- منطلق هذا الحديث ونحن في سياق إبراز مظاهر التصّوف وملامحه في شخصية فقيهنا العلّامة محمد بن الحسن الحجوي كلام للدكتور عبد الصمد غازي الذي يقول فيه: «يُمثّل الحجوي نموذج العالم الذي لم يُعلن عداء سافراً للتّصوف، ولا تحمساً للدّفاع عنه في نفس الآن، بل بقي في وضع المتُحير».
- وهذا ما تمت الإشارة إليه في حديث سابق من أنّ بحر تصوف الفقيه الحجوي كان يعرف المدّ والجزر، أما كونه لم يعلن عداءه للتصوف، وحيرته التي كانت تنتاب شخصيته في شأنه؛ فمردّ ذلك إلى كون فقيهنا أُشْرب مشارب أهل الصفا وهو صغير السنّ، ونشأ بين أزقة ودروب فاس التي كانت تحاصره زواياها من كلّ جانب، ويستنشق مباخرها ذهابا وإيايا، وتربّى في حجر أبيه الذي كان تجانيّ الطّريقة وأثّر فيه كثيراً، « سيّدي ووالدي، طارفي وتالدي، قد انتفعت به كثيراً مجالسةً ومدارسة»، «أخذ عن شيخ الطّريقة التجانية وعمودها مولاي الطّاهر بن المتوكّل ولا زمه مدّة طويلة».
- لذلك ظلّ الفقيه وفياً لمسلك أبيه، ومحترما لمشربه، ولم يعلن موقفا من التصوف يُفهم منه السلب، بل ربما بالعكس، وحتى عندما دخل في نقاشاته الشهيرة مع أهل الطريقة، كتب بصريح العبارة وقال: «لذلك إنني أحترم الشيخ التجاني وأُعظمه، وأحترم أصحابه، وطريقه، وكذلك أحترم كل من اتبع السنة من شيوخ الطرق الإسلامية في المشارق والمغارب، وأدعوا لمؤسسيها بالخير، راعيا لخدمتهم التبشيرية بالإسلام في رؤوس جبال البربر، وصحراء السودان، وأروبا، والصين وأميركا وغيرها».
- غير ما تقدم؛ من أراد أن يقيم أدلة على غرام الفقيه الحجوي بالتصوف فليستمسك «بالعروة الوثقى»، ويمعن النظر فيها مرّة وأخرى، ويسبر كلامه في ترجمته لشيوخه من أهل التصوف، وها نحن سنفعل ذلك، وندخل عليه حضرة تصوفه بعد إذنه من باب مشيخته، فقد ذكر الفقيه الحجوي من شيوخه ما بين شيوخ الرواية والدراية والإجازة والاستفادة واللقاء والصحبة أكثر من ثمانين شيخا، حوالي عشرين منهم شيوخه في التصوف، نصّ عليهم بصفاتهم وأحوالهم، وتتضح بجلاء ملامح التصوف في شخصيته من خلال كلامه عن مشيخته في أبعاد ثلاثة، هي كالتالي:
- البعد الأول- الترجمة والتحلية: حرص الفقيه على ترجمة الكثيرين من شيوخه في التصوف، وإبراز أحوالهم، وإظهار مناقبهم، أذكر بعضا منهم على سبيل المثال الحصر:
-أبو محمد العربي بن إدريس اللحياني العلمي الحسني، ساكن قرية موساوة من زرهون، [ت. 1320].
– أبو المعالي عبد الملك بن محمد البوكيلي الحسني الزّرهوني الفاسي [ت. 1340هـ].
-أبو عبد الله محمد بن علاّل الوزّاني الشاهدي الفاسي [ت. 1335هـ].
– أبو عبد الله أحمد بن عمر بن عبد العزيز الصّنهاجي المكناسي [ت. 1311هـ].
– أبو عبد الله محمد بن أحمد الشهير بالغيّاثي الودغيري الحسني المخلوفي، [ت. 1318هـ].
-أبو العبّاس أحمد بن الفقيه الجريري، [ت. 1353هـ].
– أبو زيد عبد الرّحمان بن المير [ت. 1351هـ].
6.وترجمته لهم يسبقها تحليات صوفية، يدبجها فقيهنا برائق العبارات العرفانية، كقوله عن شيخه اللحياني: «الصوفي الشهير، كان من الرّجال المنعوتين بالكمال»، وعن شيخه ابن عبود: « شيخنا الصوفي المتجرّد المربي الدّال على الله بحاله ومقاله»، وعن شيخه جعفر بن إدريس الكتاني: «الشيخ الوقور، من الذين إذا رُؤوا ذكر الله» وعن شيخه البوكيلي: «كان صاحب أحوال تدل على الكمال»، وعن شيخه الوزاني الشاهدي: «كامل الحال، شغله القيام بحقّ الحقّ، والخلق للحقّ، قلّ نظيره في إرشاد الخلق، ونزاهة الظاهر والباطن»، وعن شيخه عبد الرحمان بن المير: «الخيّر الناسك، خطيب وجدة وجنيدها»، وعن شيخه أبو جيدة عبد الكريم الفاسي: « كان من جلة العلماء الصوفية المحافظين على أوقاتهم، سامي الخلق، واسع الصدر»، وعن شيخه أحمد الصنهاجي: « صوفيّ من الزّهاد العباد».
- البعد الثاني- التبرك والاعتقاد: لا تنحصر ترجمة الفقيه الحجوي لشيوخه في التصوف على ما تقدم من التحليات، وإنما يتعدّى حديثه عنهم إلى اعتقاد فضلهم والتبرك بأحوالهم وهو الذي صرّح بقوله: « إنني مُحب لأهل الله، معترف بفضلهم، مغترف من فيضهم»، وهذه بعض عباراته الدّالة على اعتقاده وتبرّكاته، فشيخه محمد العربي اللحياني: « المقصود للزيارة، واقتباس المعارف، دعا لي بخير»، والبوكيلي: « نفعني الله به»، والشاهدي: « كان نورا يستضاء به، نفع الله به الخلق، المتبرك به»، وأحمد الصنهاجي المكناسي: « كان من المقصودين للتبرك»، ومحمد منصور آل أبي عثمان المشترائي: « زرته مراراً، وتبركت به، كان مقصوداً للزيارة والتبرك، معتقدا من عموم الأمة»، وأحمد بن الفقيه الجريري: « كان ممن يستسقى به الغمام»، وعبد الملك الضرير:« المتبرك به وبأوراده وبأحزابه».
8.البعد الثالث- الدرّس والإجازة: ارتباط الفقيه الحجوي بشيوخه في التصوف هو ارتباط درس وإفادة من جهة، وتبرك وإجازة من جهة أخرى، ولذلك نجده حريصا على إبداء جانب الاستفادة الفكرية الصوفية من مشايخه، من ذلك قوله عن شيخه أبي عبد الله الوزّاني: «أخذت عنه علم التّصوف والإرشاد»، وعن شيخه عبد الغني حُجيج الفاسي: «أخذت عنه علم التّصوف وعلم الأذواق»، وعن شيخه البوكيلي: « له إلمام بالأدب والتّصوف، أخذت عنه وأجازني ولازمته طويلا»، وعن شيخه محمد بن أحمد الشهير بالغيّاثي: « جالسته إبّان الطّلب، وانتفعت به كثيراً في التّصوف والأسماء الحسنى»، وعن شيخه أبو محمد التّاودي بن المهدي بن سودة: « اجتمعنا اجتماع صفاء».
- نخلص في نهاية الحديث عن التصّوف في الشّخصية الحجوية إلى أنّ فقيهنا العلّامة سيدي محمد بن الحسن الحجوي لم يخرج عن الجامع الصوفي الذي كان يجمع جلّ علماء المغرب تحت منارته، وبقي مستظلا معهم تحت أفياء ظلال شجرته، وأنّ شمس تصوفه نعم بزغت، ولكن ما أشرقت.
د. محمد شابو









































































PDF 2025


