع ظروف افتتاح أول مسرح بمدينة تطوان عقب احتلال المدينة من طرف الإسبان سنة 1859، أو مع تجارب مسرح سيرفانطيس بطنجة، أو مسرح إسبانيول بتطوان، أو مع محكيات مسرح البساط بالشمال،… وهي التجارب التي ظلت تغتني وتتجدد وترتوي بعطاء نخب المغرب الحديث، وخاصة مع جيل التأسيس، الجيل المخضرم الذي عايش مرحلة الاستعمار، واستطاع اقتحام المرحلة بفتح أقواس أسئلة المسرح وضرورات الافتتان بعوالمه العجيبة، مثلما هو الحال مع تجارب عبد الخالق الطريس، وثريا حسن، ومحمد الدحروش،…

في سياق خصوبة هذا النهر المتدفق، يبرز عطاء المبدع يوسف الريحاني، كوجه بارز من أوجه الممارسة المسرحية الراهنة بالشمال وبعموم البلاد، بالنظر لحجم البصمات التي استطاع أن يخلفها داخل المشهد الثقافي المحلي والوطني، استنادا إلى عشقه الكبير لعوالم الركح، وإلى تكوينه الأكاديمي المتين الذي توجه بالحصول على شهادة الدكتوراه في المسرح من جامعة فاس سنة 2003، ثم إلى نزوعاته المستدامة في البحث عن التجديد وتفجير بؤر الفرجة المسرحية، وخاصة  من خلال عطائه داخل فرقة “مسرح الأفق” ثم من خلال تأسيسه ل”ربيع تطوان الأورومتوسطي للمسرح التجريبي” سنة 2002، أو من خلال اشتغاله على نصوص رائدة برؤى مجددة حملت الكثير من الوفاء لمنطلقات المسرح الاحتفالي ولترجماته التعبيرية فوق الركح، مثلما هو الحال مع نصوص “الناس والحجارة”، و”جزء خارج”، و”يوسف قل”، و”تحت الأدمة”، و”خادمتان من جديد”،…

ولعل من عناصر القوة في تجربة المبدع يوسف الريحاني، حسن إنصاته لوقع علامات التميز داخل محيطه الوطني والعربي. في هذا الإطار، نستحضر علاقته برائد الاحتفالية بالمغرب الأستاذ عبد الكريم برشيد، حيث جمعت بينهما عناصر وتقاطعات عميقة، أنتجت رصيدا هائلا من الرؤى العميقة التي ظلت منسية على الهامش، على الرغم من قوتها الهائلة في نحت صخرة التجربة وعلى إكسابها عناصر التطور والتميز، وقبل ذلك عناصر الفردانية المجيدة التي تظل أساس كل مناحي التجديد والثورة ضد التنميط والابتذال. تتمثل هذه الأرصدة المنسية في المراسلات الخاصة التي جمعت بين الرجلين بعد أن تحولت إلى قناة فضلى لتحقيق التواصل الراشد، الفاحص، الناقد،… بشكل يفتح آفاقا رحبة لتثمين حصيلة المنجز ولاستشراف المستقبل.

ونظرا لما لهذه القيمة المعرفية من أهمية كبرى في جهود التوثيق لإبدالات الخطاب والممارسة، التأطير والفعل، داخل الممارسة المسرحية الوطنية، اختار الأستاذ يوسف الريحاني إشراك عموم المهتمين ومجمل الباحثين في تحولات المشهد الثقافي المحلي والوطني، في النهل من مضامين هذه المراسلات، عبر تعميم نشر المراسلات التي كان يتوصل بها من زميله في عشق المسرح وفي الافتتان بعوالمه الأخاذة، وأثمر ذلك صدور كتاب “عبد الكريم برشيد- رسائل إلى المخرج يوسف الريحاني- أفكار في المسرح”، وذلك مطلع سنة 2021، في ما مجموعه 86 من الصفحات ذات الحجم المتوسط. فإلى جانب البعد العلمي الأصيل في مقاربة أسئلة الاحتفالية في المسرح المغربي، يقدم الكتاب عناصر غزيرة ومؤسسة لكل جهود التوثيق لتحولات الممارسة المسرحية بشمال المغرب، خاصة وأن عبد الكريم برشيد اختار لغة الوضوح ولغة الاحترافية، وقبل ذلك، لغة الباحث المهووس بالاستمرارية وبإغناء التراكم المؤسس وبضمان بقائه. يقول مخاطبا صديقه يوسف الريحاني: “إن أخطر الأفكار دائما، هي تلك الأفكار الغريبة والعجيبة والمجنونة، والتي لا يتم قبولها بسهولة، ولعل أخطر منها كلها، هي تلك الأفكار المرعبة المستفزة، والتي يحاربها الرجعيون دائما، ويتصدى لها السلفيون، وسواء باسم الأخلاق، أو باسم الوطنية، أو باسم الدين، أو باسم الحزب، أو باسم المصلحة العليا، وهي التي يخاصمها المحنطون والاتباعيون، وذلك لأنها لا تشبه المعروف، ولا تكرر المألوف، لأنها ذات طبيعة مشاغبة ومشاكسة، وأنها تشكك في البديهيات، وأنها تراجعها، تفككها، وتعيد كتابتها وقراءتها، وأنها تنظر إلى الحقائق في نسبيتها ولا تؤمن بالمطلقات أبدا…” (ص. 10).

وعلى ضوء هذه الرؤية، خاطب برشيد زميله الريحاني قائلا: “يوسف أخي، إنني أكلمك أنت، أكلم فيك الكاتب والإنسان، وأكلم المخرج والفنان، ومن خلالك أنت، أكلم كل المبدعين الحقيقيين وكل المفكرين المؤسسين، وأخاطب كل الذين يجيدون الإنصات النبيل، ويحسنون قراءة السطور وما بين السطور، وإنني أخصك بهذه الرسالة، لأنني أرى فيك نفسي، وأقرأ في ملامحك الإبداعية والفكرية شيئا من وجهي، فأنت عنوان كبير وواضح للمبدع المشاكس والمشاغب… إنني أرى فيك بدايتي، وأقرأ في دهشتك الصادقة امتدادي. وأرى أنك مثلي لا تلتفت خلفك وتمشي، وأنك لا تراهن إلا على الأبعد والأصدق، وعلى الأكثر جمالا والأكثر حقيقة والأكثر خطورة، وعلى الأكثر إثارة وإدهاشا وغرابة…” (ص. 13).

ومن خلال هذه السيرة الذهنية للمبدع يوسف الريحاني، تتحول الكتابة عن ذات منفردة إلى توثيق لانتماء جماعي يصنع خصوبة العطاء الثقافي لمدينة تطوان ومعها عموم منطقة الشمال. بمعنى آخر، لم تعد الكتابة حصرا على الذات المبدعة للفنان يوسف الريحاني، بقدر ما أنها تحولت إلى استلهام راق لمجمل عناصر الثراء الرمزي الذي حققته المنطقة على امتداد تاريخها الطويل. ولعل هذا ما عبر عنه المبدع عبد الكريم برشيد بالكثير من عناصر الحميمية والافتتان، عندما قال: “إن علاقتي بمدينة تطوان، ولم تكن في يوم من الأيام علاقة بالإسمنت والحجارة، ولا بالأزقة والحارات والأسواق، ولكنها كانت علاقة بالناس أولا، وبتاريخ الناس ثانيا، وبهموم الناس ثالثا، وباهتماماتهم رابعا، وبوجدانهم خامسا، وبعبقريتهم سادسا، وبمستقبلهم سابعا. ولقد كان دليلي إلى هذه المدينة صديقي رضوان احدادو، ومن خلاله عرفت الكثير من الأشياء. ولقد رأيت أن المبدع المفكر، يختزل كل المدينة في ذاته، وأنه يكفي أن تقترب منه أكثر، وأن تعرفه، من أجل أن تعرف المدينة كلها، وأن تفتح لك بوابتها الخفية، وكل دهاليزها السرية، وأن تلمس جمالها وجلالها وأن تصبح من ناسها ومن أهلها ومن أحبابها. إن المدينة التي تنتمي إليها، أخي يوسف الريحاني، هي عاصمة احتفالية، مثلها في ذلك مثل كل العواصم الاحتفالية المغربية والعربية والعالمية…”(ص. 37).

وبهذه الصفة، تصبح مدينة تطوان، مركز إشعاع حضاري وثقافي متميز، طبع ماضيها التليد، ويصنع حاضرها المشتهى، ويتطلع إلى مستقبلها المنتظر. ولا شك أن ريادة تطوان الثقافية تظل عنصر الارتكاز الذي صنع للمدينة اسمها، لذلك فإن تجارب مثل التوثيق لنبض العطاء الراهن الذي يؤسس معالمه رواد الفترة الراهنة، من أمثال المبدع يوسف الريحاني، إلى جانب باقي العلامات المضيئة في حقول المعرفة والثقافة الأخرى مثل الشعر والتشكيل والموسيقى، تظل علامة الانتماء الحضاري الوحيد للعصر ولشروط الانخراط فيه، تأسيسا وتأصيلا وعطاءً.

 

أسامة الزكاري

عن Romaisae

شاهد أيضاً

نزار كنوني يناقش بنجاح أطروحة دكتوراه في العلوم بالمعهد العالي البوليتقني بتولوز.

ناقش الطالب الباحث نزار كنوني،  الأبن البكر للصحافي القدير الأستاذ عزيز كنوني،  بنجاح ،  أطروحة  …

قراءة في كتاب “الرحلة الخاطفة” للأستاذ التهامي الوزاني رحمه الله 2/1

خُصوصية الرّحلَة إن أول ما يُعن لِدارِس للأدب الرّحلي عموما ولـ«الرحلة الخاطفة » للتهامي الوزاني …

عن دور الصفحات والملاحق الثقافية للصحف المغربية نموذج : جريدة “العلم”

كان من كتاب صفحة ” أصوات ”  الذين كانوا يدرسون  في كلية الآداب في ظهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: