كتابات في تاريخ منطقة الشمال: “مجلة دار النيابة” (8)

صدر العدد الثامن من “مجلة دار النيابة” سنة 1985 في ما مجموعه 96 من الصفحات ذات الحجم العريض، توزعت بين ثلاثة أقسام مختلفة في لغاتها ومتكاملة في اهتماماتها. وبهذا العدد، كانت المجلة قد أكملت سنتها الثانية، في مسيرة علمية رائدة أعادت الاعتبار للكثير من قضايا التاريخ الطويل لمنطقة الشمال، ومساهمة في تسليط الضوء على الجوانب الخفية التي تحكمت في الأنساق العامة للنظم المعيشية لدى ساكنة المنطقة، سواء في مستوياتها الداخلية الجزئية أم في تقاطعاتها الخارجية مع المحيط الإقليمي والوطني والدولي. وقد استندت المجلة في ذلك على الوفاء لقيم البحث العلمي الرصين القائم على استنطاق ذخائر التراث الوثائقي الدفين والمحفوظ داخل المغرب وخارجه، سلاحها في ذلك نبش عميق في هذه المظان، وتدقيق صارم في المضامين، وحس نقدي تاريخي ثاقب شكل ملامح مدرسة تاريخية وطنية قائمة الذات. لذلك، فقد تعاقبت على الكتابة على صفحات هذا المنبر المتخصص أبرز الأسماء التي طبعت حقل الكتابة التاريخية المغربية لمرحلة العقود الأخيرة للقرن 20، من أمثال جرمان عياش، وإبراهيم بوطالب، ومحمد المنوني، ومحمد حجي، ومحمد الأمين البزاز، وعبد العزيز خلوق التمسماني، وعبد الله كنون،… وتحولت المجلة إلى منتدى مفتوح لتلاقح التجارب، ولإغناء التراكمات التنقيبية، ولصقل الاجتهادات النظرية والمنهجية، وللتعريف بالذخائر وبالمظان الدفينة أو المجهولة. ولعل أهم ما يقيم الدليل على هذه المصداقية العلمية الأكيدة، تحول مواد “مجلة دار النيابة” إلى تراث مرجعي ومصدري أساسي في كل محاولات إعادة قراءة تاريخ منطقة الشمال خلال العهود التاريخية الماضية. كما أن غيابها الاضطراري عند مطلع تسعينيات القرن الماضي، قد خلف فراغا ثقافيا ومعرفيا رهيبا عجزت الفعاليات المحلية والهيآت المختصة بمدينة طنجة عن سده حتى يومنا هذا.

تتوزع مضامين العدد الثامن من المجلة المذكورة بين ثلاثة أبواب مختلفة في طبيعتها، إذ تراوحت بين المقالات النظرية والدراسات القطاعية والتنقيبات الوثائقية. ففي باب “نصوص تاريخية”، أدرجت المجلة المجموعة الثانية من مراسلات العلامة عبد الله كنون مع قادة الحركة الوطنية، ونخص بالذكر المراسلات الموجهة إلى محمد بن حسن الوزاني ومحمد داود والطيب بنونة وعبد السلام بنونة و”جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بفرنسا” و”طلبة شمال إفريقيا بمصر”. وفي نفس الباب كذلك، نشر المرحوم محمد المنوني ستة عشر وثيقة عن استشارة السلطان الحسن الأول لنخب من مدينة فاس وما إليها في إحدى النوازل الاقتصادية. أما محمد حجي، فقد اهتم بالكشف عن وثيقة مغربية جديدة حول زيارة إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني لطنجة سنة 1905، في حين قدم عبد الغني سكيرج تعريفا عاما بمذكرة الزبير سكيرج (1850-1932) اعتبرت كوثيقة جديدة حول البعثات الطلابية إلى أوربا خلال عهد السلطان الحسن الأول. وفي آخر مواد هذا الباب، توقف المريني العياشي للتعريف ببعض وثائق العلامة أحمد الحراق باعتباره أحد أبرز أعلام منطقة جبالة.

وفي باب “دراسات وأبحاث”، قدم مصطفى بوشعراء الحلقة الثانية من التحقيق والتعريب الذي أنجزه لكتاب “محمد الخامس: عرش وثلاث جمهوريات” لصاحبه جان ماري لاكوتور. وفي نفس السياق كذلك، نشر محمد الأمين البزاز وعبد العزيز التمسماني خلوق حلقة جديدة من ترجمتهما للدراسة التي أنجزها الباحث كركوري لازارف تحت عنوان “الإقطاعات العقارية في المغرب: مساهمة في دراسة تكوين الممتلكات العقارية في البوادي المغربية”. وفي نفس الباب كذلك، احتوت المجلة على دراسة لرامون لوريدو دياز (بالإسبانية) حول علاقة الأب لورشندي بحركة الإصلاحات التي عرفها المغرب خلال القرن 19، إلى جانب دراسة لجاك كاني (بالفرنسية) سعى فيها للكشف عن سيرة مولاي محمد المامون ابن عم الشيخ ماء العينين باعتباره أحد أبرز أعلام المقاومة الوطنية ضد التسرب الاستعماري الأوربي عند بداية القرن 20.

وفي باب “قضية ووثائق”، عاد محمد الأمين البزاز للنبش في الظروف العامة التي كانت تؤطر رحلات الحج المغربي إلى الديار المقدسة خلال فترة القرن 19 ومطلع القرن 20، وذلك من خلال الوقوف عند أشكال المخالفات المسجلة حول القوانين الصحية المعمول بها آنذاك، ثم عند حقيقة خلفيات مواقف “المجلس الصحي” من هذه المخالفات، والتي أدت سنة 1895 إلى تسرب وباء الكوليرا إلى المغرب عبر بوابة مدينة طنجة.

وبهذه المواد المتنوعة، تكون “مجلة دار النيابة” قد عززت رصيدها العلمي المتميز، بشكل ساهم في ترسيخ الرؤى والمنطلقات العامة التي كانت من وراء إطلاق هذا المشروع الرائد عند بداية سنة 1984. والحقيقة، إن العدد الثامن قد اكتسب كل مواصفات الجدة الضرورية للحكم على أصالة الإضافات النوعية الهامة التي أضفاها هذا العمل على مجالات البحث الأكاديمي الرفيع، سواء بالنسبة للدراسات المتخصصة في تاريخ منطقة الشمال أم بالنسبة للمواد التي غطت قضايا محددة ذات الصلة بأوضاع عموم البلاد.

أسامة الزكاري

عن Romaisae

شاهد أيضاً

“التوسع البرتغالي في المغرب”

حظيت ظاهرة الغزو الإيبيري التي ضربت بلادنا خلال مطلع العصور الحديثة باهتمام متزايد لدى قطاعات …

عودة مفقود اختفى منذ عقود: «دليل الحج والسياحة»

ذكريات شامية وتنويه بالانتداب ولا تخلو رحلة الهواري إلى الشام، وهوفي طريق العودة إلى المغرب، …

“الحركة العلمية والثقافية بتطوان من الحماية إلى الاستقلال”

صدر كتاب “الحركة العلمية والثقافية بتطوان من الحماية إلى الاستقلال (1912-1956)” لمؤلفه الأستاذ إدريس خليفة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: