1ـ الخطاطة أو التصميم
يفترض في كل مسألة أن تجد حلها في ثلاثين جملة منظمة حسب خطاطة تنطلق من العام ( إن الحجتين الموضوعتين للأجزاء) بوصفة خاصة، يشكل كل واحد منها ملخصا لما سيطور لاحقا.
باستخدامه بشكل جيد، يكون التصميم الذي يتكون من جزأين أداة جيدة للوصول إلى النتيجة. ويصبح هو أيضا الوسيلة المثلى للإيجاز لأنه يتفادى التكرار. وهو طريقة فعالة، يمكن استعمالها بشكل واسع وتطبيقها على كل المواضيع.
وبكونه كذلك، فهو لم يعد ملائما للتجديد الثقافي: إنه يقوم بتحيين الرهانات، والخيارات أو الإشكالات، لكنه لا يحث من تلقاء نفسه على الابتكار في التفكير.
2 .الشكلانية: بين الدقة واللامعقول
إن التسلسل المنطقي الدقيق للحجج يقود في غالب الأحيان إلى الشكلانية، لأن الحقيقة تدخل بصعوبة في إطار جد متصلب. إن هذا المأخذ يصيب، في الواقع، كل نوع من الخطاطات. ألا نسمع أحيانا قول هذه الكلمات: كالفرضية، والتناقض، والتفاهة thèse, antithèse, foutaise .
كثيرا ما رددت اللجان أن « مباراة الدخول للمدرسة الوطنية للإدارة ليست مباراة التفوق والبراعة حيث ينبغي أن يتفوق الشكل على المضمون»([1])، إن المتطلب العلمي المطبق على حقيقة مزركشة غالبا ما تؤدي إلى وضع سياج صناعي على الواقع.
وعلى هذا النحو تتولد الشكلانية من هذا التناقض بين المتطلب العلمي، من جهة، والمواد – كالاقتصاد، والقانون العام، والقضايا الاجتماعية – التي لا تخضع إلى المنطق الشكلي، من جهة أخرى.
أ ) الدقَّــــــــــة
إن التوفيق بين الصرامة المنطقية واحترام تنوع الواقع يتطلب الدقة. ويستلزم استعمال تصميم من جزأين لتسهيل عرض القضية وتقديم رهاناتها بوضوح دون قلب الواقع باحثين عن إدخاله في قالب بأي ثمن. فالأمر يتعلق بجعل القضايا المعقدة واضحة دون تجريدها من طبيعتها.
إننا نعثر هنا قليلا على كل تلك الصعوبة في الشعر القديم الموزون حيث لم يكن المعنى خاضعا للقافية. هذه القدرة التي تتجلى في اختيار الكلمات التي، في نفس الوقت، تعبر بشكل جيد عن المعنى المطلوب وتتناغم مع الكلمات الأخرى تميز بين الشعراء الكبار وبين الضعاف. كذلك، فإن القدرة على إيجاد توازن بين متانة عرض الأفكار واحترام استدعاء المعطيات يميز بين الاستدلالات الإدارية الجيدة وبين الأخرى السيئة.
ب ) اللامعقول
باستغلاله إلى أقصى حد، فإن أولوية الشكل تؤدي إلى اللامعقول لأنه يسمح بقول الشيء وضده. ولنأخذ مرة أخرى موضوع الاقتصاد الذي أدرج في مباراة المدرسة الوطنية للإدارة في عام 1983: «إلى أي حد يكون التحفيز بالطلب والانفتاح الاقتصادي على الخارج متوافقين؟» وعلى هذا النحو يمكننا أن نجيب على مثل هذا السؤال:
1/ إن الانتعاش في الاقتصاد المفتوح ممكن…:(التسطير من عند المؤلف)
إذا كانت إكراهات النمو في الاقتصاد المفتوح تفرض توخي الحذر الشديد في استعمال الأدوات السياسية للإنعاش الاقتصادي عبر الطلب(I)، فإن هذا يظل، نظريا، متوافقا مع الانفتاح على الخارج، على الرغم من صعوبة تجميع الظروف العملية لنجاحه (II).
2/ أو أن الانتعاش في الاقتصاد المفتوح غير ممكن: (التسطير من عند المؤلف)
إذا كانت سياسات الانتعاش عبر الطلب قد لبثت لزمن طويل سلاحا كلاسيكيا بيد الحكومات، تسمح باستغلال آثار تراجع النمو إيجابيا، وتظل نظريا مناسبة (I)، فإن معيقات النمو للاقتصاديات المنفتحة لم تعد تسمح حاليا باستعمل هذا الصنف من الآليات (II).
ما هو الرأي الذي يجب اختياره من بين الاثنين؟ إن الحل لا يقوم على العلم فقط ولكن، أيضا، على المضمون السياسي، والاقتصادي والاجتماعي.
أليست هذه العبثية، وهذه الإمكانية لتطوير كل شيء، بطريقة ما، هي الهدف الأخير للموظف السامي الفرنسي، لكونها شهادة سلطته على الواقع، وقدرته على تحويل الأشياء على طريقته؟ فالتصميم ذو الجزأين عمل بذلك على إبراز إرادة السيطرة الكاملة للإنسان على الطبيعة.
III الانتقادات
إن أول انتقاد يمكننا توجيهه لهذا النوع من الاستدلال هو لا واقعيته. فالواقع ليس علميا (لا يخضع للعلم)؛ ولا يمكن تحجيمه إلى أنصاف دوائر (أهِلّة) مرصعة على غرار الدُّمى الروسية. أما الانتقاد الثاني فله صلة بنسيان المتلقي، بمعنى من الذين سوف يطبق عليهم القرار قيد الإعداد.
- نسيان المتلقي
إن العلاقة بين الهدف العلمي للإدارة ونسيان المتلقي يظهر بوضوح في هذا النص لإرنست رينان Ernest Renan المقتطف من كتابه ” الإصلاح الفكري والأخلاقي” « La réforme intellectuelle et morale »، مؤلف كتب بعد هزيمة 1870 والذي حدد الأساس النظري لما أصبح في المستقبل مدرسة العلوم السياسية:
« إن الحقيقة ليست ذلك التعبير البسيط عن الأفكار وتمنيات الجماهير، الذي يعتبر نتيجة لإدراك عدد قليل من الأفراد المحظوظين. وبعيدا من جعل المشاركة في تسليم الشأن العام لأهواء الجماهير، وهكذا، فإن جيلا تربى في هذا الظرف سيكون غيورا على الحفاظ على شرف امتلاكه للحقيقة، التي ستطبق، وسوف تكون حذرة وأقل ثورية.(…) شبان نشأوا على شعور تفوقهم سيثورون بألا يأبهوا إلا بالذي فاز بالمرتبة الأولى. وهم مفعمون بالفخر، إذ بوعيهم قد امتلكوا الحقيقة التي يجهلها الرجل العامي، ولن يرضوا بأن يكونوا مجرد مترجمين لأفكار الحشود السطحية. وبذلك ستصبح الجامعات مشاتل الأرسطوقراطيين.([2])»
إن الثمالة العلمية تحجب عن أعين إداريي الدولة هموم وانشغالات مواطنيهم.
ب- البرهنة بصيغة أخرى
بالنسبة إلـى ميشيل كروزيي Michel Crozier، فإن استدلالا إداريا جيدا هو استدلال واع بحدوده والذي ينبني على الإنصات ويأخذ بعين الاعتبار الفاعلين والمستقبلين للفعل. والاستدلال الإداري يجب أن يكون استدلالا جمْعيا وعمليا، مبنيا على المفهوم العقلي المحدد.
«إن الإنسان ليس قادرا، كما كتب، على امتلاك استدلال أمثل يخول له إيجاد الحل “الأمثل” لمسألة ما.(…) إن كل فاعل يختار الحل المُرضي الذي يكتشفه حسب المعايير العقلية التي حددها لاشعوريا طبقا لمحيط مصدر معلوماته وحسب المصالح التي يلهث وراءها.([3])»
وبالتالي فإن تطوير هذا العمل يتطلب إذن تبادل وجهات النظر، والإنصات، والاستفادة من التجارب المكتسبة.كما لا ينبغي أن تُفهَم السلطة على أنها امتياز الموظف السامي الحاكم ولكن يجب أن يُنظر إليها في إطار العلاقة التي تربطه بمواطنيه، والمنظمات المهنية والمؤسسات، إلخ.
إن حسن التصرف يفترض، علاوة على معرفة ركائز تأسيس منظمة ما، عناصرَ السلطة المحركة لها من أجل استخلاص أفضل استراتيجية للعمل.
هل وجد كل هذا ترجمته في تصميمنا الشهير ذي الجزأين؟ إن الصيغة الاستدلالية التي أوصى بها ميشيل كروزيي تؤدي إلى التشكيك في الأطروحة نفسها، إذ إن ممارسة التفكير الانفرادي من جانب واحد لصالح ممارسة أكثر عملية أقل قيمة في طرح حل فريد، من تسليط الضوء على مختلف الخيارات الممكنة، والاختيارات من القيم التي تدعمه، وكذلك في دراسة قوة واستراتيجية الفاعلين المعنيين والعواقب المتوقعة لكل منها.
على أي حال، إذا كان المنطق الإداري لا يتطور أبدا، فإن الأساليب الإدارية تتغير. ويكفي النظر في مسطرة نزع الملكية، على سبيل المثال، حيث إن القيام بالبحث الأولي يستدعي حاليا تنظيم اجتماعات عمومية في وجود صاحب المشروع. وأكثر من هذا، فيما يخص المشاريع الكبرى، يكون التشاور حاليا هو القاعدة([4]).
[1]– ENA, 1960, p. 7
[2]– Renan, La réforme intellectuelle et morale, cité par Jaques Julliard, in La faute aux élites, Paris, Gallimard, 1997, p. 63-64.رينان، الإصلاح الفكري والأخلاقي، ذكره جاك جوليار، في خطأ النُّخَب، باريس، غاليمار، 1997، ص. 63-64 /
[3]– Michel Crozier, La crise de l’intelligence, essai sur l’impuissance des élites à se réformer, Paris, Inter Editions, 1995, p. 160. ميشيل كروزيي، أزمة الذكاء، بحث حول عدم قدرة النخبة على إصلاح نفسها، باريس، أنتير إيجيسيون، ص. 160
[4]– Cf. la Commission nationale du débat public et la Conférence des citoyens évoquée à la fin du chapitre 3
اللجنة الوطنية للحوار العمومي و مناظرة المواطنين المشار إليها في نهاية الفصل 3
د. عبد الواحد التهامي العلمي









































































PDF 2025

