- من أبرز الجهود الفكريّة التي ميّزت الحياة العلميّة للأستاذ المؤرّخ، والبحّاثة المدقّق، العلاّمة محمّد حجّي، سعيه في إخراج العشرات من النّصوص التّاريخيّة المرتبطة بتاريخ المغرب أحداثاً وأعلاماً، والتي ظلّت مخطوطةً وحبيسةَ الرّفوف والصّناديق لمئات السّنين يتآكلها الزّمنُ بفصُوله وأهواله، وهذا الجهد الفكريّ لعلاّمتنا مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بنزعة وطنيّة، وحَمِيّة علميّة، أملتا عليه مقاله المعنون ب: «النّصوص التّاريخيّة والهويّة القوميّة»، والذي كان موضوع درسه الافتتاحي بكليّة الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، للسّنة الجامعية: 1999-2000.
- في هذا المقال أو الدّرس الافتتاحي بالأحرى يُبرز علاّمتنا محمّد حجّي دور النّصوص التّراثية المخطوطة والمرتبطة أساساً بالتّاريخ والأعلام والتّراجم والأنساب والرّحلات والفهارس في المحافظة على الهويّة الثّقافيّة المغربيّة، إضافة إلى وقوف هذه المخطوطات الغميسة العتيقة -كمصادر تاريخيّة-في وجه حملات التّشويه التّاريخيّ والاستلاب الثّقافيّ الذي كان يقوم به المستعمر ضدّاً على الأمّة المغربيّة.
- كان تاريخ أحمد بن خالد النّاصريّ من بين عشرات المصادر التاريخيّة الفكريّة المقَاوِمَة التي جعلها علاّمتنا محمّد حجي مُسهمةً في مواجهة حملات التّشويه الاستعمارية تلك، إذ بنى أبوابه وفصوله على وثائق تاريخية وبطاقات مخطوطة؛ حيث يقول عنه:” كان أحمد النّاصري في مقدّمة الذين نقّبوا عن النّصوص التّاريخية القديمة والحديثة، جمعها في مختلف الجهات التي تقلّب فيها في خدمة المخزن، كانت كتباً مستقلّةً أو فقرا من كتب التّاريخ أو التّراجم أو المناقب أو الفقه أو غير ذلك، إضافة إلى عدد من الوثائق المخزنيّة التي اطّلع عليها في بنايق الوزارات التي عمل فيها أو التي امتلكها بوسائله الخاصّة، وهي ملْء أكياس، وصاغها صياغة جديدة في كتابه «الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى».
- تُعتبر قضيّة تحقيق النّصوص المخطوطة لدى علاّمتنا محمّد حجّي شيئاً أساسيّاً، وعملاً علميّاً ضرورياً، وقد يُصبح ضرورةً بحثيّةً وطنيّة، وبالأخصّ إذا علمنا أنّ المغرب يكتنز ثروةً عظيمةً جداً من التّراث المخطوط. انطلاقاً من هذه الرؤّية الحجّية سوف نتجاوز الخلاف القديم الجديد حول مسألة تحقيق المخطوط في البحث الأكاديمي، واعتباره من طرف البعض مضيعةً للوقت وخروجاً به عن أعراف البحث العلميّ الأكاديميّ وتقاليده؛ يقول محمّد حجّي في ردّه على هذه الشّبهة:
- “هناك فريقٌ يرى أهمّية وضرورة هذه النّصوص بما عليها، وهناك فريق آخر وهو قليل، كان لا يرى لها فائدة ويرى أنّها مضيعة للوقت ويجب أن تُحرق، وأظنّ أنّه لا حاجة لنا في الكلام عن هؤلاء، بالنّسبة للفريق الذي يرى ضرورة تحقيق هذا التّراث، فالقضيّة ليست قضية هواية فقط، بل هؤلاء أناس دفعتهم الضّرورة إلى التّحقيق، نأخذ مثالي أنا شخصيّاً؛ ما الذي دفعني إلى التّحقيق؟ لـمّا كنت أدرّس، كنت أزوّد طلبتي بببليوغرافية الدّروس، فكنت أجدها كلّها مخطوطة أو نادرة الوجود، بالإضافة إلى أنّ تلك الكتب أساسيّة في تدريسنا”.
- لأجل هذا عمل علاّمتنا محمّد حجّي على التّنقيب على التراث المخطوط بنفسه فجال المدن المغربيّة التي هي مظانّ هذا التّراث، وقام برحلة علمية إلى منطقة سوس العالمة برفقة العلاّمة الأستاذ المرحوم محمّد إبراهيم الكتاني، وهي الرّحلة التي يقول عنها: ” استهدفت هذه الرّحلة البحث عن المخطوطات في مظانّها، والتّعرف على ديار أهلها العلماء الصّالحين، زرنا مشهد الشيّخ عبد الله بن سعيد الحاحي، وابنه الأمير زكرياء يحيى، في زاوية زداغة بالحدود الجنوبيّة للأطلس الكبير، كما زرنا مشهد الشّيخ محمّد بن ويسعدن في سكتانة الجنوبية داخل الأطلس الكبير، وكلتا الزّاويتين كانتا مركز علم وتعليم طوال أجيال متعاقبة، ومقرّ خزائن غنيّة بالمخطوطات خاصّة مؤلّفات علماء المنطقة”.
- كما قام بجولة علميّة أخرى بحثاً عن التّراث المخطوط سنة: 1983م، رفقة رفيقيه: الأستاذ المرحوم محمّد الكتاني، و الفقيه المرحوم محمّد المنّوني، وهذه المرّة كانت الرّحلة صوب أقاليمنا الصّحرواية، حيث أقاموا بمدينة الدّاخلة ما يقرب من أسبوع مفتّشين ومنقّبين، يقول عن هذه الرّحلة: ” كان أكثر مقامنا بالداخلة التي قضينا بها زهاء أسبوع في اتصال دائم مع علمائها وأدبائها، وزرنا عدداً من بيوت الشّرف والعلم والصّلاح، فأوقفنا أهلها عن طيب خاطر وبكثير من الكرم والشّمم على مدّخراتها العلميّة التي يحافظون عليها أشدّ المحافظة، ويحرصون عليها أتمّ الحرص، وبذلك أمكننا الاطلاع على غير قليل من مؤلّفات الصّحروايين وأشعارهم ومستنسخاتهم، فسجّلنا ما وسعنا من الوقت ونسخنا بالتّصوير نصوصاً يعسر نسخها باليد”، وقد كتب عن الرّحلة مقاله: «مخطوطات الصّحراء المغربيّة».
- لم تقتصر جهود علاّمتنا محمّد حجي على اكتشاف المخطوط بحثاً وتنقيباً؛ بل دخل غمار التّحقيق له من بابه الواسع، وبرؤية علميّة ومنهجيّة، فحقّق عشرات المخطوطات التي لها ارتباط بالتّاريخ والتّراجم والفهارس واللّغة والفقه. ومن أعماله في هذا الباب تحقيقه لكتاب: « دوحة النّاشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر»، لمحمّد بن عسكر الشّفشاوني، وكتاب: « نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثّاني» لمحمّد بن الطّيب القادري بالاشتراك مع الدكتور أحمد التوفيق، وكتاب: « فهرس أحمد المنجور» وكتاب «صلة الخلف بموصول السّلف» لمحمّد بن سليمان الرّوداني، وكتاب: « فتح الشّكور في معرفة أعيان علماء التّكرور» لأبي عبد الله الطالب محمّد بن أبي بكر البرتلي، بالاشتراك مع الأستاذ المرحوم محمّد إبراهيم الكتّاني، وكتاب: «المحاضرات في اللّغة والأدب» للإمام الحسن اليوسي بالاشتراك مع أحمد الشّرقاوي إقبال، و كتاب: « زهر الأكم في الآداب والحكم»، له أيضا، بالاشتراك، وكتابي: « البيان والتحصيل »، و« المقدّمات الممهّدات» لا بن رشد، بالاشتراك أيضاً، وكتاب: «الذخيرة في أصول الفقه» للقرافي بالاشتراك.
- أطّرت عملية تحقيق هذه النّصوص لدى علاّمتنا محمّد حجّي رؤية منهجية تعتمد على التّصحيح والمقابلة والتقريب والإيجاز، وتقوم أيضا: على التفريق بين التّحقيق الأكاديمي الجامعي وبين التّحقيق الفردي أو المشترك الحرّ، فالأوّل يخضع لشروط ومساطر ينبغي اعتبارها؛ ذاك أنّ تحقيق الدّراسة الجامعية كما يقول علاّمتنا” يخضع لقوانين ومسطرة خاصّة بالاتّفاق مع الأستاذ المشرف، ولا بأس أن يكون فيه شيء من التّطويل، لأنّ على المحقّق أن يبيّن فيه معرفته ويبرهن على أنّه باستطاعته أن يتتبّع المصادر”.
- أمّا التّحقيق المتحرّر من القيود الأكاديمية فإنّ رؤية علاّمتنا بخصوصه تمحت من المنهجيّة التي تقوم على تصحيح النّص وضبطه ومقابلته دون إغراقه بالكثير من الحواشي والتّعليقات التي تنفخ الكتاب فتجعل النّص الأصلي وكأنه حاشية، والتّعليقات كأنها متن وأصل، فيذوب كلام المؤّلف بين هوامشه، ويتيه معناه بين كثرة أرقام التّحشية، يقول علاّمتنا: ” لكن تحقيق النّصوص كما يقوم به المستعربون قليل التّعاليق، وبرجوعنا إلى بعض النّصوص القديمة التي نشرها الأوربيّون كالنّصوص اللاتينية لا نجد فيها كثرة التّعاليق، فكلّ ما هنالك إذا قاموا بتعليق فله معنىً وله إشكال، وهذا فيما أظنّ هو ما يجب أن يكون، فما المقصود بتحقيق التّراث؟ الكتاب يبقى لصاحبه، والمحقّق عبارة عن واسطة مهمّته إخراج الكتاب ووضعه في متناول القارئ ليستفيد منه، فإذا وجد أنّ هناك بعض الأشياء التي تحتاج إلى التّوقف عندها من أجل الشّرح وتوضيح النّص وإبرار ما اختلف بين نسخ النّص فيثبتها فهذا كاف إلى حدّ ما”.
- هذه المنهجية في التحقيق؛ نهجها العلاّمة محمّد حجي في معظم ما حقّقه من مؤلفّات، فكان تصحيح النّص وضبطه وإثبات فوارق النّسخ إن وجدت أهمّ ما ركزّ عليه، وكان يصرح بمنهجيّته هذه في مقدّمة معظم النّصوص المخطوطة التي اشتغل عليها تحقيقاً وتصحيحاً ،ومن ذلك قوله في مقدّمة «نشر المثاني»: ” ولـمّا كان المؤلف خرّج كتابه أكثر من مرّة، فقد اختلفت عبارته أحياناً باختلاف النّسخ مع تأدية نفس المعنى، فاخترنا منها ما ظهر لنا أكثر وضوحاً في الدّلالة على المراد دون أن نشير إلى ذلك في الهامش إلاّ عندما يكون للعبارات المختلفة مغزىً خاص، وسيراً مع نفس الخطّ في التّقريب والإيجاز لم نعلّق على النّص إلاّ عندما تدعو الضرورة إلى ذلك”. وهكذا يصبح تحقيق المخطوط هدفه تصحيح النّص وإخراجه بصورة أقرب ما تكون لما كتبه المؤلّف، ويبقى تهميش النّص والتّعليق عليه كالضرورة تقدّر بقدرها، أمّا الإيغال في الحواشي والتّعليق المؤدّي إلى التغليق فهو مخالف للرّؤية الحجيّة في مجال التّحقيق.
يتبع…
د. محمّد شابو









































































PDF 2025


