قراءة في كتاب « Psycologie de l’éducation Charles – Marie – Gustave le Bon ” ترجمة طه حسين بعنوان “روح التربية” 5/5

نقف بعد التشخيص الشامل والدقيق لمكامن  الضعف في النظام التعليمي بفرنسا في الكتاب السابق عند  محاولة بعض المصلحين لبناء تصور حول الإصلاحات التي ينبغي أن يخضع لها التعليم الفرنسي إلا أن هذه الأخيرة حسب رأي لو بون لم تتجاوز كونها مجرد اقتراحات بسيطة وسطحية غير ناجعة لإصلاح فعلي من الجذور ..

موضوع الكتاب الرابع ” الإصلاح المقترح والمصلحون” :

يقع هذا الكتاب في ستة فصول،  الأول بعنوان ” المصلحونإصلاح الأساتذةإنقاص ساعات العملالتربية الإنجليزية” .

يصف  لو بون فيه عجز الذين قدموا تشخيصا دقيقا (التحقيق البرلماني )عن أسباب تدني مستوى التعليم الفرنسي في تقديم مقترحات ناجعة لطرق إصلاحه، فيما اكتفى البعض منهم بتقديم نصائح عامة لتجاوز الأزمة لكنها لم ترق للمستوى المطلوب وبقيت غير قابلة للتطبيق الفعلي لما يتطلبه ذلك من تغيير في فكر الأساتذة والتلاميذ بل والأسر..ونذكر من بعضها:

  • إصلاح الأستاذية: باعتماد طريقتين الأولى إلغاء شهادة الأستاذية وربطها بالتعليم العالي، والثانية اختيار الأساتذة بطريقة غير الطريقة المألوفة..
  • إنقاص ساعات العمل..
  • إدخال التربية الإنجليزية ضمن المقررات..

أما في الفصل الثاني الموسوم بعنوان “تغيير البرامج” فقد أقر المترجم عن إعراضه لترجمة هذا الفصل لعلتين:

  • الأولى أنه لا يشتمل على شيءٍ جديد، فكل ما فيه هو ما سبق المؤلف إلى ذكره غير مرة من أن تغيير البرامج لا يفيد إلا إذا تغيرت المناهج..
  • الثانية أنه يشتمل على تفصيلاتٍ لنظام المدارس الفرنسية يصعب فهمها على الشرقيين إلا إذا فُصِّلت لهم تفصيلًا تامٍّا، وذلك شيء يحتاج إلى كتابٍ برمته، على أنه غير نافع ولا مفيد..

وفي الفصل الثالث بعنوان “مسألة اليونانية واللاتينية”  نقل  لو بون وجهة نظره حول مسألة تعليم كل من اللغتين اليونانية واللاتينية في الجامعة، حيث وصف ذلك بأنه أصبح قليل النفع بعدما كان مهما في نظر الجميع؛ لكون التلاميذ يدرسون هاتين اللغتين لمدة طويلة وبمجرد التوقف ينسون كل ما حفظوا.. وبعد تضارب الآراء حول الموضوع تم التوصل إلى التوفيق بين المنفعة وبين آراء هذه الأسر من خلال الاستمرار  في تدريسهما إرضاء للرأي العام مع التقليل في ساعات التدريس..

أما الفصل الرابع بعنوان “مسألة الشهادة الثانوية وشهادة الدراسة”، وقد اقترح إلغاء الشهادة الثانوية وتعويضها بشهادة الدراسة، غير أنه من وجهة لو بون فهذا التغيير كان شكليا؛ حيث تم الاستغناء عن امتحانٍ واحد بامتحانات عدة والنتيجة كانت رسوب عدد كبير من التلاميذ وبالتالي مغادرتهم لمؤسساتهم  .. من جانب آخر سجل لوبون سخط الأساتذة على هذه الشهادة والتي شبهت بورقة اليانصيب غير أن الناس خاصة المنتمون للطبقة الوسطى يجلون  هذه الشهادة ويعتبرونها درجة من درجات الشرف، والحكومة تؤيدها في ذلك فتغلق أبواب المناصب على الذين لا يحصلون عليها وبالتالي انقسمت الآراء حولها..

وفي الفصل الخامس بعنوان “مسألة التعليم الحديث والتعليم العملي” يصف لو بون محاولة   ليون بورجوا ” أحد  وزراء التعليم  من خلال استحداثه نوعًا آخر من التعليم سُمي بالتعليم الحديث إلى جانب التعليم القديم ،حيث  ألغي فيه التعليم اللاتيني واليوناني، ووضع مكانهما تعليم اللغات الحية والتوسع في درس العلوم.. وقد كان الغرض من هذا التعليم إعداد طائفة من الشبان للحياة العملية المنتجة لكن هذه المحاولة فشلت بالإجماع وذلك لأسباب منها:

  • عدم فهم الجامعة لهذا التعليم وبالتالي عجزها عن تدبيره، حيث طبعته بطابعها القديم وسلكت فيه مناهجها القديمة، فأصبح التعليم الحديث تعليمًا قديمًا ممسوخًا تنقصه اللاتينية واليونانية. .
  • محاربة أساتذة التعليم القديم وممانعتهم لتأييده وتثبيته..
  • عدم رغبة الأسر فيه رغم استشعارها بفساد التعليم القديم وحاجته إلى الإصلاح ..


        والخلاصة في نظر لو بون هي أن إصلاح التعليم لا يمكن أن يتحقق بإصدار المراسيم وأوامر الوزراء، إنما ينبغي أن يسبقه تغيير العقائد والآراء، كما  أن تغيير البرامج (البرامج بصفتها أوعية تربوية متضمنة للمحتوى الخاص بالمواد) لا يفيد إذا لم يسبقه تغيير المناهج ( المناهج بوصفها طرقا للتبليغ القائم على خطة تدريسية خاصة بكل مادة، وكذا العمليات الموضوعية لتحقيق الأهداف العامة والخاصة للتربية،وهذه المناهج تشمل المعلومات الثقافية ذات القيمة الموضوعية التي تتعزز بخبرات المتعلمين أنفسهم )، فليس هناك برنامج سيئ إذا حسن الأستاذ، وليس هناك برنامج حسن إذا ساء الأستاذ وجهل عن التربية..

أما فيما يخص التعليم العملي فهو تقريبا موجود بالجامعة فقط ونتائجه غير مجدية، إذ يعتمد على  التعليم النظري والاستظهار وبالتالي له نفس نتيجة التعليم القديم، و قد ساهمت الأسر بدورها في إهمال التعليم العملي نظرا لسيادة فكر مفاده أن الطبقة العالمة أكبر قدرا من الطبقة العاملة مما ساهم في اختيار معظم التلاميذ للتعليم النظري على حساب العملي.. ورغم بعض المحاولات الكثيرة للاصلاح إلا أنها لم تحقق الهدف نظرا لكون المشكل أكثر عمقا ويتطلب إصلاحا في فكر الرأي العام..

وفي الفصل السادس من الكتاب بعنوان ” مسألة التربية” اعتبر لو بون مسألة التربية أجل خطرا من مسألة التعليم، نظرا لكون الأخلاق أشد تأثيرًا في الحياة من العلم، و قد فشلت الجامعة في التربية كما فشلت في التعليم وقد جهل أصحاب التحقيق البرلماني أسباب هذا الفشل فبعضهم عزاه إلى قلة العناية بالتربية البدنية ..

و قدم مسيو بايو Bayol برنامجا إلى المحققين لتعرف
قصر النظر الذي تخضع له الجامعة في أمر التربية مقترحا ما يلي:


–  إنقاص الوقت الذي يمضيه التلاميذ في المدن نقصا شديدا، وإنفاق
التلاميذ لأوقاتهم طوالا في الطبيعة..

– مقاومة العادة الإنجليزية التي تنزل التمرينات البدنية العنيفة منزلة
مبالغا فيها..

– استبدال مناهج التعليم القديمة التي لا تكلف التلاميذ عملا والتي ورثها التعليم الفرنسي
عن اليسوعيين بمناهج أخرى تحمل التلاميذ على أن يعملوا ويفكروا بأنفسهم.

– إشراك أعضاء المدرسة في تقوية الآراء والأصول والعواطف
الخلقية ..

وأخيرا يرى لو بون أن ما تعرفه الجامعة من التربية هو احتفاظ بالنظام الصارم في المدارس الثانوية المعتمد على المراقبة الشديدة السيئة المنتجة لانحرافات من قبيل الخداع والعصيان والأثرة الفردية.. في حين أن التربية السليمة هي التي تراعي نفسية التلاميذ بالدرجة الأولى وتترك لهم هامشا من الحرية يساعدهم على بناء شخصيتهم بطريقة قويمة..

 

فدوى أحماد

 

عن Romaisae

شاهد أيضاً

نزار كنوني يناقش بنجاح أطروحة دكتوراه في العلوم بالمعهد العالي البوليتقني بتولوز.

ناقش الطالب الباحث نزار كنوني،  الأبن البكر للصحافي القدير الأستاذ عزيز كنوني،  بنجاح ،  أطروحة  …

قراءة في كتاب “الرحلة الخاطفة” للأستاذ التهامي الوزاني رحمه الله 2/1

خُصوصية الرّحلَة إن أول ما يُعن لِدارِس للأدب الرّحلي عموما ولـ«الرحلة الخاطفة » للتهامي الوزاني …

عن دور الصفحات والملاحق الثقافية للصحف المغربية نموذج : جريدة “العلم”

كان من كتاب صفحة ” أصوات ”  الذين كانوا يدرسون  في كلية الآداب في ظهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: