انصرف رجلان وبقي الآخرون ينتظرون، ثم قاموا إلى آخر المسجد حيث وُضِعَت (السْفِيرَة)، المصنوعة من خُوصِ الدَّوْمِ، وعليها الطعام، وانتظروا إلى أن قال الفقيه يدعوهم إلى الأكل: بسم الله، فأكلوا حتى لم يبق في الصحن شيء، ثم رجعوا إلى مكانهم الأول قرب المحراب، وجلسوا في حلقة واسعة، بينما انصرف ثلاثة رجال ممن لا يحفظ كتاب الله تعالى. ونظر الفقيه إلى الحضور ثم عدهم قبل أن يقول:
ـ السي الطاهر وزع السلكة. ثلاثة أحزاب لكل واحد.
نظر الطاهر عن يمينه فوجد الفقيه العياشي فبدأ به وهو يذكر اسمه احتراما:
ـ الفقيه العياشي: الم ذلك الكتاب ـ وإذا لقوا ـ سيقول السفهاء.
ثم أشار إلى الباقين دون أن يذكر أسماءهم، وإنما ينظر إلى الرجل ويذكر له الأحزاب التي عينها له.
ـ واذكروا الله ـ تلك الرسل ـ قُلَ اوْنَبِّئُكُمْ.
ـ لن تنالوا البر ـ يستبشرون ـ والمحصنات.
واستمر على ذلك حتى إذا وصل إلى (الدامر) قال: اَولم يروا ـ قال ألم اَقل ـ طه.
فقاطعه الفقيه المفضل بصوت حاسم: اعطه طه . اعطه طه.
نظر السي الطاهر إلى الفقيه مستغربا، فقال الفقيه: اَولم يروا ـ قال ألم اَقل ـ طه، لمن بعده في الترتيب. هو يكفيه (طه).
فرغ السي الطاهر من توزيع السلكة، وبدأ كل رجل من الحاضرين يقرأ ما عين له من أحزاب، فلما رآهم السي الطاهر قد شغلوا بالقراءة مال على الفقيه وقال:
ـ لعلك أحرجت الطالب.
قال الفقيه دون تردد: نحن لا نلعب.
فرغ القوم من قراءة السلكة وشرعوا في قراءة الصلاة المشيشية يرفعون أصواتهم بقراءتها جماعة، وليس فيهم من يعرف معناها. وقد طلب السي الطاهر مرة من الفقيه المفضل أن يشرح له بعض عباراتها فقال له: وأي عبارة تريد؟
قال السي الطاهر: ما معنى: اللهمَّ صلِّ على منْ منهُ انشقتِ الأسرارُ؟
قال الفقيه: معناها أسرار شهود كمال الذات الإلهية من غير حدقة عين، ولا كيف، ولا مكان، ولا فوقية مكانية، بل رفعة مطلقة.
فهو مغرب أسرار الذات، ومشرق أنوار الصفات، ومظهر أنوار التجليات بأنوار السبحات من سنا السرادقات بأنوار الترنحات، ومدد المدد، وجود الجود، وعين الرحمة الربانية. هل فهمت الآن آسي الطاهر؟
قال السي الطاهر: هذا شرح يحتاج إلى شرح.
قال الفقيه: هذا علم كبير له أهله. (عَنْدُو مْوَالِيهْ).
يومها قرر السي الطاهر أن يقرأ الصلاة المشيشية تبركا، واستغنى عن الفهم. على أنه لم يكن في قبائل جبالة فقيه لا يعرف هذه الصلاة التي خرجت من هذه الجبال إلى العالم أجمع. وقد قالها شيخهم مولاي عبد السلام بن مشيش فهم أحق بها.
اللهمَّ صلِّ على منْ منهُ انشقتِ الأسرارُ، وانفلقتِ الأنوارُ، وفيهِ ارتقتِ الحقائقُ، وتنـزلتْ علومُ آدمَ عليهِ السلامُ فأعجزَ الخلائقَ، ولهُ تضاءلتِ الفهومُ فلمْ يدركهُ منا سابقٌ ولا لاحقٌ، فرياضُ الملكوتِ بزهرِ جمالهِ مونقةٌ، وحياضُ الجبروتِ بفيضِ أنوارهِ متدفقةٌ، ولا شيءَ إلا وهو بهِ منوطٌ، إذْ لولا الواسطةُ لذهبَ –كما قيلَ- الموسوطُ، صلاةً تليقُ بكَ منكَ إليهِ كما هو أهلهُ. اللهمَّ إنهُ سِرُّكَ الجامعُ الدَّالُّ عليكَ، وحجابكَ الأعظمُ القائمُ لكَ بينَ يديكَ. اللهمَّ ألحقني بنسبهِ، وحققني بحسبهِ، وعَرِّفْنِي إياهُ معرفةً أسلمُ بها منْ مواردِ الجهلِ، وأكرعُ بها منْ مواردِ الفضلِ، واحملني على سبيلهِ إلى حضرتِكَ حملاً محفوفاً بنصرتِكَ، واقذفْ بي على الباطلِ فأدمغَهُ، وزُجَّ بي في بحارِ الأحديةِ، وانشلني منْ أوحالِ التوحيدِ، وأغرقني في عينِ بحرِ الوحدةِ حتى لا أرى ولا أسمعَ ولا أجدَ ولا أحسَّ إلا بها. واجعلِ الحجابَ الأعظمَ حياةَ روحي، وروحهُ سِـرَّ حقيقتي، وحقيقتهُ جـامعَ عوالمـي، بتحقيقِ الحقِّ الأولِ. يا أولُ يا آخرُ يا ظاهرُ يا باطنُ. يا أولُ يا آخرُ يا ظاهرُ يا باطنُ. يا أولُ يا آخرُ يا ظاهرُ يا باطنُ. اسمعْ ندائي بما سمعتَ بهِ نداءَ عبدكَ زكرياء، عليهِ السلامُ، وانصرني بكَ لكَ، وأيدني بكَ لكَ، واجمعْ بيني وبينكَ، وحُلْ بيني وبينَ غيركَ. اللهُ. اللهُ. اللهُ. إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلى مَعَادٍ. ربنـا آتنا منْ لدنكَ رحمـةً وهيئْ لنا منْ أمـرنا رشداً. ربنـا آتنا منْ لدنكَ رحمـةً وهيء لنا منْ أمـرنا رشداً. ربنـا آتنا منْ لدنكَ رحمـةً وهيئْ لنا منْ أمـرنا رشداً.
سكت الذاكرون منتظرين أن يبدأ الفقيه بذكر اللطيف، غير أنه رفع رأسه إلى المصباح المعلق في الجدار، وأمر أحد الطلبة أن يرفع فتيله فلما فعل أضاء المكان. ثم نظر الفقيه إلى العياشي وقال:
ـ نحن نستدل بالله على الأشياء، ولا نستدل بالأشياء على الله عز وجل. وهذا معنى قوله: وانشلني من أوحال التوحيد. أي ما يعرض للسالكين المستدلين على الله بالأشياء من الشبهات.
السي العياشي: علينا أن نغرق في الغيبة عن الأكوان بشهود المكون، فيدوم أنسنا وسرورنا. تلك هي الجنة المعجلة. وذلك قوله: حتى لا أرى ولا أسمعَ ولا أجدَ ولا أحسَّ إلا بها. من لا يدرك هذا يستجمع همه في بقرة، ولا يبالي بظلم غيره. ذلك هو العذاب المعجل. فماذا ترى؟
قال العياشي: سأبيع بقرتي، وأخرج الفقيه السي عبد الله من سجن القايد. والله لطيف بعباده يرزق من يشاء و هو القوي العزيز.
ظهر الرضا على وجه الفقيه المفضل، ولمعت عيناه ثم شرع في قراءة الفاتحة، وقرأها الحاضرون معه. ثم قرأ قوله تعالى: و ما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا و أعظم أجرا. و استغفروا الله إن الله غفور رحيم.
وأتبع ذلك بأن كرر تسع مرات الاستغفار بصيغة: أستغفر الله العظيم إن الله غفور رحيم.
وختمه بقوله: أستغفر الله العظيم إن الله تواب رحيم.
ثم بالتصلية بصيغة: إن الله و ملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما. اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي و على آله و صحبه و سلم تسليما.
ثم بدأ بذكر اللطيف: اللهم الطف بنا.
يا لطيف. يا لطيف. يا لطيف. يا لطيف. يا لطيف. يا لطيف. يا لطيف. يا لطيف. يا لطيف.
الله لطيف بعباده يرزق من يشاء و هو القوي العزيز..
اللهم الطف بنا.
يا لطيف…… وكررها عشرين مرة.
الله لطيف بعباده يرزق من يشاء و هو القوي العزيز..
اللهم الطف بنا.
يا لطيف……وكررها مائة مرة.
الله لطيف بعباده يرزق من يشاء و هو القوي العزيز.
ثم ختم ذلك، ومن معه، بقراءة سورة ياسين.
كانت القراءة تسمع واضحة في المدشر كله، بل وتسمع أصداؤها في المداشر القريبة أيضا. ولم يكن بيت الشاوشاو بعيدا عن المسجد فكان يسمع ذكر اللطيف واضحا من بيته، وقد بلغه ما صنعه الفقيه العياشي من طعام وذبحه الديكين. فكان يُظْهِرُ في بيته أنه غيرُ مُبَالٍ ولا خائفٍ، دون أن يستطيع دفع انقباضٍ شديد يجده في نفسه، وتوقُّعٍ لشرٍّ قريبٍ يصيبه.
(انتهى)
محمد الحافظ الروسي









































































PDF 2025

