1.” هكذا نرى النفوس الكبيرة غير واقفة عند حدٍّ من المعرفة، بل هي دوماً وفي كلّ اللّحظات طموح إلى مزيد الاغتراف والكرع من ينابيعها التي لا يجفّ لها معينٌ طالما وجدت وارداً، دفعتهم فضيلتها للملازمة في صدق وجدّ، ومن آية ذلك كتابه: «الزّاوية الدّلائية» الذي كان موضوع رسالته-لدبلوم الدّراسات العليا-، كتابٌ حقّق جانباً مهمّاً من حياة تلك الزّاوية العلمية أو الدّولة بعد، وما لعبته من أدوار في الحياتين علميّاً وسياسيّاً “. بهذه الكلمات النّيرات علّق العلاّمة المرحوم عبد الله الجراري عن النّتاج الفكريّ والعلميّ لعلاّمتنا محمد حجي، وبهذه الجمل الرّائقة عبّر عن إعجابه بجهوده الفكريّة، وهو الذي ترجم له ترجمة ضافية في «التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين».
- الحديث عن الجهود الفكرية لمحمد حجي هو حديث شاسع، ومتسم بالشمولية والموسوعية، موسوعية أعماله الفكرية والتاريخية والصوفية والفقهية، فالحديث عنها حديث يكلّ فيه اللسان، ويتعثّر فيه البيان، وتجفّ دونه الأقلام، وليس ذاك فحسب؛ بل ويحتاج إلى بذل الكثير من المجهود لإبراز هذه الجهود، فإنّ جهوده لشتّى، وقد تنوّعت لتشمل التأليف، والتحقيق، والتدريس، والتأسيس، والتسيير، والتدبير.
- انضوت الجهود الفكرية المتعلّقة بالتأليف والتحقيق لدى علاّمتنا محمد حجي تحت مشروع علميّ مرتبط بتاريخ المغرب في بعده الفكري، ولم يكن كتاب «الزّاوية الدّلائية» إلاّ مرآة عكست هذا الاتجاه، وربّما كان من جميل الأقدار أن يكون كتابه هذا أوّل رسالة جامعية تنشر بالمغرب، مدشناً بذلك الحضور الصوفي في الدّرس الجامعيّ المغربيّ، فقد اختصّ علاّمتنا كما تقول -الأستاذة نفيسة الذّهبي-: ” بالرّيادة في تاريخ المغرب الحديث، ودشّن المرحلة الأولى من البحوث الجامعية بدراسته النموذجية حول الزّاوية الدّلائية قبل أن ينصرم العقد الأول من سنوات الاستقلال (1963م)، وتتبّع بقلمٍ سيّال، وذهن ثاقب سير أعلام الفكر المغربيّ، فكتب عن الإنتاج والإبداع والعلاقات، وعرّفنا بفصول من الحياة التعليمية، وبأمثلة من القضايا التي خاض فيها المثقفون آنذاك”.
- لم يكن اختيار محمد حجي الاتجاه الفكريّ من تاريخ المغرب موضوعاً للبحث والدّرس اعتباطاً، أو قائماً على الاختيار الارتجالي، وإنّما أطّرته رؤية منهجية وتصوّر موضوعي، خلاصتهما: أنّ التاريخ المغربيّ بالدّرجة الأولى؛ هو تاريخ حضارة وفكر، وثقافة، وتراث، وهويّة، ومجتمع، وأعلام، وصلحاء، وجوامع، وزوايا، ومدارس، قبل أن يكون أحداثاً سياسية، ومعارك قتالية، وتقلبات وانقلابات، يقول علاّمتنا: ” عندما تحوّلت من الأدب إلى التّاريخ وبدأت أدرسه وأشتغل به وأقرأ، كان كلّ ما أقرأه هو السّياسة، فكنت أبحث هل التّاريخ هو عبارة عن أحداث سياسية وقتال، وفلان توّلى وفلان انتهى؟ غير أنّي كنت ألاحظ أنّ هناك جوانب لا أجد فيها إلاّ إشارات خفيفة أثارت اهتمامي… كنت أضع علامات استفهام عن الزّاوية الدّلائية، لهذا بعد أن قمت بدراسة بسيطة في شهر أو شهرين تبيّن لي أنّ هناك مادّة، وأنّ الزّاوية عبارة عن مركز قام بدور ثقافيّ وحضاريّ”.
- وحتّى تبرز هذه الجوانب، وتتّضح الرؤية، ويتبيّن الموضوع، كان لا بدّ من العكوف على القراءة والتحصيل لمصادر وموارد هذا الفكر في شقّه المطبوع والمخطوط والعربيّ والأجنبيّ، والمتعلّق بكتب الرّحلات والنّوازل والتّراجم والفهارس، ولذلك نجد علاّمتنا يصرّح بأنّه راجع في بحثه أكثر من مائة مرجع ما بين عربيّ وأجنبيّ، أكثرها مخطوط، وعلى رأسها تلكم المرتبطة بموضوع الزّاوية ارتباطاً مباشراً كأرجوزة: «حدائق الأزهار النديّة في التّعريف بأهل الزّاوية الدّلائية» لمحمّد بن أبي بكر اليازغي، و«نزهة الأخيار المرضيين في مناقب العلماء الدّلائيين»، لعبد الودود بن عمر التّازي، بالإضافة إلى كتاب: «البدور الضّاوية في التّعريف بالسّادات أهل الزّاوية الدّلائية» لأبي الرّبيع سليمان الحوّات.
- لكتاب «البدور الضاوية» ارتباط بعلاّمتنا محمد حجي، فقد أشار عليه الأستاذ المرحوم محمّد إبراهيم الكتاني في بداية الأمر باختيار تحقيقه موضوعاً لنيل دبلوم الدّراسات العليا، وهي الإشارة التي يبدو أنّها لم تصادف هوىً حينها في نفس علاّمتنا، يقول: ” فلمّا فاتحته-ويقصد محمّد إبراهيم الكتّاني- في الأمر؛ أشار عليّ بديهة بكتاب «البدور الضّاوية في التّعريف بالسّادات أهل الزّاوية الدّلائية» لسليمان الحوّات، أعجبني الموضوع وقبلته على الفور، وأخبرت به أستاذي الدكتور إبراهيم حسن إبراهيم-رحمه الله- وتمّ تسجيل موضوع الزّاوية الدّلائية بكليّة الآداب بالرّباط، وكانت النّية متّجهة في البداية إلى تحقيق «البدور الضّاوية»-باقتراح من الأستاذ الكتّاني- إلاّ أني عدلت عن ذلك لأسباب.
- ومن الأسباب التي أشار إليها أنّه كان حديث عهد بالمخطوطات حينها، وقد يكون هذا سبباً مقنعاً، لكن؛ هل كان مثل هذا العمل صعباً وشاقّاً على شخص بقيمة العلاّمة محمد حجي؟ ألم يكن ليعتبره نواة جهوده في التحقيق وبداية مشوراه في هذا المجال، وهو الذي كان بصحبته وفي دائرة مقرّبيه كبار أعلام التحقيق؟ وهو العالم الذي حقّق فيما بعد العشرات من المخطوطات النادرة، وأصبح التراث المغربيّ المحقّق على يديه مديناً له بالفضل؟ هذه الأسئلة دفعتني لتلمس سبب آخر قد يكون وراء عدوله عن فكرة تحقيق «البدور الضاوية».
- لربّما يبدو السّبب الأهم الذي جعل علاّمتنا محمّد حجّي يعدل عن فكرة التّحقيق للكتاب المذكور -رغم إلحاح الأستاذ المرحوم محمد إبراهيم الكتاني عليه في ذلك وقوله له: “إنّ تحقيقه دين عليك”- هو موقفه من الكتاب الذي برأيه حاد فيه صاحبه عن الموضوعية في تعاطيه للأحداث التاريخية من جهة، ومبالغاته المناقبيّة في سياق ترجمته لأعلام زاوية أهل الدّلاء من جهة أخرى، وهذا الموقف يدعونا لاستحضار الحسّ النّقدي لدى علاّمتنا، وهو الشّخص العالم المؤرّخ النّاقد الذي تشبّع بمنهجية البحث التاريخي وظهر أثر منهجه في أبحاثه ومقالاته التي ناهزت خمسة وسبعين مقالاً، ويعتبر أيضاً “من الأوائل الذين خاضوا غمار التّفكير في المنهج، ويمثل انطلاقة المدرسة المغربية التي تجاوزت التّقليد والسّرد العام للوقائع لتصل إلى مستوى التدقيق والإلمام بالظرفيات والمؤثرات” بتعبير الأستاذة الذّهبي.
- لذلك؛ نستظهر هذا السبب في سياق حديثه عن هذا الكتاب بأسلوب نقديّ، وكأنه يبرّر إحجامه عن تحقيقه بقوله : “هو أجمع كتاب لأخبار الدّلائيين، يقع في أكثر من ستّمائة صفحة، استقى مؤلّفه أخبار الزّاوية وأهلها من والده الذي تتلمذ للدّلائيين، وأحاط بكلّ ما قيل فيهم أو كتب عنهم، لكن؛ عيب «البدور الضّاوية» أنّ مؤلّفه لم يأت ببحث موضوعيّ كمؤرّخ محايد يستهدف الحقيقة لذاتها حسنةً كانت أم قبيحةً، ولا يتردّد في الحكم على من يؤرّخ لهم متى استلزمت نتائج البحث ذلك، وإنّما كان يعنيه أن يذكر محاسن الدّلائيين دون مساوئهم، فهم جميعاً عنده صلحاء نزهاء، وأيّ بشر سلم من النقص والخطأ؟ هذا بالإضافة إلى حشو الكتاب بكثير من الأساطير والكرامات المبالغ فيها، والسير على نهج المؤلّفين القدماء في التحلية بالألقاب الرفيعة الرتيبة التي قد تستغرق نصف صفحة أو أكثر بحيث يصعب العثور على اسم الشخص الذي يترجم له، ثمّ لا يفيد الباحث شيئاً من عبارات الإطراء المنمّقة التي تتكرّر في كلّ ترجمة ولا يتبدّل فيها إلا التّرتيب والسجع”.
- كان الدافع الأساسي لعلاّمتنا محمد حجي في اهتمامه بموضوع الزّاوية الدّلائية أنّها كانت مركزاً تعدّى تأثيره الدّور الطبيعي لمؤسسة الزّاوية، ومن ثمّ كان موضوعه دراسةً “للحركة الصوفية، وتلمساً للتأثير الذي كان لرجال الصلاح وللمؤسسات الدّينية على المجتمع المغربي خلال هذه المرحلة، ومن ذلك مثلاً تجاوز الصّوفية للدّور الوعظي ودخولهم في قلب المشاركة الفعلية من أجل صيانة وحدة الدولة المغربية”.
- يقول عن سبب هذا الاختيار: ” اخترت (الزّاوية الدّلائية) موضوعاً لبحثي نظراً لما قامت بهذه الزّاوية من أدوار هامّة في تاريخ المغرب في ميادين الدّين والعلم والسّياسة، ولا سيّما في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) في تلك الفترة المضطربة التي تقع بين الدّولتين السّعدية والعلويّة”، وهي التي قامت بدور عظيم في احتضان العلوم الإسلامية والحفاظ على اللغة العربية وقاعدها وآدابها.
يتبع…
د. محمّد شابو









































































PDF 2025


