الأربعاء , 27 أكتوبر 2021

من رجالات جبل الحبيب وأعلامه

الشيخ الفقيه الورع الجليل أحمد بن العلمي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الروسي الحسني الجبلحبيببي، رحمه الله تعالى ( حوالي 1351 ه – 1933 م / 1434 هـ – 2013 م ) .

سبق لي أن قمت بترجمتين متواضعتين عن بعض رجالات جبل الحبيب وأعلامه عبر مقالات أربع بجريدة الشمال الغراء المشكورة، كانت أولاهما عن الجد الشيخ الهمام عبد الرحمن الأندلسي رحمه الله تعالى ( 1355 – 1438 هـ / 1937 – 2017 م )، بينما كانت ثانيهما عن سيدي حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع المجاهد الفاتح الشهير دفين قمة الجبل رضوان الله عليه ( .. ه –  .. م / 123 ه – 741 م ).

واليوم عبر ﻫﺬا المقال – استكمالا للتنقيب ومواصلة للنبش والغور في ذاكرة شخصيات جبل الحبيب وأعلامه – نسعى للتعريف بواحد من أعلامه الأفذاذ، وهو الشيخ الفقيه الورع الجليل أحمد بن العلمي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الروسي الحسني الجبلحبيببي، رحمه الله تعالى، وعلى خلاف السابق فستكون الترجمة هاته المرة بخط ولده البار المبارك فضيلة الدكتور الأستاذ الأديب محمد الحافظ الروسي[i] حفظه الله، والذي لولاه – بعد الله تعالى – لما أمكن لنا الوقوف عن كثير من حياة أبيه العلم الهمام، ولطواه النسيان والإهمال ولضاع منا دراية أي كان عنه، إلا ما كان من اسمه، والحق أن غياب التقييد عند شيوخ جبل الحبيب وأعلامه الزاخرة فوت علينا معرفة الكثير من الأسماء العلمية وأحوالها وأنشطتها في الثقافة وممارساتها العلمية وإسهاماتها المعرفية ومحافظتها – من جهة – على المقومات الثقافية للوطن وشخصيته الإسلامية وهويته المغربية، وقد صارت عرضة للضياع والتلف للأسف الشديد، أو الأحرى أن شأن معظم معظمها كذلك بالجبل.

وأعود لأقول، رغم ما أجده من حسرة أحس بها لعدم تقديمي أي إفادة في ﻫﺬا المقال – سوى تسطير بضع هوامش هشة ليست ذات فائدة تذكر – عن ﻫﺬا العلم الهمام، فإني آبى إلا أن أشكر الله تعالى ومن ثم الأستاذ القدير على ما تفضل وتكرم به علي من بعثه لي – على وجه السرعة – بهاته الترجمة الوافية النيرة، وهي خير كثير، فمنحني والقراء ﺑﺬلك فرصة إطلاع كثير عن والده القدير، والحق أن ترجمته فلتت من براثن النسيان، واستنارت طريقها للخروج من ليل الغياهب والظلام، فأبرز لها ولده الشهم المعالم واضحة – من خلال تقييده – لتعود إلى الحضور والوجود الجبلحبيببي من حيث كان مصيرها – كأغلبها – التيه والضياع.

وهاأنذا أنقل بين أعينكم أحبة القراء الكرام الترجمة بنص كاتبها كما هي، خدمة للعلم ورجاله بجبل الحبيب، وأعتبر ﻫﺬا واجبا علي، أؤديه بمحض الحب والإرادة، وإلى الله أضرع أن يكلأني بفضله، ولا أنسى فضل الدكتور الأستاذ العزيز محمد الحافظ الروسي الذي بادر بالموافقة على بعثها لي – كما ذكرت – بعد أن راسلته بشأنها وطلبتها منه واستشرته في نشرها عبر جريدة الشمال الرائدة، بكل مودة وتلمذة وشكر واعتبار وتقدير فائض له داعيا الله أن يبارك في أعماله ويرعاه، وقد اعتبر ﺫلك خدمة منه لجبل الحبيب من أرض شمال المغرب المبارك، ومساهمة كبيرة منه في التعريف بأحد رموز أعلام آل الروسي الشرفاء، وهم كثر، ما بين فقيه وشيخ، ومتصوف وولي، ومجاهد وقائد، وقاض وعالم وأديب، … وقد أنعش الأستاذ بعمله ﻫﺬا بعضا من ذاكرة قرية ” الروسييش “، موطن آبائه وأجداده الشرفاء، وأحمد الله على أن هيأه ﻟﺬلك، ومكن له أسباب الاشتغال بجمع أخبار أبيه وذكر أحواله رضوان الله عليه، وجعله سببا لاطلاع القراء والباحثين والاستفادة من العلم الهمام، باعتباره أسوة أبناء مدشره ” الروسييش ” وأجياله، وجبل الحبيب عامة، وكافة المقتدين الراغبين بالسير على خطى ونهج درب الفقيه الجليل. فطوبى لهما معا.

نص الترجمة بقلم : ابنه البار الدكتور الأستاذ الأديب محمد الحافظ الروسي حفظه الله وجزاه عن أبيه.

هو الشيخ الوالد الفقيه الورع الجليل أحمد بن العلمي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الروسي الحسني الجبلحبيبي، رحمه الله تعالى.

ولد حوالي سنة 1933م بمدشر الروسييش[ii] بقبيلة “جبل الحبيب” الواقعة بين تطوان والعرائش.

بدأ حفظ القرآن الكريم على يد والده ثم أكمل قسطا من الحفظ على يد الفقيه أفيلال الشهير  ﺑ ” الفقيوي ” من مدشر “اجبيلة” أحد مداشر قبيلة “جبل الحبيب”، ثم عاد ليتم حفظه على يد والده أيام كان مشارطا بمدشر “اخشابش” بالقبيلة نفسها، ثم على يد أخيه الأكبر الفقيه محمد الروسي بمدشر “الروسييش”[iii]، ثم رحل بعد ذلك وهو صغير إلى مدشر “الحوارتة” القريب من أولاد زيان بنواحي طنجة، حيث أتم حفظه لكتاب الله تعالى على يد الفقيه “محمد الصافي”[iv]،[v] ثم انتقل إلى أولاد زيان فأخذ القرآن عن أحد مشاهير فقهائهم وهو الفقيه العياشي اليذري.

وبعد أن حفظ القرآن الكريم بدأ في طلب إتقان الحفظ، وضبط القواعد، وجودة القراءة، فلزم الفقيه أحمد بن تاويت الودراسي مدةً أيامَ كان ﺑ “عين جيارة”[vi] بقبيلة “جبل الحبيب”، فلما انتقل الفقيه إلى مدشر “تاويتش” بقبيلته “وادراس” انتقل معه محصلا ما عنده. ثم توجه بعد ذلك إلى “عين معبد” بقبيلة “ابن عروس”، فقرأ على الفقيه “مرون”، فلما حصل ما عنده انتقل إلى “دار الخيل” بالقبيلة نفسها، فقرأ على الفقيه “عبد القادر قشاش”، وهناك التحق به أخوه الفقيه الأستاذ البشير الروسي، فاجتمعا على التحصيل، وطلب العلم، حيث لم يفترقا بعد ذلك، فكان أقرب إخوته إليه. وقد أعجب الفقيه عبد القادر بالسيد الوالد، رحمهما الله تعالى، غاية الإعجاب، فكان ينيبه عنه في تحفيظ الطلبة، ويشهد له بموهبته في تعليمهم، ثم أجازه بعدما رأى من إتقانه، وجودة حفظه، وبراعة قراءته.

ومن “دار الخيل” انتقل الوالد، رحمه الله تعالى، إلى مدشر “بُومْزْوْد” من قبيلة “جبل الحبيب” حيث اتصل بالفقيه أحمد ولد عَشَّابة، وكان أحد من درسوا بالقرويين بفاس، فتلقى عنه جملة من المتون وهي  ” الأجرومية في النحو، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي، المعروف بابن آجروم ( ﺗ 672 – 723 هـ ) وألفية محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني ( ﺗ 600 – 672 ه ) في النحو.، والمرشد المعين على الضروري من علوم الدين لأبي محمد عبد الواحد بن أحمد بن علي بن عاشر الأنصاري الأندلسي الفاسي ( ﺗ 1040 ه ) ومنظومة تحفة الحكَّام في نكت العقود والأحكام للقاضي أبي بكر محمد بن عاصم الأندلسي الغرناطي( ﺗ  829 ه ) ثم لزم الفقيه عبد السلام بن عبد الوهاب مدة درس فيها عليه الأجرومية بشرح الأزهري وحاشية ابن حمدون، وكانت لهذا الفقيه طريقة مميزة في التعليم أساسها التكرار، وكثرة المراجعة، والحرص على الإفهام، فكان لا ينتقل من مسألة إلى أخرى إلا بعد أن يطمئن إلى أن الطلبة جميعهم قد حصلوها، وفهموها، وأدركوا ما فيها.

[i]– فضيلة الدكتور الأستاﺫ الأديب محمد الحافظ الروسي، أستاذ جامعي بكلية الآداب بتطوان، ورئيس مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية التابع للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب. وله عدة إسهامات فكرية وأدبية كبيرة وإنتاجات علمية مهمة ودقيقة، من كتب ومقالات ومحاضرات وندوات، …، ومن إنتاجاته الفكرية والأدبية :

رواية نفطستان / في البلاغة والتصوف / مظاهر تعظيم شعائر الله تعالى من خلال حجة الوداع / ظاهرة الشعر عند حازم القرطاجي/ تضمين الرمز ورمزية التضمين في قصة “الريح والجذوة” لحسن الوراكلي / مداخل بلاغية لفهم ظاهرة التطرف / ….

[ii]  – حسب التقسيم الإداري القبلي لقبيلة جبل الحبيب التي تتوزع على فرقتين ( فوقية وسفلية ) فإن مدشر الروسييش – موطن شرفاء آل الروسي  – أحد المداشر ( القرى ) الثلاث عشرة الواقعة ضمن فرقة الحيط الفوقي في شماله الشرقي، بمحاذاة مع قبيلة بني مصور، ويعد اليوم حسب التقسيم الإداري المعاصر واحدا من أربعة عشر مداشر الجماعة الترابية جبل الحبيب / إقليم تطوان، إلى جانب كل من مداشر : الخروب، الريحانة، الجبيلة، أخشابش، فلالسة، دار بن صدوق، بومزود، الرمل، اهباطة، بني اهداين، تزروتان، الصاف.

كما يعد مدشر الروسييش حسب الدوائر الانتخابية  ﻟ ” جماعة جبل الحبيب ” الدائرة الأولى إلى جانب كل من مدشري اخشابش وفلالسة.

[iii]  – من المحتمل جدا – حسب بحثي البسيط – أن تكون أسرة ” الروسي ” ﺫات الأصول المشرقية منحدرة من قبيلة الحوز – فرقة الحوز الصديني -، من مدشر خاص بها هناك يدعى ” ارواوس “، الذي استوطنته مهاجرة من الأندلس في الأغلب، كشأن معظم قرى القبائل المتوسطية من قبيل أنجرة، فليس ببعيد أن تكون هاجرت للمرة التالية واستقرت بقبيلة جبل الحبيب بقرية عرفت أول أمرها بذات الاسم ” الرواوس “، التي تعرف اليوم بمدشر ” الروسييش ” المعروف بشرفاء آل الروسي، وأسباب هجرة قرية ” الرواوس ” من الحوز الصديني إنما بفعل ظروف الاستيلاء البرتغالي على سبتة سنة 1415 م وما تلاه من أطماع توسعية وتهديدات العدو الغاشم وغاراته واعتداءاته – خاصة – على قرى قبائل الحوز وبني حزمر وأنجرة والفحص وجبل الحبيب، وزاد من تفاقم الأمر سقوط القصر الصغير في يديه سنة 1458 م، وقد أدى ﺫلك إلى هجرة جماعية نحو الداخل الشمالي، وكان لجبل الحبيب حظ من ﺫلك، فقد احتضن أسرة الروسي ومجموعة من الأسر الأنجرية كبني يعيش، علاوة على احتضانه لرئيس المقاومة بجبل الحبيب أبي علي الحسن رحمه الله، حيث انتقل إليه بعد سنة ( 822 ه – 1419م ( ليتخذ منه نقطة الحملات الجهادية نحو سبتة بتعاون مع جماعات جزولة المقيمة بمقربات الميدان السبتي، واستقبال الجبل – بالأحرى – في العقد الثالث من القرن الخامس عشر لحاكم طنجة صالح بن صالح الياباني المريني ( ﺗ 844 ه – 1440 م ).

وقد اشتهر من شرفاء آل الروسي بجبل الحبيب العديد من شخصياتها وأعلامها، ما بين فقيه وشيخ، ومتصوف و ولي، ومجاهد وقائد، وقاض وعالم وأديب، … على مر الأمكنة والأزمنة، ومن ﺫلك جد الأستاﺫ أبي المترجم رحمه الله، ومن بين أهم الأساطين التاريخية المسطرة لآل الروسي ما عرفه القرن السادس عشر إبان سنوات ( 1514 – 1519 م ) عن الشهيد الجبلحبيبي علي الروسي رحمه الله، الفارس القائد المقاوم الشجاع الداهية الجريء الخبير، صاحب المكائد العسكرية والحيل الحربية الذي دوخ البرتغاليين بكل من القصر الصغير وسبتة، وطنجة وأصيلا خاصة، وأخافهم وأقلق راحتهم إلى حد أنهم كانوا يدعون الله أن يحفظهم منه، والدي كانت أغلى أمنيات فرسان البرتغاليين مواجهته وتحقيق الشرف العسكري بقتله، كما كان المعول عليه واليد اليمنى للمولى إبراهيم أمير إمارة الرواشد بشفشاون الخاضعة لمملكة بني وطاس، بل كان يصاحب الملك الوطاسي محمد البرتغالي عن شماله والمولى إبراهيم عن يمينه عند هجوماته وحصاراته على كل من أصيلا وطنجة المحتلتين.

[iv]  – “الصافي” نسبة لمدشر “الصاف” من قبيلة “جبل الحبيب”، وهو المعروف ﺑ “صاف الما لكحل”، مدشر يطل على “وادي أساق” من قبيلة “بني عروس”. ( هامش كاتب الترجمة الابن الدكتور الأستاﺫ محمد الحافظ الروسي )

[v]  – كان الفقيه محمد “الصافي” – رحمه الله تعالى – ابن خالة جدّي، فقد كان جدي – رحمه الله تعالى ( ﺗ : مارس 1969 م ) – متزوجا بابنة خالته، وهي جدتي عائشة العرود، رحمها الله تعالى ( ﺗ : 1987 م )، واسم أمها – التي هي خالة جدي – شامة، واسم أمه هو: فطوم. ( هامش كاتب الترجمة الابن الدكتور الأستاﺫ محمد الحافظ الروسي )

محمد أخديم 

عن Romaisae

شاهد أيضاً

المكتبة العامة بتطوان كما عرفتها ‪-‬ 3 ‪-‬

وقد تذاكرنا عن كيفية الحصول على صور لهذه المخطوطات العربية والعبرية، فتبين أن ذلك ممكن …

جبل الحبيب في” حوليات أصيلا “ ﻟبرناردو رودرﻳﮝس

صفحات عن مقاومة القائد الجبلحبيبي الشهيد عبد الملك الخمليشي للاحتلال البرتغالي ( ﺗ 1519 ه …

دار الثقافة

دار أنيقة فسيحة  تقع بالحي المدرسي بتطوان، احتضنت قاعتها الكبرى وملحقاتها أنشطة ثقافية متنوعة (محاضرات، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: