فيليب بروطون
الحجاج في التواصل
ترجمة
د.محمد مشبال
د.عبـد الواحد التهامي العلمي
r
Philippe Breton, L’argumentation dans la communication, Quatrième édition, La Découverte, Paris, 2006.
أفول البلاغة وانبعاث الحجاج
ابتداء من القرن التاسع عشر، لم تعد البلاغة مادة من مواد التعليم كما أنها لم تعد معرفة قائمة في المقررات المدرسية والجامعية. وحتى هذه اللحظة، كما يذكِّر أنطوان كومبانيون Antoine Compagon))، كان لـ”أستاذ البلاغة اليد العليا في الثانوية لأنه كان يلقن فن الخطاب الراقي”[1]. وفي سنة 1902 اختفى اسم “البلاغة” رسميا في فرنسا، ليستبدل بـ”درس البلاغة” درس “تاريخ الأدب”، واستبدل بتمارين الخطابة الإنشاءُ والتَّعبيرُ.
كيف نفسر هذا الأفول وما يشبه التواري، إلى أن أعادت المقررات المدرسية، منذ عهد قريب، اكتشاف أهمية الحجاج، ليس في المواد الأدبية وحدها بل كذلك في المواد الاقتصادية والاجتماعية؟.
يبدو أن هذا الانحطاط بدأ قبل القرن التاسع عشر. في نظر رولان بارت Roland Barthes “نجم هذا الأفول عن صعود قيمة جديدة هي وضوح (الأحداث، والأفكار، والعواطف)؛ وهو وضوح يكتفي بذاته ويستغني عن اللغة (أو يعتقد ذلك)، أو على الأقل يدعي فقط استخدامها بوصفها أداة، أو وساطة، أو تعبيرا. ولقد أخذ هذا “الوضوح”، منذ مطلع القرن السادس عشر، ثلاثة اتجاهات: وضوح شخصي (في البروتيستانتيزم)، ووضوح عقلاني (في العقلانية الصورية)، ووضوح محسوس (في التجريبية)”.[2] على هذا النحو، أصبحت البلاغة مجرد “لون” أو”تزيين” ولم تعد أداة للاستدلال الإقناعي.
ولا يختلف رأي أوليفيي روبولOlivier Reboul [3]، وبالخصوص بيرلمان،[4] Perelman عن رأي رولان بارت في كون العقلانية ورفضها للمحتمل، شكلت مصدرا للصعوبة التي واجهتها البلاغة في الاحتفاظ بموقع مركزي في أنظمة الفكر الحديثة. ويمكننا، بشكل أعم، وصف هذه المرحلة بأنها مرحلة المواجهة بين “ثقافة الوضوح” التي استفادت من إنجازات النزعة العلمية والنزعة الوضعية، وبين “ثقافة الحجاج” التي ترى أن صعودها يعرقله أفول لا يتعلق في المحصلة النهائية سوى بالمظهر الجمالي للخطاب وليس بالمظهر الحجاجي.[5]
وكان علينا أن ننتظر فترة الستينات من القرن العشرين، لنرى عودة ميلاد الاهتمام بالبلاغة. فبعد فوات الأوان شهدت هذه الفترة بداية الوعي بأهمية وقوة تقنيات التأثير والإقناع طوال القرن، كما شهدت هذه الفترة أيضا بداية هيمنة الإشهار بقوة في المشهد الاجتماعي والثقافي.
وانطلاقا من رولان بارت أدرك فريق من الباحثين في كتاب “أبحاث بلاغية”[6] أن: “الانشغال بالبلاغة في فرنسا لا يمكن إدراكه بوصفه مفارقا للتاريخ أو تحديا للطلائعية. فلفظ البلاغة نفسه كان قد بدأ يفقد إيحاءاته السلبية التي ارتبطت به منذ أكثر من قرن. ندرك أن البلاغة ليست تزيينا للخطاب، ولكنها بُعْدٌ أساس للمعنى”[7]. ومع ذلك فإن هؤلاء الباحثين ركزوا أعمالهم حول مظهر ضيق، بل وخارج عن الحجاج بالمعنى الدقيق؛ أي إنهم انشغلوا بنظرية الصور أو الوجوه البلاغية. إن البلاغة، في نظرهم، عنصر من السيميائيات الجديدة؛ أي (دراسة العلامات في الحياة الاجتماعية)، وقد كانوا بذلك من روادها في مرحلة ما.
في هذا العصر، سيعاد أيضا اكتشاف الأهمية المنسية للبلاغة في تاريخ الأفكار والثقافة.[8] ولعل عمل مارك فومارولي Marc Fumaroli المهم، أن يتيح إبراز الدور المركزي للبلاغة في ثقافة العصر الكلاسي[9].
البلاغة الجديدة
في الفترة نفسها، تعهد القانوني والفيلسوف في القانون شاييم بيرلمان، بالاضطلاع والعمل على استثمار الموروث البلاغي، وجعل”البلاغة الجديدة” تشق طريقها. وقد حقق كتابه الضخم “مصنف في الحجاج”، الذي شاركته في تأليفه أولبرشت- تيتيكا (Olbrecht-Tyteca)، منعطفا في الحقل البلاغي. لقد قام مشروعه على إعلان القطيعة مع “التصور الديكارتي للعقل وللاستدلال”.[10] في هذا السياق يلتقي بيرلمان بثنائية أرسطو التي يقر فيها بأن ثمة مناقشات تتعلق بالعلم وأخرى تتعلق بالبلاغة. فالاستدلال، في نظر بيرلمان يمكن أن يكون مقنعا من دون أن يخضع لحساب، كما يمكن أن يكون صلبا دون أن يكون “علميا”.
يعرف بيرلمان الحجاج إذن بوصفه “دراسة التقنيات الخِطابية التي تتيح إثارة أو زيادة إذعان العقول للأطاريح للحصول على التصديق”[11]. والحق إننا مدينون لبيرلمان في انبعاث اهتمام حقيقي بالحجاج.
إن دراسة الحجاج بوصفه جزءا من “البلاغة” القديمة، كان محط اهتمام من قبل الفلاسفة من جهة، ومن قبل دارسي الأدب المهتمين باللغة من جهة ثانية. وكان الفلاسفة قد تبنوا موقفا غامضا من الحجاج؛ فهم يتساءلون على نحو تقليدي: هل ينطوي الحجاج على آليات تُمكِّن بلوغ الحقيقة وإثبات الباطل؟ إن رفض الحجاج وخصوصا من قبل ديكارت ومن قبل التراث العقلي الذي يستلهمه، يرتد إلى الإجابة بالنفي عن هذا السؤال المطروح.
في الاستراتيجية التواصلية لا نكترث بهذا السؤال: فليس مهما ما تتضمنه الرسالة من صواب أو خطأ، لأننا، وبصفة أساس، سنعتبر أننا نحاجج غالبا الآراء أكثر ممَّا نحاجج الحقائق والأخطاء. فالحقائق والأخطاء متروكة للعلوم التي تمتلك أحسن الوسائل لإثباتها. يرتكز استقلال الحجاج على قسمة بين الآراء من جهة، وبين الملفوظات القابلة للبرهنة عليها من قبل العلوم من جهة ثانية.
وعلى هذا الأساس، نعيد الاعتبار للرأي الذي لا يعد اعتقادا هشا أو حقيقة غير صلبة، ولكنه يعد حقا مادة حياتنا اليومية، وعماد انخراطنا في الحياة وأساس اختياراتنا الأكثر جوهرية. إن الإيمان بفضائل المساواة، على سبيل المثال، والذي يؤسس اختيارات عديدة في كل المجالات (المساواة في التصويت في المجال السياسي)، ليس حقيقة ولا كذبا، بل هو رأي قوي.
فالمساواة، بوصفها قيمة، قابلة للنقاش، يمكننا أن نذعن لها بحزم أكثر أو أقل، ويمكننا أن نحاججها بصرامة، بيد أنها تنفلت من فضاء البرهان. وسنكون ملزمين بالقول: يا للحظ السعيد ! لأن إرادة البرهنة علميا على القيم لا يمكن أن تؤدي سوى إلى النزعة الشمولية.
وبالإضافة إلى الفلاسفة، يهتم رجال الأدب منذ مدة بالحجاج. فهؤلاء هم بالفعل من كانوا يتولون في فرنسا مهمة تدريسه في الأسلاك الثانوية. والحق إنها كانت مهمة ثقيلة نتيجة غموض بعض المقررات المدرسية التي تختصر الحجاج في دراسة صور الأسلوب. يُختصر فعل الحجاج في نهاية المطاف، داخل المنظور الأدبي إلى عرض جمالي يحيل إلى جاذبية الجميل، أكثر مما يحيل إلى صرامة البرهان.
وبالنسبة إلى اللسانيين، فقد عملوا على تطوير نظريات عديدة في البعد الحجاجي الموجود في اللغة. ولكن كيفما كانت تساؤلاتهم غنية ومغرية جدا – نفكر بصفة خاصة في التساؤلات التي طرحها جان كلود آنسكومبر Jean- Claude Anscombre وأوسوالد ديكرو[12]Oswald Ducrot فإنها تشكل بشكل عام بحثا في اللغة أكثر منها بحثا في المواقف التواصلية التي يقوم عليها تبادل الرأي. ومع ذلك تعد أعمالهم من هذه الوجهة الأقرب إلى إشكالية علوم التواصل.

































































PDF 2025


