12 ـ احتراق
ـــــــــ
سمع صوته وهو يهجس ، في أعماقه التي طالما فاضت آبارها:
ـ فما ذا تُرى، سأصنع بجفاف حلقي وقد حاصرني قيظ شديد، أكثر مما أجترحه حين افتح عينيَّ قبالة ظلمة متاهة بلا حدود.
في مدينة بلا مطر يموت ألف بستان وآلافُ الأطفال ينهارون في أحضان أمهاتهم غرثى يابسين؟
ليس وراء ظلمات هذه الطريق وجه منير كبدر يدلني على حجرة حسنة الإضاءة ، وإن كانت بين أوراق ، يرهق عبؤها عضدي،
وأنا في الرياح منثوراُ على سبل شتى كأوراق خريف منذ سالف العصور،
دائما كان الخريف مثلي يشتت أوراقه ، وأنا كنت أنثرها في أي خمّارةٍ أصادفها ،وإن لم أجد لديها كرسياً كنت أكتفي بالوقوف لأنهل بكلتا يديَّ من ألف نبعٍ كان يضاحكني ، وأنا أرى إلى وجهي يتشظى في مرآة تنكرني. ليست كمرايا ايام يفاعتي في فضاءاتٍ صحبتُ فيها ألواناً وأصواتاً وأضواءً، ولبستُ أثواب زهو لم أكن أعرف أنني قد أُجَرَّدُ منها بعد حين.
كنت أجلس فيها إلى أوراقي فأسمعها فتسيل عيني ، أوراقٍ كان الناس في الأسواق يتقاتلون للحصول على أقل أنصبتها، وقد كانت تتجمع بين يدي بأعدادٍ كنت أسيء تقديرها، اليوم أنا من فقدت أوراقي أمام مرايا كثيراً ما راقصتني ، وحينما التقيتُ بها بعد كل ذلك، هاهي ذي تنكرني ، كأني لم أتغط على أسرَّتها بأجمل ما يفترشُ منها، في مدن لم تشكُ يوماً من جفاف ، ولا من تعثر خطى انسابت بها في كل اتجاه، أو قصور أجنحة طارت عليها إلى حيث تشاء، لم تعد لي اليوم من كل ذلك إلا صورٌ ممَزَّقةٌ ، وعيْنٌ إن استطاعت العودة بي إلى شوارع نِعَمٍ كانت تمتد أمامي فإنها لا تفتح في وجهي ما أطلب أن أصل إليه من متع على أية مائدة أو فوق أي سرير،
شوارعي الآن أظلمت،
و أضوائي أطفئتْ،
وألواني ذبُلتْ،
وأصواتي أُصيبتْ بخرس مميت، فَحُرِمَتْ أسماعي من همس أي موسيقى تُعيدُ نسغ الحياة في أعماقي .
يا نسغ، أنتَ لو نبضتْ بك أعراقي نجوْتُ
واستطعتُ انتظار تدفق ضوءٍ جديد
معه سأُرْوَى منتصراً على كل ما يهدد حلقي بوهيجي حطباً ، تحتَ أيِّ وقود.
أحمد بنميمون









































































PDF 2025


