ليست هناك هوية طبيعية خالصة تطرح اكراهاتها على واقعها، الأمر يتعلق بمجموعة من الهويات المتداخلة مع بعضها تحركها دوافع، آليات وأشخاص مصالحهم مشتركة و متشابكة تصب في نفس الاتجاه الإنساني ..
هل يمكن أن نتحدث عن أدب الهجرة؟ وإلى أي مدى ساهم الأدباء الذين ينحدرون من أصول مغاربية، أو الذي يمثلون الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين في ربط جسور التواصل بين بلدانهم الأصلية وبلدان الإقامة، أو بلدانهم الثانية حيت ولدوا، وعن مدى اغنائهم للساحة الثقافية وللغة الفرنسية على وجه التحديد؟
هل هناك من أدب يمكن أن نطلق عليه اسم ” أدب الهجرة “وماهي عناصر الاختلاف والتوافق التي تميز أدباء الهجرة عن غيرهم؟
لا يمكننا الحديث عن أثر الهجرة على الأدب الفرنسي مثلا دون الرجوع إلى كتاب بصموا بإبداعاتهم وساهموا في علو كعب الثقافة الفرنسية ، نذكر منهم على سبيل المثال إيميل زولا Émile Zola وأبولينير Apollinaire ، فالأدب الفرنسي إغتنى ولا زال بفضل كتاب من أصول أجنبية كان قاسمهم المشترك هو لغة فولتير Voltaire ، التي وجدوا في عالمها ملاذا للتعبير عن متخيلهم وأحاسيسهم ، حيث ارتقوا بها إلى أعلى الدرجات ونالوا بها جوائز قيمة في المحافل الدولية ، فمعظم الكتاب الذين نالوا جائزة نوبل الأدبية لم يكونوا ذوي أصول فرنسية كهنري بركسون
Henri Bergson (1927)ذو الأصول البلونية وألبير كامو Albert Camus (1957)
ذو الأصل الإسباني من جهة الأم، (Gao Xingjian (2000 وكزاو كزنجيان الذي ولد في الصين .
في الثمانينات من القرن الماضي عرف الأدب الفرنسي طفرة نوعية لكتاب من أصول مغاربية أضفت عليه طابع مختلفا غرائبيا إلى حد ما ، كتاب ينتمون للجيل الثاني من المهاجرين ، سواء منهم الذين ولدوا في في فرنسا وبلجيكا أو الذين التحقوا بأبائهم العمال بالخارج والذين تتلمذوا في المدارس والجامعات الأوربية ، إبداعات هؤلاء الكتاب تمحورت أساسا في البداية على وصف وقائع معيشية سوسيولوجية وسياسية لم تكن تعرف في الأوسط الثقافية ، والتي أطلق عليها المهتمون بأدب الهجرة ، حيث يمكن أن نذكر منهم : عزوز بكاك ، ليلى هواري ، أحمد زيتوني ، الطاهر بن جلون ..الخ .
في حقيقة الأمر أن هذا التيار الثقافي ساهم في ظهوره وبشكل جلي دور النشر التي ارتأت من خلاله تسليط الضوء على واقع سوسيو سياسي بدء في البزوغ وصار يفرض نفسه على الواقع ، والذي يتمثل في وقع الهجرة على المجتمع والمشاكل التي صار يتخبط بها أبناء المهاجرين زيادة على تنامي ظاهره العنصرية ، والغليان الذي صارت تعرفه الأحياء وما يواكبه من أعمال العنف ، كل هذه العناصر كانت مادة دسمة لوسائل الإعلام التي واكبت كذلك مسيرات رد الاعتبار والمساواة للمهاجر ، كل هاذا الزخم من الأحداث ساهمت في خلق نوع من الفضول في مجتمعات بلدان الاستقبال، وكذلك دور النشر التي فتحت الأبواب على مصراعيه لثلة من الكتاب والمثقفين للتعبير عن واقعهم وتصوراتهم في مجتمع أوربي .
التساؤل الذي يطرح نفسه ، هل يمكننا أن ندرج هذا الأدب ” أدب الهجرة ” في خضم الحديث عن صراع الثقافات ، أو ندرجه في نطاق الأدب الفرنكوفوني الواسع ، غير أن ما يميزه هو تلك الآليات الجمالية التي تنير للقارئ دروب مغايرة عن المألوف أو الموروث الثقافي الذي نشأ وترعرع بداخله ، إنه أدب يكتنفه الغموض مما يجعله محط اهتمام من القراء والنقاد ، ويدخل في خانة تعدد الثقافات وتلاحمها ، وبزوغ نجم أدب فرض نفسه كأدب مغاير ، واقعي غرائبي لمجتمع دائم الحركة والتحول ، حيث صار كذلك هذا الأدب عنصر التقارب من الٱخر ، إن لم نقل أنه بذلك شق طريق العالمية إلى كتاب مرموقين ، مكسرا بذلك حواجز الأدب الذي لا يتجاوز حدود الوطن أو بلد الإقامة والذي يدور حول فلك الهوية والمواطنة .
يمكننا كمثال على هذا التفاعل الثقافي، وهذا السفر من هوية إلى أخرى ومن عالم إبداعي إلى ٱخر، أن ندرج اسم الكاتبة ذو أصول مغربية الكاتبة أمينة أولحاج وإصدارها ” اسمك عائشة وليس جوزيفين “ti t”appeles Aïcha,pas jouzifine “صدر في بروكسيل سنة 2008 . كتاب يسلط الضوء على ما يعيشه أبناء المهاجرين من تناقضات بين ما يلقن في المدارس البلجيكية من أعراف دينية، وواقع مغاير في البيت حيث يصطدم الأباء بتساؤلات أبنائهم وضرورة الإجابة أن أعراف وتقاليد المجتمع المسيحي مختلفة عن أعرافنا وتقاليدنا .
خلاصة القول أن أدب الهجرة كما يسميه المهتمون قد نجح في خلق جسور إبداعية بين عوالم مختلفة، مكسرا بذلك حواجر التخندق الثقافي إلى اكتشاف الغير وتقبل عنصر الإختلاف الذي هو ربح للجميع .
عزيز العمراني.









































































PDF 2025


