أدت أزمة جائحة كورونا إلى العديد من الخسائر بجميع أنواعها منذ ظهور أول حالة بالمغرب، سواء كانت هذه الخسائر في الأرواح أو خسائر مادية اقتصادية، كما أثرت بشكل ملموس على الأفراد والمؤسسات معنويا، ما أضفى غموضا على المستقبل السياسي والتشريعي للمغرب، ليطال هذا الغموض مصير الانتخابات التشريعية لسنة 2021 حيث تساءلت بعض الأحزاب السياسية سواء عبر منابرها الإعلامية، أو خلال اجتماعها مع رئيس الحكومة عن مآل الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2021 من أجل الحسم في الجدل الحاصل حول إمكانية تأجيلها، أو إمكانيات أخرى كالتي اقترحها حزب الاتحاد الاشتراكي والمتمثلة في اللجوء إلى حكومة وطنية، مستندا في ذلك على أن اقتراح اللجوء إلى هذا النوع من الحلول، سبق طرحه في مراحل سابقة من تاريخ المغرب السياسي، غير أن مقترح حزب الوردة اعتبره مراقبون مخالفا للمبادئ الدستورية لبلادنا ما بعد 2011، والمرتكزة على الديمقراطية التعددية، حيث ينص الفصل2على أن السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها، فمهما كان الخلل الذي أحدثه فيروس كورونا المستجد فانه لن يصل إلى هذا الحد، أي تعطيل المؤسسات الدستورية، ولا يمكن التخلي عن الأشواط الكبيرة التي قطعها المغرب فيما يتعلق بالديمقراطية، ويكفي العودة إلى الفصل 11 الذي عرف المسلسل الانتخابي كالتالي: الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي.. غير أنه ومع انتفاء وعدم توفر معلومات تخص المستقبل، يجب استقراء الأحداث المتعلقة بالوضعية الوبائية بالمغرب، والتغيرات المقبلة على جميع الاصعدة، قبل اتخاذ قرار يتعلق بمصير الاستحقاقات.
وبعد هذا الجدل الكبير الذي اكتسح الساحة السياسية، أكد وزير الداخلية خلال اجتماعه المنعقد يوم الأربعاء 08يوليوز 2020 مع قادة الأحزاب السياسية، من أجل تبادل الرؤى حول القضايا الأساسية المرتبطة بالتحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، أنه لا مجال للتأجيل وان الاستحقاقات المقبلة ستجري في موعدها المقرر (2021). حيث سيتم خلالها تجديد كافة المؤسسات المنتخبة الوطنية والمحلية والمهنية، من مجالس جماعية ومجالس إقليمية ومجالس جهوية وغرف مهنية، علاوة على انتخابات ممثلي المأجورين، ثم مجلسي البرلمان، وبهذا تكون وزارة الداخلية في شخص وزيرها قد حسمت الجدل، مؤكدة على مرور الانتخابات وفقا لموعدها القانوني كي تتسنى الفرصة لكافة المواطنين في مراجعة اختياراتهم أو التأكيد عليها مرة أخرى.
لقد بعثرت كورونا كل الحسابات وصار من الضروري على الفاعلين السياسيين مراجعة وتعديل برامجهم حسب التحولات التي نشهدها في كافة المجالات، لقد ضربت كورونا البرامج التقليدية للأحزاب عرض الحائط، وصار إجراء الانتخابات أمرا يتطلب مشاريع ومخططات جديدة، تراعي تداعيات الحجر على شرائح المجتمع المغربي، وعلى معيشه واقتصاده.. لقد أشار الفصل السابع من دستور 2011، تصريحا وليس تعريضا بأن إدارة الأحزاب السياسية وتنظيمها يجب أن يأتي مطابقا للمبادئ الديمقراطية، مؤكدا على دورها في تأهيل المشهد السياسي وتخليق الحياة السياسية فإلى أي حد صار هذا ممكنا اليوم؟؟
وإذا كانت الاستحقاقات تأتي كل مرة لتدفع بالحياة السياسية والوعي المجتمعي إلى الأمام، فإنها ستكون أول مرة في تاريخ المغرب يواجه فيها رجل السياسة وضعا كهذا، من فقدان مهول لمناصب الشغل( حسب آخر تقارير مندوبية التخطيط) وتعطل لوحدات إنتاج كبرى، وترتيب لأولويات الأوراش الكبرى، وبنية استشفائية تتطور استثنائيا، فضلا عن منسوب الوعي المتصاعد لدى عموم المغاربة، ما يجعل الأحزاب والقائمين على تدبير وقيادة المشهد السياسي أمام مسؤوليات جديدة وغير مسبوقة، والأكثر من ذلك أمام روح وطنية انبعثت قوية متجددة.
ونظرا للدروس العديدة التي أنعمت علينا بها أزمة وباء كورونا، يمكن أن تكون هذه الأزمة بالنسبة للعديد من المواطنين الحافز من أجل الانخراط أكثر وبموضوعية في عملية الانتخابات، وكذلك السبب الرئيسي في إعادة النظر في اختياراتهم وممارساتهم الانتخابية، والجدير بالذكر أنه مازال يفصلنا عن الانتخابات التشريعية أكثر من سنة، ونحن الآن وبفضل الإرادة القوية للمغرب أفرادا ومؤسسات وباحثين ومختبرات، في طور التغلب على جائحة وباء كورونا المستجد، الشيء الذي سيمنح المغرب مرونة وتدريبا يمكنه من تمرير الانتخابات التشريعية في أحسن الظروف، خصوصا مع تراكمات هذه الأزمة في العديد من التدابير والوسائل الحديثة في التواصل، وأصبحنا قادرين على ضمان استمرارية العديد من المرافق وتأمين الاجتماعات واللقاءات الضرورية عن بعد، وذلك احتراما لتدابير التباعد الاجتماعي المفروضة خلال هذه الأزمة.
إن الإحساس بالمسؤولية الذي جعل الطلبة والتلاميذ على صغر سنهم يلتزمون بمتابعة دروسهم عن بعد، لن يعجز أشخاصا بالغين متمتعين بكامل أهليتهم عن واجباتهم الوطنية، والأكثر من ذلك.. كونهم طامحين إلى تقلد مسؤوليات وأعباء شعب بأكمله، فإن ذلك لن يحول دون إيجاد مداخل لحل المعضلات الكبرى إذا اقتضت الضرورة ذلك، وذلك من أجل تحقيق الأهداف السامية للمواطنة، والتي تعد الانتخابات واجهة لها، ومن أجل غاية مثلى هي ضمان عدم تعطيل مؤسسات الدولة.
- ذة. زينب الخروف محامية متمرنة بهيئة المحامين بطنجة/ باحثة









































































PDF 2025

