إضاءة:
هذه باقة أحلام بيئية صادقة، موجهة – خصيصا – إلى البراعم المتفتقة في تربة طيبة؛ أحلم أن أبث – عبرها – في خلدها حب محيطها البيئي والطبيعي لتنعم بحياة هنية؛ نقية الهواء، عذبة الماء، دانية القطوف؛ حياة قوامها: التعارف، والود، والائتلاف، والرحمة.
– أنا الغابة –
أنا التي اتخذ الإنسان من خشب شجري، منذ غابر الأزمان، حطبا للتدفئة؛
وبألواحي صنع فلكا تمخر عباب البحار واالأنهار؛
ومن جذوعي ركب محراثا يشق الارض شقا؛
ومن أعوادي جعل أوتادا للخيام وأعمدة للمنازل؛
ثم ما لبثت أن غدوت، مع تطور الحقب والأزمنة وارتقاء الإنسان، مصدرا لصناعة أفخر الأثاث، وأجمل الأسرة، وأفخم الأرائك، وأبدع المناضد والكراسي والمنصات…
ثم جاء اليوم المشهود، لما حولت عصارة البحث العلمي عصارتي عجينا لصناعة الورق وما أدراك ما الورق !
***
الآن ها أنذا تتوزع الأشجار في ربوعي مرخية ظلالها على كل من تفيأها؛
تغمرني نشوة فرح كبرى، لما أرى الأسر تتوافد سعيدة على فضائي رفقة صغارها، لقضاء سويعات هنية، واستنشاق نسمات هواء نقية؛
وأشعر بالدفء لما أرى العصافير والطيور، وهي تبني أعشاشها بين أغصاني بكل حرية؛
وأحس بالحياة تتجدد في عروقي، لما أشاهدها تطعم فراخا زغب الحواصل، وهي تزقزق زقزقات الإقبال على الحياة بحيوية؛
وأطرب لنقرات طير الخشاب وهو يلتقط بمنقاره الدقيق الحاد ما علق به من حشرات برية!
***
أنا لا أتبرم من اتخاذ القوارض جذوع بعض أشجاري مأوى لها؛
ولا تزعجني بهلوانيات القردة، لما تنتقل بخفة ورشاقة من شجرة إلى اخرى؛
ولا تقلقني أصوات الضواري والكواسر في الليل البهيم!
***
أنزعج كثيرا لما يتسلق أشجاري غريب يبغي تخريب عش طائر حبيب؛
وأتأوه لما ينهال حطاب بساطوره الحاد على اغصان شجرة من أشجاري، دون تمييز بين رطب ويابس من أغصاني؛
وأتحرق لما يترك لائذ بي نارا موقدة بين جنباتي، حتى إذا هبت ريح عاصف التهمتني النار، وأمسيت هشيما تذروه الرياح!
وأتألم لما يتسلل إلى ربوعي من يبغي تعر يتي وتحويلي إلى حطب يقذف به في جوف الأفران، والمدافيء، والحمامات، بدراهم معدودات!
ويغيظني من يحولني إلى مطرح نفايات، وقمامات، دون مراعاة لحرمتي وفضلي في الحفاظ على التوازن البيئي!
وأحس بالقهر والظلم لما تقتحمني آليات جبارة فتشرع في اجتثاث أشجاري بقسوة دون مراعاة لإسهامي في تلطيف الأجواء، ومد محيطي بأوكسجين الحياة!
***
حلمي أن أرى كل من استمتع بنزهة في أحضاني، يبادر قبل مغادرتي بجمع ما لفظه من نفايات، وحملها في أكياس لوضعها في الصناديق المبثوثة في مختلف الطرقات؛
حلمي أن أرى الأطفال يمرحون بين جنباتي دون كسر غصن أو وشم جذع؛
حلمي ان يقنع من يبحث عن رزقه في ربوعي بجمع اليابس من أغصاني، حتى أبقى مصدر رزق
لغيره، وأستمر في مد سواه بمراده؛
حلمي أن أرى المتاجرين بخشبي يدشنون نهاية كل حول، وهم يحتفلون بالأيام العالمية للغابة والشجرة والبيئة، حملات تشجير واسعة بما يناسب تربة كل منطقة ومناخها؛
حلمي أن أرى المساحات والأحزمة الخضراء، تطوق المدن والقرى من كل جانب لحمايتها من آفات التعرية، والتصحر، وانجراف التربة؛
حلمي أن أرى الغيورين على حرمتي يحمونني من كل استغلال أهوج؛
حلمي أن تبقى شجراتي قبلة الطير والحيوان والحشرات والإنسان…
***
أنا الغابة؛
خالص دعائي أن تكون كل شجرة في حضني آية لتدبر آلاء الله في كتاب الكون!
وأن تبقى كل شجرة مثالا للإنسان في الصمود والشموخ في وجه الأعاصير الهوجاء؛
وسدا منيعا في وجه الاستغلال الظالم للبيئة الخضراء؛
وأن تبقى مثالا حيا للحياة العصية على آلة البطش الرعناء؛
وأن تبقى خضرتها دالة على الصفاء والبهاء والعطاء، في زمن أثقلته أهوال البغضاء والشحناء.
***
أنا الغابة؛
حلمي الأسمى أن تكون كل شجرة تخرج من صلبي حاملة بركة الشجرة التي شهدت بيعة الرضوان!
وتغدو مشاتلها جنات ألفافا، وحدائق غلبا، متاعا للإنسان…!
وأن تكون كل شجرة تطلع من تربتي شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها!
وأن يرقى كل من يستظل بشجرة من شجري إلى مقام الكوكب الدري الذي:
((يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء)).
(سورة النور: 35)
د. محمد محمد المعلمي









































































PDF 2025


