نعيش هذه الأيام في غمرة الحديث عن المرأة، هذا الكائن البشري الذي كان وما زال وسيبقى محط اهتمام ونقاش وجدال وتساؤلات متواصلة عن مدى ما يحظى بهمن العناية والاهتمام، وهل استطاعت المرأة أن تثبت وجودها كعنصر فاعل له من الكفاءة ما يساهم به في تطور الفكر وتقدم العلم وبناء المجتمع؟ وهل لها من الاستعداد والقدرة ما توافق به بين دورها كمربية للأجيال، إلى جانب مساهمتها في مجالات التنمية والازدهار؟ وهل للمرأة من الحقوق ما يعادل عطاءاتها وإسهاماتها؟ علما بأن الواقع الذي نعيشه، والممارسات التي نلاحظها، والتطورات التي نحققها، هي التي أثبتت وتثبت يوما بعد يوم، أنه لا مناص من الاعتراف بالدور الإيجابي الفعال الذي تؤديه المرأة في حياة المجتمع البشري، وعلما بأن كل من يجحد دورها، أو ينكر فعاليتها، أو يستقل كفاءتها واستعداداتها العقلية والنفسية والجسمية، فهو كمن ينكر ضوء الشمس في واضحة النهار؛ فالمرأة هي الأصل، وهي المنبع، وهي التي لولاها لما تواصل الوجود البشري على وجه الأرض، تلد، وتربي، وتنشئ، وتوجه، وإلى جانب كل ذلك، فإنها تمتلك من الكفاءة ما تساهم به في مختلف مجالات النمو والتقدم.
وبعيدا عن الخوض في هذه الجدليات التي تعتبر في نظري متجاوزة لا مجال لإنكار حقيقتها، سأحاول في هذه الدردشة، أن أقترب من موضوع ذي صلة وطيدة بما له علاقة بحياتنا في هذا الوطن بالذات، وفي هذه المدينة بالذات، وفي هذا المجتمع بالذات، ذلك أنني سـأحاول أن أسترجع مواقف معينة عاشتها المرأة في مدينة تطوان بالخصوص …، وسأقلب صفحات من الأمس القريب، حتى أقف عند بعض المحطات الماضية التي أكشف فيها الغطاء عما قد تراكم عليه غبار النسيان، فغاب بغياب أهله، أو أُقفلت دونه الأبواب، فعميت الأبصار عن معرفته أصلا، فضلا عن حفظه والتعريف به.
فالحقيقة أن تطوان، تعتبر من المدن التي للمرأة فيها حضور خاص ومتميز، ذلك لأن هذه المدينة، بفضل ما عُرفت به تاريخيا، من كونها وليدة حضارات وثقافات ذات طابع يتسم بالرقي والتمدن، فإنها قد أعطت للمرأة مكانة مرموقة، كانت فيها دائما محط احترام وتقدير وعناية.
فتطوان هي تلك المدينة التي أعيد تأسيسها في القرن 9 الهجري (15 م)، على يد المهاجرين الذين حملوا معهم من الأندلس حضارتها ومدينتها وثقافتها وأصالتها وعراقتها. ومعلوم أن هؤلاء المهاجرين الأندلسيين، لم ينعزلوا عن غيرهم بعد حلولهم في هذه الأرض الطيبة، التي استقبلتهم بعد طردهم على يد النصارى من بلدهم الأندلس، بل إنهم قد انسجموا مع المغاربة من سكان منطقة جبالة، ومن ناحية الريف القريبة من موقع تطوان، وكذا ممن قصدها آتيا من مدينة فاس، ثم من الجزائر، فكان انبعاث هذه المدينة في الحقيقة وليد سواعد كل هذه العناصر، التي امتزجت وانصهرت فيما بينها، لتعطي في النهاية نموذجا لمجتمع جديد متسم بسمات معينة، ذاك هو المجتمع التطواني المتميز.
وإذا ما أردنا الحديث عن المرأة في تطوان، فلا شك أننا سنكون مطالبين بتصفح تاريخ هذه المدينة، حتى نقف على نماذج معينة من النساء، يمكن أن نستنتج من خلالها صورة واضحة للمرأة التطوانية، مع ما يمكن أن يميزها عن غيرها من النساء، فكرا وثقافة واهتمامات وتوجهات.
وبما أن صفحات تاريخ هذه المدينة، حافلة بذكر النساء اللواتي برزن في مختلف المجالات التي تناسب وضعية المرأة وإمكانياتها داخل هذا المجتمع الذي له خصائصه وحيثياته واعتباراته، فإنني سأركز الكلام على بعض هذه النماذج، محاولة أن أبرز أهم الجوانب التي تبدو من خلالها الشخصية التطوانية النسوية بمختلف ملامحها.
ولعل أبرز وأول نموذج للمرأة التي حُفظ اسمها في تاريخ تطوان، هو نموذج تلك السيدة التي كان لها شرف قيادة دواليب الحكم في هذه المدينة، وهي السيدة الحرة ابنة الأمير مولاي علي بن راشد باني مدينة شفشاون، التي كانت زوجة لأحد أفراد أسرة المنظري، حكام تطوان بعد إعادة تأسيسها، ثم كانت زوجة لسلطان المغرب أحمد الوطاسي؛ وقد حكمت هذه السيدة تطوان وناحيتها في أواسط القرن العاشر للهجرة (السادس عشر للميلاد)، فكان ذلك من الطرافة بمكان، وكانت بذلك نموذجا فريدا وغريبا في تاريخ المغرب عامة.
وبوقوفنا عند محطات أخرى من تاريخ هذه المدينة، نتعرف على نماذج أخرى لنساء تطوانيات، قد عرفن بعطاءاتهن في مختلف المجالات، فنذكر من بينهن مثلا: الحافظات لكتاب الله، والمفسرات، والمحدثات، والصالحات، والفقيهات المدرسات، والطبيبات المعالجات، والماهرات في مختلف الصناعات، إلى أن نصل إلى المناضلات من أجل الاستقلال والحرية، والمساهمات في بناء المجتمع الحديث، وإبراز الصورة الحقيقية للمرأة المغربية المعاصرة، التي كان وما زال لها دور في دعم تقدم وازدهار الوطن المغربي ككل.
وهنا أود أن أشير إلى أنني سأتجاوز فترات متلاحقة من تاريخ مدينة تطوان، لأقف بالذات عند فترة بارزة من حياة هذه المدينة، أعطت فيها المرأة عطاء ذا أهمية ملموسة، وهي فترة النصف الأول من القرن العشرين.
وعندما أقول إنني سأقلب فترات الماضي وسأقف عند هذه المحطة بالذات، فإنني لا أرغب في رواية أحداث سنوات خلت وطويت وذهبت بذهاب أصحابها، وإنما قصدي من ذلك هو تسليط الأضواء على دروب شاء القدر أن تكون دروبنا، حيث سار عليها سلفنا، ونسير عليها نحن، وسيسير عليها أبناؤنا، ولهذا فإننا مطالبون حتما بأن نستجلي معالم هذه الدروب، وأن نطلع على خطوات سابقينا فيها، وأن نقف على إيجابياتها وسلبياتها، حتى يكون سيرنا فيها بأقدام ثابتة، وبوعي كامل، وبمعرفة شاملة، لما كان منا وما سيكون، وبذلك يتيسر لنا أن نحدد هويتنا. فلا أقبح في تاريخ المجتمعات من أن يخبط المرء خبط عشواء، جاهلا لهويته، مستهينا بتضحيات أسلافه، سائرا في سبيل مظلم لا يتبين فيه ما وراءه ولا ما أمامه.
حسناء محمد داود









































































PDF 2025


