يبدو أن أستاذ “الكوليج دوفرانس” عبدالفتاح كيليطو مصرٌّ على أن يجعل قارئه يعيش باستمرار حيرةً تجاه ما يكتب. فبعد كتابات عديدة أسس من خلالها أسلوباً، لا يتقنه إلا هو، أصدر في السنوات الأخيرة كتاباً بالفرنسية يحمل عنواناً مُرْبِكاً «أتكلم جميع اللغات لكن باللغة العربية» عن دار النشر الباريسية «أكت سود» 2013، ترجمه إلى العربية عبدالسلام بنعبد العالي ضمن منشورات دار توبقال خلال السنة نفسها.
والكتاب عبارة عن مقاربة «فلسفية» لفهم اندماج بنيات اللغة العربية المكتوبة والمنطوقة والمفكَّر فيها باللغات الأخرى، على النحو الذي يجعل آثارها جليّة في النصوص، سواء على مستوى التمثُّل النظري، أو التركيب النحوي، أو الصيغ التعبيرية الشفاهية الدارجة، مثيراً بذلك أطروحة «لسانية» تتغيا تأكيد استحالة ممارسة فعل الكلام من خارج مؤثر “الهوية اللغوية”
وهكذا يتضح أن الإنسان العربي، وهو يتقمص لساناً مغايراً، لا يقوى على التملُّص من ضغوطات لغته الأصلية التي تلقّاها مكتوبة أو عبر المشافهة اليومية خلال مراحل حياته المتعاقبة.
من جانب آخر يوضِّح عبدالفتاح كيليطو، من خلال اشتغاله على نصوص متنوعة أجناسياً، أن الكائن البشري متعدِّد النزوع اللغوي حتى في الحالة التي يتصوَّر فيها نفسه أنه لا يتقن إلا لغة واحدة. «فاللسان المفلوق» في الثقافة الهندية إشارة سيميائية إلى البعد المزدوج ولربما المتعدد في صفة الكلام.
يؤكد كيليطو في كتابه على أن اللغة الأم (العربية) مصونة داخل مؤثراتها الجغرافية، شرق/غرب، و مؤثراتها الإثنية، عربي/ أمازيغي، و مؤثراتها الثقافية، فرنكفوني/ إسبانوفوني/انجلوساكسوني. إلى درجة أننا عندما نقرأ نصاً يصبح بإمكاننا التعرف إلى «هويات» كاتبه اللغوية.
قد يكون هذا الأمر صعباً في حالة المكتوب، فغالباً ما ينجح المخطوط باليد في جعل مستعمل لغة أجنبية يتلافى النبرات الشاذة أو اللفظ الملتوي أو حتى النظرة وسمات الوجه.
إن التعدد اللغوي على الرغم من أنه قد يواجَه بنوع من العداء، باعتباره تهديداً للهوية اللغوية، يظل منطوياً على كثير من المنافع الجليلة. يقول عبدالفتاح كيليطو:
إن الترجمة (باعتبارها احتكاكاً لغوياً) قد أنقذت الأدب العربي، وساهمت في تجديده، وذلك بالانفتاح على أجناس أخرى جديدة، وارتياد أشكال للكتابة لم يسبق لها مثيل. كما أنها ساهمت في بعث روح جديدة في اللغة العربية
وهذا ما يؤكده الشاعر الألماني “غوته” بقوله «ينتهي كل أدب بأن يملّ نفسه، ما لم ينعشه إسهام أجنبي.









































































PDF 2025

