الأربعاء , 27 أكتوبر 2021

من ثقافة الحقيقة إلى ثقافة التأويل

ذات يوم سأل معلق تلفزيوني المفكرة حنة أرندت: ماذا يبقى عندما ينتهي كل شيء؟ فأجابت: “تبقى اللغة”.

منذ أكثر من عشرين عاما، وفي مجال الفكر الإسلامي المعاصر، بدأت ثقافة التأويل تزاحم ثقافة الحقيقة، وبالتالي، تجاهد لتتجاوز الحدين المعياريين اللذين حكما سيرورة  هذا الفكر منذ تبلوره على يد الفرق الكلامية،  ذلك،لأن ثقافة التأويل، انتبهت إلى أهمية ابتداع المفهوم الذي ينطف رؤى جديدة بعدما عملت معايير الصواب والخطإ على تحجيره، وإذا كانت ثقافة الحقيقة قد مثلت دائما الوعاء الذي احتضن مجمل الإنتاج التراثي بشكل عام، وفي مجال الفكر الإسلامي خاصة، فإن السؤال المطروح، هو لماذا لم تتجل تلك الحقيقة المنافح عنها بصرامة في تكوين النسيج البشري، ولماذا لم تنتج ما يحدث طيات وقطائع مع ما سبقها، بل لماذا لم توجه المجتمعَ والسياسة باعتبارهما القطبين الرئيسيين في إحداث مشروع التغيير المنشود بشكل أخلاقي، ووفق إيقاع متكامل بين مراحل تطوره؟ أليست قضايا المجتمع والسياسة قضايا تأويلية نظرا لانتمائها إلى مجال الإنساني الذي تتوزعه استحقاقات مدنية وأخلاقية بالأساس؟ .

ترجع هيمنة ثقافة الحقيقة إلى أن السياسة كانت دائما منفردة بمشروعية تصنيف الأفكار والحقائق، بدل أن تكون حكَما بينها، وذلك برفعها لمنسوبها الطوباوي عاليا، فليست أشكال السلطة التي تنطق باسمها سوى لبنات في بناء الحقيقة، غير أن ثقافة التأويل التي تحاول الإنبعاث منذ مطلع القرن الواحد والعشرين، بدأت تنتزع  المبادرة من ثقافة الحقيقة، وتنهض بالجدل من جديد إلى مرتبة الأنساق الجديدة التي تتعامل مع النص العربي، مقدسا كان أو ميراثا، انطلاقا من ثابتين أخلاقيين: عدالة النص وحرية المتلقي في الفهم، وهو النسق الذي يحاول الإنفلات من استبدادية المعايير التي تحتكم إليها ثقافة الحقيقة من جهة، والذي يمتلك من جهة أخرى إمكانيات الإنفتاح على الكوني، فالإنسان في ثقافة التأويل لم يعد ذلك الإنسان العاقل وكفى، وإنما يعمل التأويل على مده بجسور مفاهيمية تجعله إنسانا مساهما في انبثاق تمفصلات فكرية لانهائية، ولعل أولى هذه التمفصلات ذلك السؤال الموجه لهذه الكتابات: لمن الحقيقة: للحد الذي يبنيه المنطق برهانا واستدلالا، أم للذوق الذي تصوغ التجربة الإيمانية مذاقاته؟، وهو السؤال الذي تم اعتباره كمخل أساسي لتحديث الفكر الإسلامي، والذي يقود إلى قيام حداثة سياسية، وذلك مقابل السؤال المتعالي الموروث: أين الحقيقة؟.

في مجال الفكر الإسلامي، كان هناك دائما تطلع جريء لتأسيس ثقافة التأويل، وقد استطاعت ممارسات فلسفية تخطي التراث البلاغي الذي تأسس مع أفلاطون وأرسطو وسيشرون، والقائم على فن الإقناع، ولعل مباحث علم الكلام والنسق الإعتزالي خاصة، من أولى هذه الممارسات التي بشرت بقيام نظرية في المعرفة، والتي تركت مسافة معقولة بين النص وقارئه، لذا، كان لا بد لهذه الممارسات الكلامية أن تسند مهمة التأصيل الموضوعي، لمرجعية تختلف كلية عن مرجعية السلطة المعرفية التي مثلتها شخصية الفقيه، وهي المرجعية التي ندعوها بمرجعية المعايشة العقلية للوجود من خلال اللغة، فحتى يكون النص عادلا، أي منفتحا على ثقافة التأويل، كان لا بد أن يضطلع بمهمة ضبط مرجعيته، حتى يتمكن من الحديث باسمها،ولا يكون وجودا منسوخا وممسوخا في لغة الفقيه، فالنص التراثي، مثلا، ينسج هويته ليس مما يكتمنه من مستويات وجودية متكاملة تارة ومتضاربة تارة أخرى، بل تنهض هويته على البنيات النفسية والإيديولوجية لمنتجه، أما حين يتخلى عن هذه السلطة المعرفية التي أنتجته والتي يصبح محمولا عليها، فإن من شأن ذلك، كاقتضاء أولي، أن يجعل نظامه العقلاني مرتبطا بكينونة القارئ أكثر مما يعكس كينونة منتجه، إذ لا وجود لنص فقد قارئه كينونتَه اللغوية حيث مسكن وجوده، واكتفى بلغة تقف عند حدود المواضعة  التي أقرتها ثقافة الحقيقة لتغلق كل إمكانيات انفتاح الكائن على الهوامش الدلالية للنص، والتي من المفروض أن تدخل في عملية العبور والهجرة إلى أقاصي الدلالة، فالهوامش الدلالية، سواء المصادَرة من الفهم، أو تلك التي يتعمد الفقيه حَجبها بهدف إيقاف زحف القارئ عند ما يعتبره نهاية الدلالة، كانت دائما هي الشرط الموضوعي لإنتاج المعرفة، ولذلك، كانت البدايات الأولى لثقافة التأويل مغامرة تدفع قارئ النص القديم إلى الإنتقال من المألوف والبديهي إلى الجمالي، ومن الحشو والإطناب البلاغيين إلى الإبداع، يغدو القارئ نفسه مجازا للدلالات الغائبة التي يحيل عليها النص، عابرا حاجز الدوال الذي أقامه الفقيه، نحو عالم المدلولات التي تحرر كينونته في أفق استرداد هويته كقارئ، ولو لم يدخل القارئ هذه المغامرة، لما قرأنا “طوق الحمامة” لابن حزم، ولا “المثنوي” للرومي، ولا أبحرنا مع التوحيدي، وعشقنا مع البسطامي ووقفنا عند مواقف النفري.

 

 

ذ. محمد النحيل

عن Romaisae

شاهد أيضاً

المكتبة العامة بتطوان كما عرفتها ‪-‬ 3 ‪-‬

وقد تذاكرنا عن كيفية الحصول على صور لهذه المخطوطات العربية والعبرية، فتبين أن ذلك ممكن …

رسالة مدادها…الاستثمارالسياحي

يشارك المغرب، هذه الأيام، في المعرض الدولي بالإمارات العربية المتحدة، حيث نظم الجناح المغربي ندوة …

تكريم علمي وأخلاقي..

في ربيع 1994 رحلت إلى آداب فاس للمشاركة في ندوة ” التجربة الصوفية في الأدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: