- حديثنا الفكري في هذه الحلقة عن رِحْلةٍ مشرقيّةٍ لأحد أشهر الفقهاء الرّحالة بالغرب الإسلامي، عن رحلةِ فقيهٍ يقول فيه الحافظ الذّهبي في «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام»: ” كان أحد من بلغ رتبة الاجتهاد، وأحد من انفرد بعلوّ الإسناد”، وعن قاضٍ: “نفع الله به لصرامته ونفوذ أحكامه”، وعن رحّالةٍ يقول فيه المقّري في «أزهار الرياض»: “قَدِم إلى إشبيلية بعلمٍ كثيرٍ”، إمام قيل فيه كثيراً كثيراً، وعن رحلته أكثر وأكثر.
- شغل الناس في حياته وبعد مماته، وأشعلتْ مُصنّفاته وآراؤه نقاشاً محتدماً لا تزال أصداؤه تجوب آفاق عصرنا الحديث، فكان أجدر بقول أبي الطّيب:
أنا الذي نَظَر الأَعْمَى إلى أدبي** وأسمعتْ كَلماتي مَنْ به صَمَمُ
أنـــــامُ مِلءَ جُفُوني عن شواردها** ويَسْهرُ الخلقُ جَرّاها ويختــــصمُ
يتعلّق الأمر بالإمام العلّامة الحافظ القاضي المالكي، دفين مدينة فاس أبي بكر محمّد بن عبد الله بن أحمد بن العَربيّ الــمَعَافرِيّ الإِشْبِيلِيّ (543-468هـ).
- الفقيهُ الرّحالةُ الذي يعتبره كراتشكوفسكي في «تاريخ الأدب الجغرافي العربي»: أوّل واضع لأسُس أدب الرّحلة، حيث أشار إلى ذلك بقوله: ” فأوّل من وضع الأساس لهذا الفنّ حسب علمنا، وكان ذلك قبل نصف قرن من ابن جبير، هو الفقيه أبو بكر محمد بن العربي”، ومن ثَمّ لم يكن مستغرباً أن يُصَدِّرَ به وبرحلته المرحوم الدكتور عبد الهادي التازي كتابه: «رحلة الرّحلات: مكّة المكرمة في مائة رحلة مغربية ورحلة».
- حلاّه تلميذه أبو القاسم ابن بشكوال في «الصّلة» بقوله:” الإمامُ العالمُ، الحافظُ المستبحر، ختام علماء الأندلس، وآخر أئمّتها وحُفّاظها، من أهل التّفنّن في العلوم، والاستبحار فيها والجمع لها، متقدّماً في المعارف كلّها، متكلّماً في أنواعها، نافذاً في جميعها، حريصاً على أدائها ونشرها”، وحلاّه الحافظ الذّهبي في «سير أعلام النبلاء»، ب: “الرّئيس المحتشم، ثاقب الذّهن، عذب المنطق، كريم الشّمائل، كامل السّؤدد، أدخل إلى الأندلس إسناداً عاليّاً، وعلماً جمّاً”.
- تربّى القاضي أبو بكر بن العربي في بيت علم ورئاسة، فأبوه كان من فقهاء وزعماء إشبيلية، “ومن أهل الآداب الواسعة، واللغة والبراعة والذّكاء، والتّقدم في معرفة الخبر والشعر، والافتتان بالعلوم وجمعها، وكان من أهل الكتابة والفصاحة واليقظة، ذا صيانة وجلالة”، كما قال عنه في «الصّلة»، و”كانت له مكانة ورياسة في بلاط المعتمد بن عبّاد”، كما يقول عنه القاضي عياض في «الغنية».
6.نشأ نشأةً علميّةً منذ مراحل مبكّرة من حياته، وأُشرب في قلبه حبّ العلم، والاهتبال بشأنه جمعاً وتحصيلاً ورحلةً، كما كان صاحب ذكاءٍ وفطنةٍ ونبوغٍ وحرصٍ، وقد استغلّ أبوه هذه الميزات في شخصيّته فرتّب له من العلماء من يقومون بتعليمه وتدريسه، يقول -رحمه الله- في مقدّمة «القانون»: ” وكان من حسن قضاء الله أنّي كنت في عنفوان الشّباب، وريّان الحداثة، وعند ريعان النشّأة، رتّب لي أبي-رحمه الله- معلّماً لكتاب الله حتّى حذقتُ القرآن في العام التّاسع، ثُمّ قَرَن بي ثلاثة من المعلّمين، أحدهم لضبط القرآن بأحرفه السّبعة التي جمعها الله فيه، والثّاني لعلم العربية، والثّالثُ للتّدريب في الحسبان، فلم يأت عليّ ابتداء الأشدّ في العام السّادس عشر من العدد، إلا وأنا قد قرأتُ من أحرف القرآن نحواً من عشرة، وقد جمعتُ من العربية فنوناً، وتصرّفت فيها تمريناً”.
- أمّا برنامج دراسته واستعمال زمانه، فكان يبدأُ مباشرةً بعد صلاة الصّبح إلى آذان العصر، ولم نجد القاضي أبا بكر بن العربي وهو تلميذٌ طريّ العود، يشتكي من معاناة نفسيّة أو مشاكل تربويّة نتيجة افتتاح دروسه العلميّة عقب صلاة الصبح، “يتعاقبُ عليّ هؤلاء المعلّمون من صلاة الصّبح إلى آذان العصر، ثمّ ينصرفون عنّي، وآخذ في الرّاحة إلى صبح اليوم الثاني، فلا تتركني نفسي فارغاً من مطالعةٍ أو مذاكرةٍ أو تعليق فائدةٍ، وأنا بغرارة الشّباب أجمع من هذه الجمل ما يجمُل وما لا يجمُل، والقدرُ يُخبّؤها عندي للانتفاع بها في الرّد على الملحدين، والتّمهيد لأصول الدّين”.
- كان لهذا المسلك التّربوي الذي سلكه ابن العربي الأب مع ابنه وحسن اختياره للأساتذة والمعلمين الذين يشرفون على تدريسه وتهذيبه أثره النافع في تكوين شخصيّته العلمية والفكرية التي سيكون لها ما لها، وقد أشار علاّمة طنجة الكبير سيّدي عبد الله كنون في «ذكريات مشاهير رجال المغرب» إلى هذا الجانب المهمّ في العمليّة التربوية بقوله:
9.” وقد كان هذا هو سرّ نجاح أسلافنا وبلوغهم أقصى الغايات في العلوم والمعارف، حيث كانوا لا يَكِلُون تعليم أبنائهم إلا إلى كبار الأساتيذ الرّاسخين في العلم، فسرعان ما تظهر نجابتهم ويبدو تحصيلهم، ولــمّا صار التّعليم حرفةً يتعاطها كلّ من هبّ ودبّ، وصار أنصاف المتعلمين يعدّون أنفسهم من كبار الأساتيذ قلّ التّحصيل وانعدم النّفع، وصارت البلاد إلى ما هي عليه من توطّن الجهالة وغربة العلم، ولا حول ولا قوة إلا باللّه”.
- رجعٌ؛ تَوّجَ ابنُ العربي مساره العلميّ والدّراسيّ برحلة إلى بلاد المشرق، سنة: (485هـ)، تُكلّم كثيراً في أسبابها وغاياتها، أدينيّةً كانت أم علميّةً أم سياسيّةً؟، خصوصاً إذا أخذنا في عين الاعتبار أنّ ابن العربي (الإبن)، كان بصبحة ابن العربي (الأب)، وفي ظلّ تقلّباتٍ سياسيةٍ كبرى كانت تشهدها أرض الأندلس حينها.
- وقد أجمل لنا المرحوم الدكتور عبد الهادي التّازي الغاية من رحلتهما بقوله: ” تحدّث النّاس كثيراً عن رحلة الإمام أبي بكر بن العربي الذي رحل إلى المشرق في مهمّتين اثنين على ما يتأكّد، الأولى: سياسية، وهي السّفارة لدى المستظهر بالله العبّاسي من لدن يوسف بن تاشفين، والمهمّة الثّانية: القيام بفريضة الحجّ وما يصحبها من طلب العلم، ولقاء الرّجال أخذاً وعطاءً “. يتبع…
د. محمد شابو









































































PDF 2025


