لمن نكتب؟ الرفوف الافتراضية

لمن نكتب رواية أوقصيدة؟ نكتبها لأناس سبق لهم قراءة روايات أخرى أو قصائد أخرى. نكتب كتابا حتى يكون قادرا على وضع نفسه جنب كتب أخرى لأجل أن يدخل في رف مفترض. وهو حين يدخل رف المكتبة، يعمل بطريقة أخرى على تغيير كتاب آخر من مكانه؛ فيعمل على إزاحة مجلدات أخرى من مكانها، أويعمل على قهقرة درجتها لتحتل الصف الثاني، فتؤدي إلى تقدم بعض الكتب إلى الصف الأول.

ماذا يفعل الكتبي الذي “يحسن البيع” إنه يقول:”هل قرأت هذا الكتاب؟ طيب، عليك –إذن- أن تقتني هذا أيضا.” إن الإشارة الخيالية أو اللاواعية للكاتب نحو قارئ غير مرئي لا تختلف ألبتة عن إشارة الكتبي. وعلى العكس من ذلك ، لا يكون بإمكان الكاتب أن يعرض نفسه لأجل تحقيق هدف واحد هو إرضاء القارئ. (وفضلا عن ذلك، يتوجب على الكتبي الحاذق نفسه أن يبحث قليلا فيما وراء هذا الأمرلأجل كسب القارئ وإغرائه بالقراءة). يلزم المؤلف أن يفترض مسبقا قارئا لم يوجد بعد، أو يفترض وقوع تغيير في القارئ كما هو حاله اليوم. وهذا ما لم يحصل دائما في كل العصور وفي كل المجتمعات حينما تأسست من قبل القوانين الجمالية، وطرق تأويل العالم وتفسيره، ودرجات القيم الأخلاقية والاجتماعية، حينها يستطيع الأدب أن يخلد نفسه ببساطة، عن طريق التأكيد، والاكتشاف، والعمق.

تهمنا إمكانية أخرى للأدب، تلك التي تخص إشراك سلم القيم برموز المعاني القائمة. إن عمل المؤلف الذي يعد أكثر أهمية من الرف المثالي الذي يريد المؤلف أن يحل محله، هو رف ما زال غير محتمل، يحمل كتبا لم نتعود بعد على وضعها واحدا جنب آخر بحيث تنتج عن هذا التجميع تفريغات كهربائية، ودارة كهربائية قصيرة. وجوابي الأول هذا، يتطلب الآن تصحيحا: تبدأ الوضعية الأدبية بوصفها ذات أهمية حين نكتب روايات لأشخاص ليسوا قراء للروايات فقط . ونحن نشتغل بالأدب، يكون تفكيرنا منصبا على رف كتب ليست كلها كتبا أدبية.

سنتناول مثالين أو ثلاثة أمثلة من تجربتنا الإيطالية: فخلال السنوات المتراوحة ما بين 1945/1950، حين ابتغت الروايات أن تدخل أساسا في رف سياسي، أو في رف تاريخي-سياسي، وتتوجه نحو قارئ يكون مبدئيا مهتما بالثقافة السياسية، ومهتما بالتاريخ المعاصر، لكن الأمر يبدو مستعجلا في إرضاء طلب أو(عوز) أدبي أيضا. إن عملية تنطلق من هذه الأسس، يكون مصيرها الفشل منذ البداية لأن الثقافة السياسية لم تكن شيئا ممنوحا بحيث يكون الأدب ملزما أن يلصق أو يكيف قيمه الخاصة به بقيم الثقافة السياسية. ( ينظر إليها أيضا، ما عدا في حالات نادرة، بوصفها قيما مؤسسة “كلاسية”. والحق أن الأدب كان باستمرار شيئا ننجزه .والأحسن من ذلك أنه ذلك الشيء الذي يتطلب أن يتأسس باستمرار، ويختصم عن طريق المواجهة مع العمل كله الذي يكون ما تبقى من الثقافة بصدد إنجازه، وانها نفسها تعيد ذلك الاختصام.

خلال الخمسينيات والستينيات (1950/1960 )، تمت محاولة إلصاق على رف القارئ الافتراضي نفسه ما كان يعد سابقا إشكالية للسقوط الأدبي الأروبي فيما بين الحربين العالميتين بالمعنى “الأخلاقي والمدني” للتاريخية في إيطاليا. ولقد تجاوبت هذه العملية بشكل لا بأس به مع وضعية القارئ الإيطالي المتوسط ( تبني عادات بورجوازية خجولة من قبل المثقف، ووضع إشكاليات خجولة للبرجوازي.) ولكن هذه العملية كانت تنطوي على مغالطة تاريخية منذ البداية على مستوى واسع جدا، ولم تكن لها قيمة إلا في حدود الدائرة المفروضة على ثقافتنا من قبل السيطرة والإقصاء بمختلف أنواعهما. وخلاصة القول، إن مكتبة المثقف الإيطالي المتوسط، على الرغم من توسيعها المتوالي، لم يكن باستطاعتها أن تفسر أي شيء لما يجري آنئذ في العالم، ولما يجري في بلدنا. ولم يكن ممكنا تجنب توسيعها وانفجارها.

وهذا ما حدث في الستينيات. وعلى هذا النحو ،استطاعت غزارة المعلومات أن تمتع أولئك الذين تابعوا دراستهم في السنوات السابقة، وأن تكون أكبر بكثير للغاية مما كانت عليه في إيطاليا سابقا في مجريات أحداث الحرب العالمية أو بعدها؛ وفي الوقت الراهن، لم تكن نقطة الانطلاق في التمسك بالتقاليد، ولكن في التمسك بالقضايا المفتوحة؛ ولم تكن المحاسبة هي الإطار المرجعي لما نقدمه مع نظام جرب سابقا،ولكن في وضع السؤال على المستوى الدولي (فالأقوال التي بمقتضاها، نقوم بها جيدا، على الرغم من كونها ذات أسس، تكون عديمة الفائدة عندما تصبح دلائل على المعنى المضاد.)

في الحقل الأدبي اليوم، يقيم الكاتب وزنا لمكتبة تكون الرفوف الأولى فيها محتلة من قبل المواد التي تكون قادرة على كشف الفعل الأدبي في عناصره الأولية وفي محفزاته (اللسانية، ونظريةالمعلومة، والفلسفة التحليلية، وعلم الاجتماع، والأنتربولوجيا، وتجديد التعامل مع التحليل النفسي والماركسية.) في هذه المكتبة متعددة التخصصات، يكون سعينا أقل في إضافة جناح أدبي بدل الاعتراض على مكان هذا الجناح لأن الأدب يعيش في يومنا هذا خاصة من عدميته. ولأول وهلة، يصبح الجواب عن السؤال المطروح في بداية هذا النص : نكتب الروايات لقارئ يكون قد استوعب في النهاية أنه أصبح ملزما ألا يقرأ أي رواية.

ولا يكمن ضعف هذه الوضعية –كما يقول كثيرون – في التأثيرات الأدبية الزائدة المؤسسة لها، ولكن على العكس من ذلك، في الفعل، أن المكتبة الخاصة بالأدب والتي سبق للمؤلفين الجدد افتراضها تبقى محدودة جدا. وتعد ضدية الأدب شغفا أدبيا محصورا عليه ليكون في مستوى الحاجيات الثقافية الحالية. إن القارئ الذي يجب علينا أن نتوقعه لكتبنا ستكون له متطلبات إيبيستيمولوجية، ودلالية، وتطبيقية على المناهج، ويريد باستمرار المواجهة حتى على المستوى الأدبي الذي يجد فيه أمثلة السيرورة الرمزية، والذي يبحث داخله عن تراكيب لنماذج منطقية مثل ( أنا أتكلم أيضابصفة خاصةعن القارئ السياسي.)

وهنا، لا أستطيع ألبتة تجنب مشكلتين موجودتين في قلب هذا البحث. المشكلة الأولى: إن افتراض قارئ غزير الثقافة، أليس هو أن نقوم بتجريد قضية مستعجلة، تلك التي ستحل مشكلة اللامساواة الثقافية؟ وفي أيامنا هذه، توضع هذه القضية بطريقة درامية سواء في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، أو المجتمعات المستعمرة سابقا، أو شبه المستعمرة، أو في المجتمعات الاشتراكية حيث تكاد اللامساواة الثقافية أن تؤبد الفروق الطبقية التي نبعت منها. هذه هي العقدة التي تصطدم التربية بها الآن، في العالم بأسره، كما تصطدم بها السياسة مباشرة.

إن مشاركة الأدب لا تستطيع أن تكون إلا بصفة غير مباشرة، عندما يرفض، مثلا، بشكل تقريري كل حل أبوي؛ إننا حين نفترض مسبقا قارئا أقل ثقافة من الكاتب، ونتبنى تجاهه موقفا تربويا، ومبسطا، وحاسما، نكون بذلك قد عملنا على تأكيد عدم المساواة. وإن أي محاولة نقوم بها للتخفيف من حدة الوضع بلجوئنا إلى الأدب”الشعبي” تكون خطوة إلى الوراء وليست خطوة إلى الأمام. يلزم الأدب ألا يكون مدرسيا، بل يلزمه أن يفترض جمهورا ذا ثقافة عالية، وأكثر بكثير مما هي عليه ثقافة الكاتب

ولا يهم أن يوجد هذا الجمهور أو لا يوجد. إن الكاتب يتحدث إلى قارئ يعرف أكثر مما يعرفه، ينحت لشخصه ذاتا تعرف أكثر مما يعرفه هو نفسه ليتحدث إلى شخص له أيضا اطلاع كبير على الأدب. إن الأدب لم يعد باستطاعته إلا أن يلعب على تفوقه والرفع من مستواه، ودفع الناس إلى حبه والتعلق به،وإطلاق الرهان عليه،واتباع منطق الحالة التي تزداد تفاقما بالضرورة،ولأجل ذلك،على المجتمع برمته ان يعود للبحث عن الحل المناسب.(مجتمع يكون الكاتب فيه طبعا جزءا منه،مع كل المسؤوليات التي يتحملها،ومن ضمنها تلك التي تكون مضادة للمنطق الداخلي لمهمته.وبالتأكيد، عندما نسلك هذا السبيل،يلزم الأدب أن يكون واعيا بالأخطار التي تحيطبه،ومن بينها الخطر المتمثل في أن الثورة لأجل أن تخلق برنامج انطلاق متساو،تضع الأدب خارج القانون(مع الفلسفة،والعلوم الحقة،الخ…) وهذا حل وهمي قاتل لذاته بكيفية كارثية،حل يتوفرعلى منطق خاص به، وسيعود للظهور،إذن، وباستمرارفي هذا القرن والقرون الموالية،على الأقل ما لم نتمكن من إيجاد أحسن الحلول وأبسطها.

المشكل الثاني (وسأتلفظه بكلمات أساس): فبالنظر إلى تقسيم العالم إلى معسكر الرأسمال والبروليتاريا،ومعسكر الإمبريالية والثورة، يحق لنا طرح السؤال الآتي:لمن يكتب الكاتب؟ ويكون الجواب عنه:يكتب لهؤلاء واولائك.إن أي كتاب كيفما كان نوعه ،وليس له انتماء إلى الحقل الأدبي فقط، حتى ولو كان موجها إلى شخص بعينه،فهو يقرأ من قبل المرسل إليهم كما يقرأ من قبل خصومهم.ولا يقال إن هؤلاء الأخيرين لا يتعلمون منها أكثر مما يتعلم المرسل إليهم.(وهذا يمكن أن يساوي أيضاعند الاقتضاء بالنسبة إلى الكتب التعليمية الثورية،رأسمال لكتب حرب العصابات.) وفيما يخص الأدب، يكون السبيل الذي تتبناه البرجوازية وتلغي به في زمن وجيز جدا عملا أدبيا “ثوريا”،موضوعا ناقشه الباحثون الإيطاليون اليساريون عدة مرات خلال السنوات الأخيرة،استنتجوا إثرها خلاصات متشائمة يصعب رفضها.في البداية،يلزم الأدب أن يعترف أن ثقله السياسي متواضع؛ فالصراع يتقدم حسب الخطوط الاستراتيجية والتعبوية العامة، وعلاقات القوة القائمة.في مثل هذه الحالة،لايكون الكتاب إلا كحبة رمل،وبصفة خاصة حين يتعلق الأمر بالكتاب الأدبي.إن تأثير العمل العظيم (العلمي أوالأدبي) الذي يحدثه في الصراع العام القائم هو أن يحمل هذا الأخير إلىأعلى درجات الوعي،وأن يعمل على مضاعفة وسائل المعرفة،والتنبؤات،وتنمية الخيال،وتدريب الذهن على التركيز،الخ…إن هذا المستوىالجديد باستطاعته أن يكون في صالح الثورة أو التفاعل والآستجابة:كل ذلك يرجع إلى الطريقة التي تعرف الثورة أن تتحرك بها،وإلى الطريقة التي يريد الآخرون أن يتحركوا بها.وهذا لا يعود إلى توجهات المؤلف إلا في حدود ضيقة.

إن الكتاب( أو الاكتشاف العلمي ) لكاتب ثوري بإمكانه أن يكون حاسما في تقدم الثورة،ولكن الظاهرة المضادة بإمكانها هي كذلك أن تفحص مادام الكتاب في حد ذاته يسعى إلى أن يكون ثوريا،وحتى وإن ابتغى ذلك،لايصبح ثوريا إلا بالممارسة والفعل،وغالبا ما تأتي تأثيراته متأخرة وتكون انعكاساته غير مباشرة.إن العنصر الحاسم الذي يتيح تقويم مؤلف بالنسبة إلى الصراع هو إذن المستوى الذي يتموضع فيه،بخطوة إلى الأمام يقوم بإنجازها خدمة للوعي؛فيما يكون الانتماء إلى هذا المعسكر أو ذاك،مع التحفيز أو الغاية،عناصر تستطيع أن تمتلك غرضا”وراثيا” أو عاطفيا،يخص المؤلف أساسا،ولكن بتأثير ضعيف في سياق الصراع.نستطيع أن نجد دائما في مؤلف إهداء بينا أو مضمرا.فالكاتب الذي يحكم على نفسه بالصراع يكون طبعا محمولا على أن يتوجه إلى رفاقه في الكفاح. ولكن يلزمه قبل كل شيء أن يتذكر السياق العام الذي يتموضع فيه المؤلف. ويلزمه أن يكون واعيا أن جبهة القتال،وأن الحرب تنتقل إلى داخل مؤلفه،وأن الأمر يتعلق بجبهة قتالية في حركة دائمة،وبدون توقف، يتنقل بالرايات التي نعتقد بالتأكيد أنها مغروسة في الأرض، حيث لا توجد حدود آمنة: وبهذا يكون المؤلف نفسه ميدانا للصراع؛ ويلزمه أن يكون كذلك.

ترجمة: عبدالواحد التهامي العلمي

عن Romaisae

شاهد أيضاً

التناص مجالات وتطبيقات

– في العالم العربي: ا- في الجزائر؛ الأستاذ إبراهيم رماني: لا شك أن هناك عددا …

البلاغة القانونية والقضائية ترجمة: محمد مشبال وعبدالواحد التهامي العلمي

نشأت البلاغة في خضم المحاكمات قيد التداول، ولكل مقام مقال: إذ سيخصص هذا الفصل للبلاغة …

المسرح الاستعراضي بشفشاون: مع الأستاذ أحمد قصري 2‪/‬2

واختيار المخرج لأحمد قصري منشداً، يعود ـ حسب هذا الأخير ـ إلى إعجاب المخرج بصوته، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: