من عالم الكُتب والمكتبات وروّادها بطنجة الكنّاشة الحزْميّة أنموذجاً 1

تقديم:

تعكس هذه الحلقات نهضة علمية ثقافية بمدينة طنجة، من خلال مكتبة ابن حزم لصاحبها الفقيه الحاج محمد الشّيوة رحمه الله، الشهير بتواصله مع رجال العلم والثقافة ببلده، وتميّزه بالمعاملة الحسنة مع طلبة العلم… ونعرض هنا في هذه الحلقات أبرز المعالم المتعلقة بحياة العلم والعلماء والكِتاب من خلال سجلّ المكتبة الذي تحتفظ به أسرة الشّيوة إلى يومنا هذا.

تعتبر مدينة طنجة من الحواضر الكبرى التي عُرفت بانفتاحها على مختلف الحضارات، وكانت محطّ أنظار العديد من الشّخصيات، بمختلف أجناسهم وأشكالهم، وتعدد ثقافاتهم ومواهبهم. وقد أدّى هذا الانفتاح إلى حركة ثقافة هامّة في تاريخ المغرب المعاصر.

ومعلوم أنّ طنجة كانت منطقة دولية تختلط فيها جنسيات متعدّدة، وعلى إثر هذا انتعش عالم الكتب والمكتبات، -كباقي الأمور الأخرى- وأصبحت مقصودة من طرف المهتمّين بالعلم والثّقافة من مختلف الجهات…

وحديثنا اليوم هنا، عن مكتبة رائدة، تعدّ من المكتبات التي كانت امتداداً لتلك الحقبة التي تحدّثنا عنها، ويتعلّق الأمر بمكتبة ابن حزم، الواقعة بـ (سوق الدّاخل 29 طريق النخلة-قبالة الجامع الجديدة، أو: ساعة عيساوة بطنجة). والتي كان لها مزيد عناية بالكتاب وأهل العلم، قبلة للطّلبة بمختلف مستوياتهم.

ومرجعنا لرصد هذه الحركة الثقافية بطنجة من خلال هذه المكتبة، هو كنّاشها الذي احتفظ به صاحبها، وكذا أسرته من بعده، وقد تضمّن بين دفّتين سجلاّ حافلاً بأسماء الواردين على المكتبة، الناهلين منها، مع جدول يخصّ كلّ فرد بمقتنياته من كتب، ممّا يعطينا صورة واضحة عن عناية كلّ فرد من هؤلاء الأفاضل وميولاتهم العلمية.

والكُناش أو الكُنّاشة، مصطلح شهير لدى المغاربة، كان سائداً في ثقافتهم وجزءً منها، فكل أسرة (في الغالب) كانت تحتفظ بكناش أو كناشات تدون فيها أمورها الشخصية والعملية وما إلى ذلك، وتتنوع أشكاله ومحتوياته، بتنوع ثقافة صاحبه، فللعدل كناشه، وللأديب كناشه وهكذا، والمهم أنّ ثقافة الكناش كانت بالمغرب ولم تنقطع إلا في سنين متأخرة، ومع ظهور التكنولوجيا انعدم الكناش بمعناه الأصلي، وأصبح من التاريخ الذي يروى ولا يطوى.

ومن هذه البابة كنّاشنا هذا، فهو يتضمّن سجلاّ بأسماء زبناء المكتبة ممن يقصدوها بين الفينة والأخرى، وتتكرّر زياراتهم لها، بحيث أصبحوا يترددون في أوقات متقاربة، ونسجوا علاقات متينة مع صاحب المكتبة، فأدّى بهم الأمر إلى كسب ثقة متبادلة جعلتهم يأخذون ما يريدون من الكتب، ويدفعون ما يتيسر لهم، وصاحب المكتبة بفضله وتيسيره يدون الداخل والخارج، جاعلاً لكل واحد منهم صفحته … هم فوق المائة، وغالبهم من العلماء المشهود لهم بطول الباع في مختلف العلوم.

والناظر في هذه الكناشة الحزمية -نسبة لمكتبة ابن حزم- يجد لديه مادة ثقافية تاريخية هامّة، ويأخذ من خلالها انطباعاً عن الحركة العلمية والثقافية بطنجة، وكيف كانت تسير الأمور من خلال هذا اللون من التّجارة، مما سنتعرّض له لاحقاً.

وأمّا صاحب هذه الكنّاشة فهو من الأعلام الذين لم يسلّط عليهم الضوء في تاريخ العلم وحركته بطنجة، على شهرته الكبيرة بين الكتبيين والعلماء، ومن الجديد بالذكر أن نبدأ بالتّعريف بها تعريفاً موجزاً على أن نعود إليه بالتفصيل في إحدى الحلقات المقبلة بحول الله.

ترجمة صاحب المكتبة:

(الفقيه الحاج الكتبي محمد بن محمد الشّيوة الأنجري ثمّ الطّنجي)

هو الفقيه الحاج الكُتبي الشهير (صاحب مكتبة ابن حزم الشهيرة بطنجة) السيّد محمد بن محمد الشّيوة الأنجري. ولد في العشرينيات من القرن الماضي بقبيلة أنجرة بمدشر جْوانْبْ من (فرقة البرقوقيين)، وحفظ القرآن بمسقط رأسه ثمّ بمدشر الشّجيرات، وأتقنه رسماً وضبطاً، وبعد إتمام مرحلة الحفظ، اتّجه لطلب العلم، فقصد حلقة الفقيه المدرّس السيّد محمد الرّغيوي بمدشر المخْفي، وبقي ملازماً لحلقته مدّة، ثمّ انتقل بعدها إلى مدشر (دار فوّال) وبها أخذ عن الفقيه السّتيتو، وهكذا بقي يتنقل بين مداشر قبيلة أنجرة إلى أن رجع إلى مسقط رأسه (جوانب)، وبهذا أنهى مرحلة الدّراسة بالبادية.

وبعد أن قضى أربه من هذه المرحلة اتّجه إلى حاضرة طنجة، وتنقّل بها بين حلقات الشيوخ المعتبرين، يكرع من حياضهم، وينهل من معينهم، ولاسيما بالمعهد الدّيني، فكان من شيوخه بها: العلامة الحسن لمتون، وعبد الحفيظ كنون، وعبد الله كنون، وعبد الله بن عبد الصادق، كما انتفع بحلقات الشّرفاء أبناء الصّديق، ولازم أفراداً منهم، سواء بزاويتهم أو بغيرها، كلّ هذا درسه اختيارياً لا نظامياً.

وبعد فترة دراسته طُلب منه أن يدرّس الطّلبة بمدرسة ابن عاشر بحي جامع مقرع، فدرّسهم مدّة يسيرة، بهذه الرّحلة يكون قد أنهى مسيرته القراءة والإقراء، ثمّ تزوّج السيّدة الفاضلة رقية بنت علي الحتّاش، من مدشر حتاتش بأنجرة، وسكن حومة الجزيري بجامع مقرع، وأنجب أبناء بررة هم:

  • السيد محمد الشّيوة (مجاز).
  • نادية الشّيوة (مجازة).
  • البتول الشيوة (ربّة بيت).
  • رشيدة الشيوة (ربّة بيت).
  • لطيفة الشيوة (توفّيت).
  • سعيد الشّيوة (أستاذ). وهو صاحب الفضل عليّ في هذه المعلومات وغيرها، جزاه الله خيراً.

اتّجه الفقيه محمد الشّيوة للتّجارة في عالم الكتب، حيث بدأ التّجارة مع صديقه وشريكه الكتبي بالحاج محمد العشيري عام 1962، واستمرّ في العمل معه إلى سنة 1968م، فمنذ هذه السنة أسّس لنفسه مكتبة مستقلّة انفرد بالعمل فيها بطريقته الفريدة وأصبحت لها شهرة ومكانة بمدينة طنجة، وقد توفي صاحبها الفقيه الحاح محمد الشيوة عام 2007م، وظلت المكتبة مستمرّة في عطاءاتها، تواجه الصعوبات…وتكابد المشاق،  كلّ هذا بعد توفيق الله تعالى وفضله، بجهد ابنه البار صديقنا الأستاذ سعيد الشّيوة، ولم تغلق أبوابها إلا عام 2015م، وبإغلاقها، طويت صفحة هامة من صفحات تاريخ المكتبات بمدينة طنجة، وبقي رسمها ووسمها وذكرها منقوشاً في ذاكرة أهل العلم والطلبة والخطباء والفضلاء والمثقّفين…

 

د يونس السباح

عن Romaisae

شاهد أيضاً

صراع الجسد والروح في قصيدة “لك الملك” للشاعر محمد علي الرباوي

يبلغ الرباوي في التعبير عن استبداد الجسد ذروته في قصيدته “لك الملك”: ما زال بهذا …

الرواية التاريخية الريفية منفي موكادور

ذات يوم تساءل جورجي زيدان حول الرواية التاريخية وقال ما فائدة الرواية إذا لم تضف …

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: “رحلة إلى فرنسا”

ظل أدب الرحلة المغربية مجالا أثيرا للنهل وللاستثمار بالنسبة لمؤرخي  المغرب الراهن في سعيهم نحو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: