كتابات في تاريخ منطقة الشمال: قلق اللحظة وسؤال المآل في نص “وقت مستقطع”

شرفني الصديق العزيز الأستاذ محمد البشير المسري بمنحي متعة الغوص في عوالمه الإبداعية الحميمية، عبر وضع مقدمة لنصه الروائي الصادر مؤخرا (2021) تحت عنوان “وقت مستقطع”. لقد شكلت هذه المناسبة، فرصة للاقتراب من عوالم الخلق والإبداع لدى المبدع المسري، الأمر الذي أعتبره قراءة واستكشاف جديدين للعوالم المخصوصة لهذا المبدع المتميز. يقول التقديم:

  لا يمكن اعتبار الحديث عن جائحة كوفيد 19 التي ضربت العالم خلال سنتي 2020 و2021 مجرد نزوة  تحركها حالة الهلع المعمم التي استشرت في كل جهات المعمور من جراء ارتفاع حجم الضحايا، ومن جراء عجز الإنسان عن استيعاب ما يقع، وكذا من جراء عجز العلم الحديث عن ابتكار الإكسير الملائم. لقد تعطلت آلة الزمن بعد أن طالها الصدأ، وبعد أن أُفرغت اليقينيات من سلطها المطلقة، وبعد أن  نجحت في تعميم حالة الخوف المزمن من كل شيء ومن أي شيء وفي سبيل أي شيء. ونتيجة لذلك، وقف المتتبع حائرا من دهشة اللحظة، وغير قادر على استيعاب الصدمة ولا على تفسير ارتداداتها واستشراف مآلاتها.

أصابت الجائحة ضمير البشرية في الصميم، وجعلت العالم يفقد ثقته في المطلقات لينتقل إلى عصر اللايقين، حيث الموت وحيث التواري وحيث التشظي والاندثار. أمام هذا العجز القاتل عن فهم حقيقة ما جرى/ وما يجري، لم يعد للمتتبع من ملاذ إلا الاستنجاد بملكة الخيال وبفعل التخييل وبرحابة الحلم، من أجل تأسيس العوالم المنشودة، حيث تنهض البدائل، وحيث يبزغ الفجر، وحيث ينبثق الأمل في الغد المشتهى. وبهذه الصفة، أضحى المبدع “موثقا” للحظة، وراصدا لتفاصيلها وملتقطا لجزئياتها. وبهذا المنحى، بدأت الساحة الثقافية تفرز اجتهادات مؤسسة داخل دهاليز “أدب كورونا” أو “أدب أزمة كورونا”، ليس من زاوية التوثيق الحدثي للوقائع، ولكن –أساسا- على مستوى النزوع الواضح نحو أنسنة الموضوع ونحو التأصيل لشروط التعامل الواعي مع تركته الرمزية والمادية المباشرة والمؤثرة في وقع الحياة الفردية والجماعية.

في هذا السياق، يندرج اشتغال المبدع الأستاذ البشير المسري على نصه الروائي “وقت مستقطع”، في محاولة للقبض بتفاصيل اللحظة التي شكلت ثغرة فراغ رهيب في زماننا الراهن. لقد قيل الشيء الكثير عن هذا الوباء اللعين، وأنجزت حوله دراسات وبرامج ولقاءات وإصدارات، ومع ذلك، ظل صوت المبدع صادحا، عميقا، متأملا، ملتفتا للتفاصيل المنسية في نظم الحياة المعيشية وأنساق التفكير الجماعية. وبفضل هذه العين الراصدة، استطاع المبدع البشير المسري تخليد الحدث وأنسنة أبعاده، وإضفاء قيم كونية على انكساراته وآلامه، وعلى انتظاراته وأحلامه. فكانت النتيجة، بلورة نص روائي أعاد استحضار دلالات الوباء، ليستنطق مضامين هذه الدلالات حسب ما تقدمه التمثلات الجماعية للوسط المحلي للمؤلف بمدينة طنجة وبعموم منطقة الشمال.

لا يتعلق الأمر بتسجيل خطي لتفاصيل حياة فردية، بقدر ما أنها تدوين عميق لمسار جماعي ولعطاء ذاكرة محلية أنتجتها مدينة طنجة في خضم تداعيات وباء كورونا، ومن خلال السير الفردية لأبطال الرواية وعلى رأسهم عمر الغربي، المعلم المتقاعد والإنسان العفيف والنزيه، ثم زوجنه فاطمة بملامح انتمائها الغماري الأصيل بقلب أصقاع منطقة جبالة، ثم الأبناء نادية وأحمد وغزلان ورؤى ووفاء وسعد. وداخل عوالم كل واحد من هذه الشخصيات، تتقاطع مواقف على مواقف، وسجالات على سجالات، ومعاناة على معاناة، لتفرز نصا تخييليا شيقا، لا شك وأنه يقدم قيمة مضافة لرصيد كاتبه، الأستاذ البشير المسري المربي والكاتب والصحافي والأديب.

لقد أصر الأستاذ المسري على الانتقال من حالات القلق الفردي إلى رصد الامتدادات المكانية داخل مكونات الفضاء العام، حيث كان إصراره واضحا على إدراج هذه المكونات داخل بنية السرد، لتتحول إلى عنصر سارد للمتن، وصانع لدوائر جمال الاستعارات والمعاني، وكمحتضن لمختلف التمثلات التي حملها الناس عن كارثة كورونا، الأمر الذي يمكن الوقوف عند تفاصيله بتتبع أشكال حضور مراكز منطقة الشمال مثل طنجة وتطوان وواد لاو ومرتيل والحسيمة والناظور وكابونيكرو وقرية سطيحة وغمارة، إلى جانب تكثيف توظيف فضاءات طنجة المخصوصة والحميمية مثل أحياء بن ديبان وسوق كاساباراطا وسوق بئر الشعيري والمنطقة الصناعية اجزناية وحي الدريسية وسجن سات فيلاج…

وفي نوع من النوسطالجيا المتأملة في أشكال تردي واقع مدينة طنجة، كان لابد للمؤلف من امتلاك جرأة إجراء المقارنات الضرورية بين “الذي كان” وبين ما “أصبح عليه الحال”. إنه صوت ضمير الانتماء، وعنوان الوفاء للهوية الثقافية لأجيال طنجة التي صنعت البهاء في السابق، وأضحت –اليوم- تندب حظ المآل. في هذا السياق، يقول المؤلف ملخصا أبعاد هذه الحالة الإنسانية الحادة: “وقتها كانت “عروس الشمال” مازالت ترفل في ثياب زفافها، ولم تكن قد ارتقت بعد إلى الأسفل، وكبرت لتصبح “طنجة الكبرى”…”.

هي “طنجة الكبرى” كما عاشها البشير المسري، و”طنجة الكبرى” كما عاشت ظروف الحجر والقلق والخوف والأمل الذي قد يأتي أو لا يأتي. وفي سياق تدفق هذا المجرى الهائل لتدافع كل الكم الهائل من المعلومات الخاصة بالوباء، أمكن كتابة تاريخ مواز، تاريخ لم يكتبه المؤرخ، ولا دونه الإعلامي، تاريخ يستلهمه المبدع قبل أن يحوله إلى منجم لا ينضب لإنتاج القيم والرموز المجاورة لعملية تفكيك مجمل الأحداث التي عاشها المؤلف، كمبدع وكسارد، في سياق تداعيات جائحة كوفيد 19، بانعكاساتها الصحية والمادية والنفسية والاجتماعية المعقدة والمتداخلة.

يحفل نص “وقت مستقطع” بغنى استثنائي على مستوى رصد الأحداث والتطورات. وفي المقابل، يقدم فسحة للمبدع لممارسة غوايته المجنونة في الخلق  وفي التخييل وفي التشريح. وفي هذا الجانب بالذات، تكمن متعة العودة المتجددة لقراءة هذا النص، فأحداثه لا تتقادم، وقيمه لا تتوارى، وانتظاراته لا تتأجل. إنه نص انسيابي، بلغة شفيفة تمتلك قدرة هائلة على الوصف وعلى الغوص في أعماق النفس البشرية قصد استخلاص القيم الأصيلة التي بها نحيا وإليها نؤول. ولعل هذا ما جعل المبدع البشير المسري يرفع من سقف استثمار جمله الوصفية القصيرة الدالة، ليبلور خلاصاته المركزية التي تتنبأ بزوال الغمة وبانبلاج الفجر المنتظر. يقول الأستاذ المسري: “هو صباح ليس كغيره من الصباحات. الشمس غمرت بيت الأستاذ عمر وحرمه من أقصاه إلى أدناه، والفرحة الموعودة انتشرت بين أفراده الصغار منهم قبل الكبار. لقد تأخرت عن موعدها، لكنها جاءت: زال الحجر الصحي ومعه حالة الطوارئ إلى غير رجعة…”.

سيكون علينا إعادة قراءة هذا النص المثير بشكل متواصل، فكثافة استعاراته تظل من الخصوبة بشكل تجعل منه “وثيقة” تخييلية تؤرخ لالتباسات واقع عنيد، نجح المبدع البشير المسري في إضفاء عليه قيم الإبداع ولذة الاستذكار ومتعة التأمل، بالنسبة لذاته الفردية أولا، ثم بالنسبة للانتماء المحلي الجماعي الغني والمتنوع ثانيا.

 

أسامة الزكاري

عن Romaisae

شاهد أيضاً

التناص مجالات وتطبيقات

– في العالم العربي: ا- في الجزائر؛ الأستاذ إبراهيم رماني: لا شك أن هناك عددا …

البلاغة القانونية والقضائية ترجمة: محمد مشبال وعبدالواحد التهامي العلمي

نشأت البلاغة في خضم المحاكمات قيد التداول، ولكل مقام مقال: إذ سيخصص هذا الفصل للبلاغة …

المسرح الاستعراضي بشفشاون: مع الأستاذ أحمد قصري 2‪/‬2

واختيار المخرج لأحمد قصري منشداً، يعود ـ حسب هذا الأخير ـ إلى إعجاب المخرج بصوته، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: