“واحة الغروب” رواية لبهاء طاهر هجرة مضادة إلى الصحراء المصرية بحثاً عن علاج الروح والجسد 2/1

” واحة الغروب ” رواية جديدة للكاتب الروائي المصري بهاء طاهر. وهذه هي آخر رواية صدرت له ، نرجو أن تليها أعمال روائية أخرى . فما زالت ذخيرة هذا الكاتب الموهوب زاخرة بالعطاء الأدبي الرفيع. إنها تأتي بعد روائعه : ” شرق النخيل ” ( 1985 ) ؛ ” قالت ضحى ”  (1985) ؛ ” خالتي صفية والدير” ( 1991) ؛ ” الحب في المنفى ”  ( 1995) ؛ ” نقطة النور ” ( 2001 ) والحقيقة أن جميع هذه الأعمال الروائية تدخل في باب الأدب الراقي الإنساني العميق الجيد . فشخصيا أعتبر أن كل ما خطته يد هذا الفنان الرقيق المبدع من كتابات روائية كلها جيد بدون استثناء. ولم يكن د. علي الراعي مبالغاً حين وصف إحدى رواياته وهي “الحب في المنفى” بأنها “كاملة الأوصاف ” وهي مثلها مثل بقية رواياته تعد علامات مضيئة في مسيرة الرواية المصرية المعاصرة. والأمر يرجع إلى إحساس الكاتب بمسؤوليته أمام الكلمة ، وإيمانه بقداسة الكتابة ، فهو يخضعها لعين ناقدة متفحصة قبل أن ينشرها على الملأ. وهنا يذكرني بهاء طاهر بالشاعر المغربي المجيد أحمد المجاطي رحمه الله الذي ترك ديواناً واحداً بعنوان ” الفروسية “. ولكنك لا تجد بين دفتيه قصيدة واحدة تقول عنها إنها قصيدة بين بين من حيث الجودة . كل قصائد الديوان جيدة. وكل كلمة في موضعها الذي وضعها فيه صاحبها. لا يمكن أن تستبدل بكلمة كلمة  أخرى ، أو بعبارة عبارة أخرى. وإلا اختل البناء وانهدم. وهو القائل: ” تسعفني الكأس ولا تسعفني العبارة “.  ثمة شعراء ما زالوا ينتمون إلى تلك المدرسة الشعرية القديمة ، مدرسة أوس بن حجر وزهير وكعب بن زهير أصحاب الحوليات أو الشعر المحكك . ولكنهم للأسف قلة قليلة.  والرواية نفسها لها أصحابها من كتاب الحوليات أو الرواية المكتوبة بكثير من الصرامة والأناة وأخذ النفس على الجهد من أجل الإجادة والإتقان. وأعتبر أن من هؤلاء الروائي الكبير بهاء طاهر وزميله القادم من عالم الهندسة المعمارية إلى عالم الهندسة الروائية محمد عبد السلام العمري ( الجميلات عمل روائي قضى صاحبه في كتابته خمس سنوات)

بهاء طاهر يخرج علينا هذه السنة بروايته الجميلة “واحة الغروب” مستكملاً مشروعه الروائي  الناجح ، ممتعاً إيانا بأدبه الإنساني الرفيع الذي بتنا نفتقر إلى مثله في عالم لا يسوده إلا مظاهر الرداءة على مختلف الأصعدة .

تتألف الرواية من قسمين :

القسم الأول : يتضمن ثمانية فصول يعنون المؤلف أغلبها باسمي شخصيتيه الرئيسين :

” محمود ” و ” كاثرين ” باستثناء الفصلين الخامس ، فيعنونه باسم الشيخ يحيى ، والثامن يعنونه باسم الإسكندر الأكبر.

القسم الثاني : يتضمن عشرة فصول وخاتمة ، يقدم فيها المؤلف لقارئه المصادر والمراجع التي اعتمدها في كتابة روايته. والفصول في هذا القسم كنظيره السابق معظمها معنون باسم الشخصيتين الرئيسين المذكورتين آنفاً عدا فصلين هما : الثاني عشر والثالث عشر. أما الأول فيعنونه باسم ثلاث شخصيات : “كاثرين” ـ “محمود” ـ ” الشيخ يحيى”، وأما الثاني ، فيسميه باسم شخصية الشيخ صابر. وهاته الشخصيات التي اتخذ المؤلف أسماءها عناوين لفصول الرواية ، هي التي ستتولى بالتناوب مهمة السرد مستخدمة ضمير المتكلم ، كل شخصية من زاويتها الخاصة.

والرواية غنية بالأحداث والشخصيات ، كما تعالج العديد من القضايا الهامة في حياة المجتمع العربي ، وسنحاول أن نقارب هذا العمل السردي الجميل تيماتياً وبنائياً كما يلي :

ارتبط السارد ـ المشارك محمود بمجموعة من النساء :

كاثرين : زوجه الإيرلاندية المهتمة بالبحث في الآثار الفرعونية والمترجمة للنقوش المحفورة على جدران بعض المعابد خاصة في “واحة سيوة” لتثبت نظريتها التي مفادها أن  قبر الإسكندر الأكبر يوجد بهذه الواحة .

فيون : شقيقتها الجميلة العليلة التي ما قصدت الواحة والصحراء إلا من أجل الاستشفاء من ضيق التنفس والأزمات التي يتكرر حصولها في الأجواء الرطبة في بلادها .

نعمة : الأمة التي اشتراها أبو محمود طفلة وتربت معه في بيتهم . ثم عندما أصبحت شابة صارت عشيقته وحبيبته التي تركت آثاراً عميقة في نفسه لدى اختفائها من البيت . لقد ظلت ذكرى من أجمل الذكريات في حياته . وهي المرأة التي أحبها حباً خالصاً صادقاً من بين النساء اللواتي تعرف عليهن ، وكانت له بهن رابطة من الروابط .

مليكة : الفتاة السيوية ( نسبة إلى واحة سيوة) التي ذهبت ضحية التقاليد القاسية في مجتمع واحتها ، باعتبارها أرملة . حيث إن الأعراف تحكم على الأرملة بعدم الخروج من بيتها إلى أن تكمل عدتها الشرعية . وتعتبر غولة إن خرجت تجلب على أهلها وسكان الواحة الشر والوبال. فيحرق الزرع  والبيوت ،  ويتعرض الأطفال للأمراض المميتة ، وتسقط الأشجار المثمرة ، وتحل بها عموما كارثة من الكوارث ، يصير قتلها ضرورياً ومشروعاً لأهل قريتها ، و ذلك لكي يدفنوا شرها معها .

إن السارد ـ المشارك محمود ترك حادثة موت مليكة مبهماً،  يتأرجح بين انتحارها ردَّ فعل على هذه التقاليد التي تقيد حرية المرأة ليس لأي ذنب إلا لأنها أصبحت أرملة ، وهو أمر لا يد لها فيه ، أو قتلها من لدن أهل ” سيوة ” الجهلاء.  بيد أن السارد ـ المشارك محمود ظل موزعاً بين امرأتين اثنتين من بين النساء اللواتي تم ذكرن آنفاً :

1 ـ كاثرين  : التي صاحبته إلى واحة “سيوة” بجسدها ، و” نعمة ” المرأة التي لم تفارقه عمره كله . تزوره في أحلام النوم وأحلام اليقظة (انظر ص : 109) وتعيده إلى أيام البراءة والأعياد. إن” نعمة السمراء” ترمز إلى الشرق وحضارة بلاد النيل . لقد ” اكتسبت اسمها من لون بشرتها الناعمة الخمري الرائق كلون النيل أيام الفيضان ” ( ص : 109) . أما “كاثرين: فهي رمز الحضارة الغربية المادية المعجبة بالآثار الفرعونية وبباني الإسكندرية ( الإسكندر الأكبر) ، إنهما تمثلان الصراع بين الجسد والروح ، بين قيم الشرق ، وقيم الغرب “فكاثرين” مع محمود بجسدها ، أما “نعمة السمراء” ، فمعه بطيفها وبروحها الهائمة في أحلامه .. لقد عاشا معاً طفولتهما وشبابهما .اشتراها والده الثري من سوق الجلابين . وحين شبا عن الطوق فجر محمود في جسدها الناعم غرائزه . وكانت فضلا عن ذلك شهر زاده التي تحكي له حكايات غريبة عن الملوك الشريرين والطيبين ، وهو واضع رأسه فوق فخذها. “كبرنا معاً، وبقيت “نعمة” في البيت حتى بعد إفلاس أبي” (ص : 110 ) ، ولكنها ذات يوم هربت ولم يعرف طريقها.كانت “نعمة” المرأة التي أحبها كما لم يحب سواها ، ولكنه لم يكتشف الأمر إلا بعد فوات الأوان (انظر ص : 112) .يقول محمود : ” كانت صاحبتي وكانت تردني بحكاياتها طفلا وتستردني بالعشق رجلاً”. ( ص : 112)

الرحلة المضادة :

إذا كانت رحلة بطل” الحي اللاتيني ” لسهيل إدريس ، تتجه نحو الغرب الأوروبي : فرنسا ليتابع دراسته العليا قصد الحصول على الدكتوراه في الأدب العربي ، فإن رحلة محمود بطل “واحة الغروب” لبهاء طاهر تأخذ طريقها إلى الصحراء بمصر وإلى واحة “سيوة” على وجه التحديد ، وذلك بهدف القيام بجمع الضرائب من أهالي الواحة المتعنتين. وإذا كان هاجس البطل الشاب في الرواية الأولى هو المرأة ، وإشباع النزوات منها، والتحرر من مكبوتات الإنسان الشرقي ، فإن الشخصية الرئيسية في الرواية الثانية ، قد اصطحب معه زوجه كاترين ثم لحقت بها شقيقتها فيون العليلة، وهما تمثلان الإنسان الغربي العاشق لروحانية الشرق ، الباحث عن أسراره وعالمه العجائبي .

هل هي هجرة مضادة نحو أعماق الصحراء المصرية في الشرق العربي بحثاً عن علاج الروح والجسد ؟ . فكاثرين ببحثها عن الحقيقة : ما يوصلها من نقوش ورسوم في معابد الواحة إلى معرفة مدفن الإسكندر الأكبر الذي تضاربت النظريات في مكان دفنه . “الحقيقة أن كاثرين في بحثها عن الآثار الفرعونية وعن مدفن الإسكندر، إنما تبحث لحياتها عن معنى” ( ص : 136 ). وفيون شقيقتها العليلة لجأت إلى الصحراء لعلاج مرضها الصدري المزمن بالطرق الطبية الشعبية العتيقة ، وباستنشاق هواء الصحراء الجاف النقي بعد أن يئست من الطب المعاصر في وطنها. هل يود المؤلف أن يقول لنا هنا إن الشرق واحة الروح الخالدة ( الغروب عند قدماء المصريين يعني الخلود ) ، ومدفن للأجساد الفانية ذات النفوس الجميلة الرقيقة المؤمنة بالروحيات التواقة إلى آفاق الخلود بدورها؟ جاء في أحد الحوارات بين محمود ورئيسه المتعاطف معه لدى تكليفه بمهمته الشاقة في قلب الصحراء : ” قال لي الأميرلاي سعيد صدقني أنني من ناحية أحسدك لأنك ذاهب إلى الصحراء ، جنة الأنبياء والشعراء..إليها يفر كل من يترك الدنيا لكي يجد نفسه ، وفيها تورق الأنفس الذابلة ، وتزهر الروح.” ( ص : 54 )

أزمة السارد ـ المشارك محمود :

يبدو أن محموداً نفسه أراد أن يكون مدفنه في ” واحة سيوة ” الجنة الصحراوية لكي يتطهر من آثامه ، ويتخلص من أزمة ضميره ليعانق آفاق الخلود ، فيقرر أن ينسف المعبد المشؤوم بعد أن تعرضت فيه زوجه كاثرين للرجم من لدن الأهالي أثناء قيامها بالبحث فوق جدرانه وترجمة ما بها من نقوش ورسوم بهدف الوصول إلى نظرية كون الإسكندر الأكبر كان مدفنه في هذه الواحة، بينما كان الأهالي يظنون أنها إنما تتسلل  إلى  المعبد بحثاً عن الكنوز المخبوءة  في أحشائه . وهكذا لقي محمود حتفه بسبب الشظايا المسنونة التي كانت تتطاير بعد أن زرع في كل زوايا المعبد أصابع الديناميت . فمات محمود أو انتحر ، ونسف المعبد الذي يمثل رمز الفعل الإيجابي للأجداد العظام ، وكأنني بالكاتب هنا يوجه دعوة حارة إلى أبناء مصر اليوم للنهوض من جمودهم ، وعدم الركون إلى التغني بالأمجاد الغابرة التي خلفها أجدادهم الذين شيدوا حضارة إنسانية عريقة متحدية الموت والفناء ، راسخة في شموخ في عالم الخلود. ويرى أحد الباحثين أن تدمير المعبد إنما كان بهدف قتل الماضي ـ الأب ، ذلك أن الأب أقام مجداً في التاريخ السحيق ، فتح بلاداً ، بنى أهراماً ثم رقد يراقب أولاده وأحفاده بتيقظ .. وهم يحنون إليه ، ويشكون إليه هزائم الحاضر ، ولا يجدون إلا الأب ـ الماضي ظهراً لهم يتكئون عليه ، ويتوعدون المستقبل بمجد لايقل عن مجد أبيهم التليد.

إن شخصية محمود  في الرواية تمثل الإنسان المأزوم المهزوم ، الذي يوبخه ضميره باستمرار عن سلوكات مارسها في حياته رآها تتسم بالجبن والخيانة . تقول كاثرين في أحد المنولوجات : ” لكن محمود يتلهف على الأسباب التي تجعله تعيسا.” ( ص : 138) . ويقول محمد السيد إسماعيل : ” أما رواية ” واحة الغروب ” ، فهي تعرض لسنوات ما بعد الثورة العرابية من خلال تصوير أزمة بطل الرواية ملازم شرطة محمود عبد الظاهر ، وعلاقة التوتر والسخط المكتوم بينه وبين قياداته الإنجليزية ، وصراعه النفسي بسبب كراهيته لهم واضطراره الانصياع لأوامرهم وتنفيذ سياستهم.”  بيد أن موت البطل أو انتحاره في آخر الرواية ،  ليس له دلالة اليأس والعدمية تجاه واقع الهزيمة وسيادة الخيانة والخزي إن على المستوى العام أو الشخصي ، بل إن له دلالة أخرى مفادها الدعوة إلى تغيير هذا الواقع الأليم . يقول الكاتب: ” لا أرى أن رسالة الرواية رسالة يأس إطلاقاً ، بل اعتراض على الواقع ، وليس مطلوباً مني أن أجمل واقعاً مريضاً ، أو أنشر رسالة أمل زائفة ، بينما لا أجد فيه ملامح الأمل ، وأعتقد أن هذه رسالة الأدب عموماً”.

 

 

د.عبدالجبار العلمي

عن Romaisae

شاهد أيضاً

التناص مجالات وتطبيقات

– في العالم العربي: ا- في الجزائر؛ الأستاذ إبراهيم رماني: لا شك أن هناك عددا …

البلاغة القانونية والقضائية ترجمة: محمد مشبال وعبدالواحد التهامي العلمي

نشأت البلاغة في خضم المحاكمات قيد التداول، ولكل مقام مقال: إذ سيخصص هذا الفصل للبلاغة …

المسرح الاستعراضي بشفشاون: مع الأستاذ أحمد قصري 2‪/‬2

واختيار المخرج لأحمد قصري منشداً، يعود ـ حسب هذا الأخير ـ إلى إعجاب المخرج بصوته، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: