من تطوان إلى غرناطة (رسائل متبادلة بين الدبلوماسي الأديب التهامي أفيلال ووالده) -5-

تقديم:

هذه باقة نضرة، ومجموعة عطرة، من رسائل متبادلة بين الأديب الدبلوماسي الشريف التهامي أفيلال رحمه الله أيام دراسته بمدينة غرناطة نهاية الأربعينيات، وبداية الخمسينيات، مع والده وعمّه، تكشف لنا جوانب مهمّة من مظاهر حياة اجتماعية وثقافية التي كانت تربط غرناطة ببنتها تطوان..

 

-15-

الحمد لله وحده                               وصلى الله على سيدنا محمد وآله

ولدنا البار الشاب الأنجب، السيد التهامي رعاك الله ورضي عنك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

وبعد، وصل كتابك المؤرخ بالجاري 15 أمس تاريخه أفدنا منه غاية ما كنا في انتظاره من سلامتكم وابتداء دراستكم، أعانكم الله وسدد خطاكم ووفقكم سلوك سبيل الرشاد آمين.

إن ما سبق أيام ابتداء الدراسة نحن كنا أولى به من الفندق الذي احتضنكم فحسب، ولم نكن لنسخوا بذاك الأسبوع لولا ما كنا نحذره من سوء ما قد يترتب من التأخير من مسؤولية ونحوها، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وقد بعثنا لكم به بما تسددون به ما عليكم من دَين، ويصلك بعدُ القميص الذي هيأ لكم، فأرجوا أن يأتي موافقا.

ومنذ أيام وعلامة الأمطار تنذر بنزوله، وتلفت الأنظار لتهيأة الغطاء والكساء، وقد نزل في هذا النهار منه ما يوطأ لهذه السنة حسن الطالع.

وقد سررنا من كتابكم بالخط المغربي المألوف، ورجوعكم عن الخط الشرقي الذي لا يعرفه المغاربة، وإذا عرفه من عرفه منهم يتكلف، ونحن قوم برءاء من التكلف. وأخوكم المهدي قد دخل بالأمس لروضة الأطفال التي توجد بدار مدينة بدر ابن جلون، وقد أردنا بالتعجيل بدخوله لها أن نغرس بقلبه حب التعلم والحلم ليكبر حبه لهما في الكبر، فلا يمكن اقتلاعه منه ويدأب عليهما، وإن مَن سَبَقَنَا لهذه الفكرة لمصيبٌ، لأن القلب إذا دخله الخير لا يخرج منه، وإذا دخله الشر لا يخرج منه، فلذا كان لتأخير تعليم المغاربة آفة سبب له الجهل المطبق، وكانت الأمية غالبة عليهم فكان الجهل بكل شره، وأعقبه مرض الأخلاق فانحلت العرى،

وكان ما كان مما لست أذكره** فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

 ونحن بخير والحمد لله والسلام.

          في 5 صفر الخير عام 1373هـ موافق أكتوبر سنة 1953م.

والدك عبد السلام

 

-16-

الحمد لله وحده                 وصلى الله على سيدنا محمد وآله

الولد البار الأرشد، مولاي التهامي رضي الله عنك وأعانك، والسلام عليك والرحمة والبركة في السكون والحركة.

وبعد، وصل كتابكم بالإفادة بوصولكم لمعهد الدراسة، ثم استئنافكم لها بما كنا نؤمله من نشاط واجتهاد، وقد حمدنا الله على ما وفقكم إليه ودلكم عليه، واتل قول مولانا: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾، وإنكم بحول الله ستجنون ثمار هذه المجاهدة التي تعانون فيها مقاومة النفس وما تدعو إليه من استجلاب راحة ومتعة ودعة وسكون لا يعقبها إلا التّحسر والندم، والفرصة في الشباب غلسة كما في المثل، ويرحم الله ابن الوردي حيث يقول في لاميته:

اطلب العلم ولا تبخل فما **** أبعد الخير على أهل الكسل

والكل بخير والمريضة قد تكاملت عافيتها وخرجت تستكمل شفاءها لدور أقربائها كمل الله بخير، أما تلكم الدجاجة، فلسنا إلى الكلام عليها بعد أكلها بحاجة، والله يرعاكم ويعينكم والسلام.

17 جمادى الأولى عام 1373هـ.

والدك عبد السلام

وموادّ الدراسة قد بعثناها لكم مع البريد، ولا تغفل عن الكتابة مرة في الأسبوع، بارك الله فيك.

ولم يصلنا من رسائلكم إلاّ المؤرّخة بـ 10 أكتوبر، فإن كان لها أخت سبقتها فلم تصل أ ووصلت ولم تصلنا.

 

-17-

الحمد لله وحده        وصلى الله على سيدنا محمد عين الرحمة، وآله جميعاً

الولد البارّ الأنجب، مولاي التهامي رضي الله عنك ورعاك، وعليك السلام ورحمة الله.

وبعد، وصل كتابك وبداخله قطع الأثواب المكتوب على كلّ منها ثمنه، وقد أشرتم للبرد القارض.. الذي يعمل بحق في الوجوه ما يعمله المبرّد، ويتطلّب من الإنسان أن يظل تحت غطائه كالمقعد، ملتويا تحت كسائه الأسود.

حقا إن البرد لشديد، وقد يبست منه الأعضاء المتحركة حتى لا تكاد الأصابع الثلاث تمسك قلما، وإذا أمسكته بتكلف أو على مر التنور فلا تكاد قوى العصب الكاتبة تصله قوتها، فتحط ما يريد الإنسان أن يخطه، ولك في هذا الخط البديع الذي تقراه الدليل على ما بلغه منا ومن قلوبنا وبطوننا داهية هذا البرد، وإني لا أرى نافعا له غير الامتلاء بكل ما تصل إليه اليد من دافئ وبارد ومائع وجامد، ولا أستثني حتى ما جعل للنفس واكل أمره إلى خالقه، ويرحم الله الشاعر الشابي حيث يقول: …

أما الأثواب فلم يظهر لي رأي في أحد منها نختاره، فإذا كان هناك ما هو خير منها ولا كلفة لديك فلا بأس ببعث نظائره والكل بخير.

 وكنزة بنت الأخ قد رزقت طفلة، ويومه يوم عقيقتها، فبالبركة والسعادة، والسلام.

في 6 جمادى عام 1373هـ.

عبد السلام

 

د يونس السباح

       

عن Romaisae

شاهد أيضاً

التناص مجالات وتطبيقات

– في العالم العربي: ا- في الجزائر؛ الأستاذ إبراهيم رماني: لا شك أن هناك عددا …

البلاغة القانونية والقضائية ترجمة: محمد مشبال وعبدالواحد التهامي العلمي

نشأت البلاغة في خضم المحاكمات قيد التداول، ولكل مقام مقال: إذ سيخصص هذا الفصل للبلاغة …

المسرح الاستعراضي بشفشاون: مع الأستاذ أحمد قصري 2‪/‬2

واختيار المخرج لأحمد قصري منشداً، يعود ـ حسب هذا الأخير ـ إلى إعجاب المخرج بصوته، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: