محمد شكري.. الشحرور الأبيض قارئاً معاصريه

يومَ 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003، وُوري في تَلة تُطلّ على زرقة المَضيق بطنجة جثمانُ محمد شكري، الذي تحلّ اليوم الذكرى الثامنة عشرة لرحيله (15 تمّوز/ يوليو 1935 في قرية بني شيكر ـ 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003 في الرباط). اشتُهِر الكاتب المغربي باجتراحه الكتابة والقراءة في مُستهلّ العشرين من عمره، وبلفته الانتباه إلى الأدب المغربي المكتوب بالعربية، وتبوّئه مقعداً مُحترماً ضمن الأدب العالمي، لا يُضاهيه فيه من العالم العربي سوى قلة قليلة من الكتّاب. ولعلّ في الاستدلال بترجمة عمله “الخبز الحافي” إلى أكثر من 50 لغة ما يُعضِّد هذا الرأي.

محمد شكري أمازيغيٌّ ريفيّ، اضطرَّت المجاعةُ عائلتَه إلى الهجرة من البادية للاستقرار في تطوان، التي فرَّ منها إلى طنجة، بعدما عايَن العنف الذي مارسه على أُسرته أبوه المدمن على السُّكْر، وليكون فيها شاهداً مجدَّداً على العنف في حقِّ الصِّغار، الذي وقع هو نفسُه ضحِيَّتَه، وقد حكى ذلك في سيرته التَّخيِيلية الذاتية، “الخبز الحافي”، وفي بعض اللقاءات مع الصحافة الأجنبية بالخصوص.

عُرِفت عن محمد شكري عصاميّتُه؛ فبإرادة وإصرار فولاذيَيْن تمكَّن من تعلُّم اللغة العربية الفُصحى، في بداية العَقد الثاني من عمره، ناهيك عن عدد من اللغات الأجنبية التي أدْركَها، خصوصاً الفرنسية والإسبانية والإنكليزية، والتي كانت تُتداول في طنجة الخاضعة وقتَها للنظام الدّولي، دون باقي الوطن المغربي.

لقد جعلت هذه الظروف الفريدة من شكري استثناءً ضمن تاريخ الكتابة العالمي، لكنّها لم تشفع له لِتَقيه التعرُّض لأصناف من الانتقاد، الذي أغفل قيمتَه الإبداعية، وركّز على الجانب الأخلاقي في كتابته وفي سلوكه أحياناً، وهو ما يُؤاخَذ على كثيرٍ من أصدقائه الكُتّاب والنُّقاد، وغيرهم الذين يستحضرونَه في لقاءات، أو يُحْيون ذكرى رحيله، بالخوض في نوادره وحكاياته معهم، ويَغفلون عن إبراز الأصالة الإبداعية في مُنجَزه الأدبي المتفرِّد، وتلك، في رأيي، هي الميزة التي حوَّلتْه إلى مثقّف ومُبدع مختلف عن الآخَرين.

في الواقع، لا أحد يُمكنُه أن يرتاب في قيمة وأهمية محمد شكري ضمن المشهد الإبداعي المغربي والعربي، لأن هناك من النقّاد مَن عُني بذلك مِثل يحيى بن الوليد، لكنّ ما أودّ الإشارة إليه هو بعضٌ من اللمحات النقدية لديه، تلك التي تكشف عنها آراؤه في أدباء ونصوص ومواقف وقضايا أدبية تُقدِّم عنه صورة المثقّف والأديب المتكامل.

لا مِراء في أنّ المواقف النقدية لشكري يُمكن تبيُّنها في بعض أعماله، مِثل زمن الأخطاء، لكنها تَرِد واضحة في كتابه “غواية الشحرور الأبيض”، الذي نادراً ما يُلتَفتُ إليه، عِلماً بأنه يُطلِع قارئه على سيرورة التكوين الإبداعي والنقدي لصاحبه، وعن وعيه النقدي الحادّ، الذي طَبعتْه عدم مهادَنة الكُتّاب الذين قرأ لهم، صادراً في ذلك عن اقتناع راسخ مَقولُه هو “أننا نكتُب عن القبح والجمال كما هما”.

ويبدو أنّ شكري قد تحرّى في “غواية الشحرور الأبيض” التعرُّض أو الاعتراض على الكُتّاب الكِبار في العالَم العربي، لعَدم رضاه عن اختياراتهم الجمالية، وعن مواقفهم الفكرية، وقد كان نجيب محفوظ أوَّلَهم، لمّا تعقَّبَه بالنقد في روايته “اللِّص والكلاب”، التي تُعَدُّ من أكثر نصوص الكاتب المصريّ رواجاً بين عموم القرّاء، خصوصاً تلاميذ المؤسّسات التعليمية وطلبتَها، فأبرَز الكثيرَ من الخلل في بنائها وأسلوبها.

يقول محمد شكري في كتابه، معلّقاً على جملةٍ لنجيب محفوظ: “’يا له من مسكنٍ بسيط كالمساكن في عهد آدم‘. هل يعرف نجيب محفوظ كيف كانت المساكن في عهد آدم حتى يأتي لنا بهذا التشبيه، الذي يخلو من فنّية أسلوب الكتابة العصرية؟ ثم بعد ذلك يقول: ’السلام عليكم يا سيدي ومولاي‘. عندما يكتب نجيب محفوظ مثل هذه الجملة يبعث في القارئ الكسل: ’يا سيدي ومولاي. لا داعي لهذا الترادف”.

وباستحضار شكري لأمثلة كثيرة من نصوص محفوظ، ينتهي إلى ردّ هذا الضَّعف إلى ما صرَّح به نجيب نفسه بقوله “إنّه لا يُكلِّف نفسَه كثيراً في جمع مواد أعماله الأدبية”، من جهة، وإلى افتقاده الانغماس في صميم الحياة بتَقلُّباتها المتنوِّعة، لأن حياتَه ــ مثلما قال محفوظ نفسُه ــ ظلّت محصورة بين الوظيفة والمنزل، فهي لا تُقارَن بتجربتَيْ همنغواي أو سارتر مثلاً. هذا “النقص في التجربة العميقة هو الذي يجعل معظم أبطاله يبالغون في تقدير الأحداث والأشياء، التي ربما سمعوا عنها، ولم يعيشوها”. ويُستشفّ من هذا الكلام أيضاً أن “التجربة العميقة”، أي تجربة المَعيش، هي التي تُزوِّد المُبدع القدرة على التعمّق في فهم النفسيات والأحداث وبناء العمل التخييلي بناء مُحكَماً وواقعياً.

ويستنفر شكري حاسَّته النقدية في الرَّد على الناقد سامي خشبة، الذي انتقد الكاتبَ المغربيَّ “بطريقة تهكّمية استصغارية” في قصّتِه “العنف على الشاطئ”، المنشورة في أحد أعداد مجلّة “الآداب البيروتية”، عام 1966. لقد اعتمد شكري مقاربةً نقديةً تتوسَّل بالمُقارنة الأدبية بين قصّته “العنف على الشاطئ” من جهة وعمَليِ “الغريب” لكامو و”إيروسترات” لسارتر، من جهة ثانية، ثم توسَّع في مراجَعة آراء سامي خشبة باستحضار أمثلة قصصية لكُتّاب عالميين كبار، مثلما لجأ إلى معارفه في علم النفس ليُبيِّن اختلال المعايير النقدية لمنتقِده، وليؤكِّد بأسلوب غير مُباشر أن التّعالُمَ والتسرُّع النقديّ هو ما وقع فيه الناقد المعروف.

ولا يعني انتقادُ شكري لنجيب محفوظ وسامي خشبة تحاملاً منه على المشارقة أو نزوعاً إقليمياً، فالمغاربة لم يسلموا من نقده أيضاً، ونكتفي بالنقد العنيف الذي صوَّب طلقاته إلى الطاهر بن جلّون، لمّا أدرجَه ضمن الذين “يكتبون تحت الطلب”؛ فبسخرية لاذعة شبّهه بـ”هؤلاء الفنانين الذين يُنتجون بعض الأعمال الفنية أو الأدبية حسبما يوصي المرء على حذاء، قميص أو بدلة”.

ويبدو لي أن هذا هو أقذع نقد وجَّهه شكري في كتاباته، على الرغم من الصداقة التي جمعت بينهما، فقد عدَّه “المثال النموذجي” للإبداع على المنوال الموصوف أعلاه، لاستنانه نوعاً من الكتابة “التي هي في العمق لا ترقى إلى درجة الكتابة الأدبية إلّا تجاوزاً […] إنّ له مكتباً خاصاً في [دار النشر الفرنسية] ’لوسوي‘ LE SEUIL، ويتقاضى أجراً شهرياً عن أيّ كتاب مطلوب منه أن يكتُبه خلال شهور أو سنة على الأكثر، بالإضافة إلى عقود مع صحف ومجلّات لكتابة مقالات ذات طابع سياحي، ولقاءات ثقافية يُمثّل فيها سفير الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية عبر أكثر من قارة”. ويُسدِّد له أعنف ضربة لمّا يتهمه بأنه “يُحاول أنْ يخلق ’ألف ليلة وليلة‘ عصرية عن طريق حَكايا نسيتْها حتى جدّاتُنا”.

لكنّ المهمّ لدى شُكري، في نظري، هو بناؤه لنقده للكتّاب من معاصريه على إحالات إلى مقاطع سردية لروائيين غربيين كبار مثل ستاندال وألبير كامو وتولستوي وشكسبير، وإيملي بروتني وغيرهم، دون أن يسهو عن رفاقه المغاربة في الكتابة مثل إدريس الخوري ومحمد زفزاف، كاشِفاً عن ثراءِ مكتبتِه وتنوُّع قراءاته، وليُؤكِّد أن الجِدَّة والإضافة يُمكن أن يُقدِّمهما جيلُه في الكتابة، بل إنه يُقدِّم في عن نفسه صورةً لأديب متكامل، يجمع بين الفكر النقدي والممارسة النقدية والإبداع في الأدب والترجمة.

وبخصوص الأخيرة، التي قضاياها من قضايا الأدب، مثلما نؤكّد دوماً استناداً إلى أورتيغا إي غاسيتْ، فإنّ شكري أورد في كتابه “غواية الشحرور الأبيض” ملاحظات تخصّ المُترجِمين العرب جميعَهم، وتخصّ إشكالاً حقيقياً تُعانيه الترجمة في الوطن العربي. يقول: “نحن نستطيع أن نقرأ أوَّل وآخر مؤلَّف لكاتب أجنبي مترجَماً إلى العربية، في نفس الموسم الذي يصدر فيه. أحياناً قبل أنْ يصدر في نفس لغته الأصليّة لأسباب تجارية أو سياسية (كما فعل سهيل إدريس مع “الكلمات لسارتر”، التي ترجمها إلى العربية قبل صدورها في الفرنسية، وكذلك بعض مؤلَّفات كولن ويلسن التي ترجمت مباشرة من مخطوطتها الإنكليزية إلى العربية)، بينما [المترجِمون] لا يكادون يُترجِمون لبعض كُتّابنا حتى يبلغوا شيخوختهم القاتلة. قد يموتون قبل أنْ تُتَرجَم بعضُ أعمالهم. بعضُهم يُعلِّل هذه الظاهرة بأنّ معظم المترجمين الكبار لآثارنا هم مستشرقون شيوخ وكلاسيكيون مثلهم: عاقلون وجادّون أو يتوغّلون في تراثنا القديم فيترجمون مخطوطات تمجِّد حضارتنا في بغداد أو الأندلس”.

ما يستغرب له المرء في كلام شكري، الذي كان يعيش من الكتابة، وعلى صلة وثيقة بدور النشر والمؤسّسات الثقافية، هو إلقاؤه باللائمة على المترجِمين وحدِهم، ليُحمِّلَهم أزمةَ ترجمة الأعمال العربية إلى اللغات الأجنبية، وإغفالُه الأدوار التي تضطلّع بها بالدرجة الأولى وزاراتُ الثقافة، والمؤسّسات الثقافية، ودُور النشر في الترويج للكتاب مثلما تُروِّج للمنتَجات الصناعية وغيرِها، وهذا بِدوره يكشف عن ضيق أفق السياسة الثقافية في البلدان العربية، وعن عدم تفطُّن شكري إلى ذلك، بأنِ انساق مع الواقع السائد.

ولا يخفى أنّ شكري في “الخبز الحافي” سعى إلى الانتقام من أبيه، لكنْ بالكلمات؛ لقد قتل أباه البيولوجيَّ رمزيّاً عبر الإعراب عن كرهه له، والتنديد بما اقترفه في حقّ إخوته وأمّه. ويتهيّأ لي أنّ امتعاضه من الأبوّة قد أسْقَطه على مجال الكتابة، فمارَس السلوكَ نفسَه في حق آبائه الرَّمزيّين، ففي القراءة أبدى نزوعاً إلى القتل الرمزي لعرَّاب الرواية العربية نجيب محفوظ، بل يُمكن الذّهاب إلى تأصُّل هذه النزعة فيه، إذ يُمكن تلمُّسها لديه في موقفه ممَّن كانتْ لهم أفضالٌ عليه، بدءاً بمترجِمِه إلى الإنكليزية، بولْ بُولْز، الروائيِّ الأميركي الذي أقام في طنجة، ومروراً بمترجمِه إلى الإسبانية الراحل عبد الله جْبِيلُو، وانتهاءً بالكاتب الطنجي الطاهر بن جلّون، مُترجمِه إلى الفرنسية، تلك الترجمة التي ساهمت في إطلاق شهرته.
لا غرابة، إذاً، في أن يكون شكري نفسُه هو المفسِّر لمواقفه الانتقادية هذه بقوله: “مشكلة الكاتب والقارئ العربي هي الصراع مع كلّ الأجيال العربية”.

 

 

 

عن Romaisae

شاهد أيضاً

فضل الصحافة

قيض الله لي الارتباط بالصحافة منذ المرحلة الابتدائية بفضل إحضار السيد الوالد، طيب الله ثراه، …

التوافق المهني أو الرضا الوظيفي تعاريف ونظريات (الجزء الأول)

يعد التوافق المهني من المفاهيم الأساسية التي شغلت الباحثين في علم النفس، وقد تضاعفت اهميته …

سلاما وليشربوا البحار !

ولجنا هذه الألفية الثالثة بديموقراطية عاثرة حظ..! او لعلنا بها عاثرو حظ !؟ ما زال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: