الأربعاء , 27 أكتوبر 2021

ملف الصحراء المغربية الطاقة حيث التركيز

أصبحت جغرافية الصحراء المغربية موضوع تركيز دولي وإقليمي ووطني، وهو تركيز يحمل في كل لحظة موجات طاقية تدعم الخيار المغربي تجاه ملف الصحراء المغربية، وتحصن من جهة التاريخ الرمزي للصحراء المغربية وتعيد بناء تاريخ جديد  للمغرب في صحرائه وللصحراء في مغربها، بداية يجب الإشارة إلى أن هذه المرحلة الدقيقة وهذا المنعطف الحاسم الذي تمر منه القضية الأولى للمغرب وللمغاربة هو نتاج سلسلة من الديناميات الإستراتيجية التي انطلقت بشكل ضمني قبل عودة المغرب للبيت الإفريقي وتجسدت بشكل صريح بعد هذه العودة بسياسات وبرامج تحت عنوان “رابح رابح”، هذه العودة كانت لها نتائج عميقة ومؤثر على عمق المغرب الصحراوي وعمقه الإفريقي، وذلك على الشكل التالي:

  • شكلت العودة السياسية للبيت الإفريقي عبر هياكل الاتحاد الإفريقي بامتداداتها الاقتصادية والتجارية والثقافية والرياضية…بداية الطريق نحو المركز، مركز الفعل ومركز القرار بتعبيراته المادية والرمزية، فالعودة كانت عودة لجغرافية ولتاريخ محفورين في ذهن العقل السياسي العام للمغرب والمغاربة، فهي عودة لم تتم بصيغة عودة الغريب أو البعيد الذي لا ينتظر أحد عودته، بل شكلت هذه العودة عودة صديق وقريب يتشوق الجميع لحضوره، ليتحول من احتلوا وتمركزوا داخل البيت الإفريقي في ظل غياب الحضور الطاقي للمغرب إلى كائنات غير ملحوظة، حيث انتقل أعداء الوحدة الترابية من حضور مصطنع إلى وهم الحضور، فهم وإن كانوا موجودين، فوجودهم يتجسد كجسد بدون روح، وهم وإن كانوا حاضرين فإنهم غير ملاحظين وحضورهم هو حضور بدون طاقة وبدون جاذبية وبدون أي تأثير يذكر؛
  • على المستوى الداخلي وبالموازاة مع العودة المغربية للبيت الإفريقي، تحولت قضية الصحراء المغربية على المستوى الرسمي والشعبي، من قضية وطنية إلى قضية مرجعية عند صياغة وبناء الاستراتيجيات سواء بالنسبة للفضاء الرسمي بمختلف امتداداته أو بالنسبة للمجتمع بمختلف هويات الناطقين باسمه، ويرتبط هذا التحول بالعديد من الرهانات والأهداف الإستراتيجية، أبرزها السعي الاستراتيجي لإعادة بناء تاريخ جديد للأقاليم الجنوبية وتحويل جغرافية الصحراء إلى طاقة تعبر عن وجودها من خلال عنصر التركيز الذي يهدف إلى تحويل مدينة العيون من عاصمة للأقاليم الجنوبية أو عاصمة إحدى جهات المغرب إلى عاصمة رمزية للملكية، بمعنى نقل الجزء إلى الكل ودمج الرساميل المادية والرمزية الجهوية في الرساميل المادية والرمزية الكلية للدولة والوطن والأمة باعتبارها كل لا يتجزأ؛
  • تكامل تعبيرات الحضور المؤسساتي على المستوى الإفريقي وتعبيرات الحضور الرسمي والرمزي على مستوى الصحراء المغربية جعل المغرب يتواصل عبر مركزين: مركز سيادي في العاصمة الرباط ومركز رمزي في العاصمة العيون، وهو تواصل يتم من أجل التأسيس لفعل وليس لرد فعل، فعل يستثمر في البناء عوض الهدم في التوحيد بدل التفرقة في التكامل بدل التنافر في الحب بدل الكراهية…هذه المقاربات كان من بين نتائجها تحول مدينة العيون وجغرافية الصحراء المغربية إلى مركز جذب طاقي وطني وإقليمي ودولي، تجلت تعبيراته من خلال تزايد حالات الاعتراف بمغربية الصحراء وسحب الاعتراف بالكيان الوهمي، وتزايد الاستثمارات الموجهة للصحراء وتزايد الدعم الدولي لهذه القضية من خلال فتح قنصليات بمدن الصحراء وتنظيم تظاهرات دولية وإقليمية بها.
  • تحول مدينة العيون إلى مركز طاقي بجاذبية إقليمية ودولية وتحول المغرب إلى فاعل مركزي إفريقيا وشريكا موثوق به من طرف غالبية الدول الإفريقية، جعل خصوم الوحدة الترابية يصابون بالجنون بل تحولوا إلى الجنون نفسه وقد تجلى هذا الجنون أساسا من خلال “قطع الطريق الرابط بين المغرب وإفريقيا عبر معبر الكركرات، إنزال العلم المغربي من فوق سطح قنصلية مغربية باسبانيا…”، وهو جنون يتم التعبير عنه بأسلحة ضعيفة وهي أسلحة تكشف وتعبر عن ضعف من يستخدموها ويوظفوها، فأسلحة الضعيف هي دائما ضعيفة كما يقال، هذا الضعف يمكن تفسيره بكون أن أعداء الوحدة الترابية أصبحوا لا يمارسون السياسية إلا بمنطق رد الفعل، خاصة من قبل الطرف الجزائري، حيث أصبحت سياساته تجاه المغرب مؤطرة بردود أفعال مزدوجة، ردود بفعل جراء الأفعال المؤطرة استراتيجيا الصادرة عن المغرب منذ عودته للبيت الإفريقي وردود بفعل جراء تأثير الوضع الداخلي للجزائر، “الحراك الجزائري، الأزمة المؤسساتية، غاب الرئيس، الركود الاقتصادي…”، أما بالنسبة لما يسمى بالبوليساريو فقد تحولت من كائن مصطنع على الأرض الجزائرية إلى آلية معطوبة وسلاح ضعيف في يد الجيش الجزائري تتحرك وفق ردود أفعال غير قادرة على التجسد، لأنها لم ولن تستطع التأسيس لفعل سياسي أو استراتيجي له طاقة ودلالة.

في ضوء هذه العناصر وبناء على نظرية فريد غرينشتاين التي تشير إلى أنه لكي يكون هناك فاعل مؤثر في التاريخ فيجب أن يكون هناك عنصرين أساسيين: ضرورة الفاعل وضرورة الفعل، فلكي يكون للقرار أهمية تاريخية يجب أن ألا يتم الاستغناء عن الفاعل وعن الفعل أي الحدث، والمغرب في وفق ما سبق وأن تم بسطه هو من يقوم بالفعل ويصنع الأحداث، أما خصوم الوحدة الترابية فإن دورهم هو مقاومة الفعل عبر ردود الأفعال، وكما تقول قواعد الفيزياء “فكل شيء تقاومه تقويه”، لذلك فإن تحركات جبهة البوليساريو ومعها كل خصوم الوحدة الترابية لا يمكن إلا أن تساهم في تقوية مرجعية المغرب وحضوره الطاقي، لأنه ينتج أفعالا وليس ردود أفعال، يولد طاقة وليس وهما، يصنع حقائق ويؤسس لأحداث وليس أكاذيب ورقصات.

 

عبد المنعم لزعر 

عن Romaisae

شاهد أيضاً

الدبلوماسية المغربية …قوة ناعمة و مكاسب مهمة.

برزت قضية الصحراء منذ عام 1975 إثر إنهاء الاحتلال الإسباني، ليتحول النزاع بين المغرب والبوليساريو …

نزاع الصحراء ما بعد الكركرات..تحولات وسيناريوهات.

إن تدخل الجيش الملكي المغربي فجر الجمعة 13 نونبر من هذا الشهر لتأمين معبر الكركرات …

الوزير الأديب، القاضي العدل، العلامة الشريف سيدي محمد أفيلال التطاوني..

الوزير الأديب، القاضي العدل، العلامة الشريف سيدي محمد أفيلال التطاوني (ت:1388هـ/1968م)             …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: