حوار مع بالدكتور جمال الدين علال البختي
نظم مركز “أبي الحسن الأشعري” التابع للرابطة المحمدية للعلماء يومين دراسيين في موضوع العقيدة والتصوف في فكر الشيخ سيدي أحمد بن عجيبة، بتنسيق مع نقابة الشرفاء العجيبيين وبمشاركة باحثين وعلماء، بحضور الأمين العام للرابطة الدكتور أحمد عبادي. وحرصا من جريدة الشمال على تنوير الرأي العام والخاص بأهمية هذين اليوميين الدراسيين اللذين جريا بمكتبة أبي الحسن الشاذلي بمرتيل وضريح سيدي أحمد بن عجيبة بالزميج، التقينا بالدكتور جمال الدين علال البختي مدير المركز المذكور فأجرينا معه الحوار الآتي:
س ـ ما هي الخلفيات الموضوعية لتنظيم هذين اليومين؟
ج ـ إن التراث الإسلامي لهذه الأمة كلٌّ لا يتبعَّض، ونسيجٌ لا يتجزّأ؛ تنصرم فيه المذاهب الفقهية بالمدارس الكلامية، وتتكامل فيه مناهج الاعتقاد مع مسالك التخلُّق ومنازلِ التصوف؛ فليست هذه العلوم والفنون، في الحقيقة، إلا فَسْخا لمعاقدِ هذا الدين الحنيف الثلاثة؛ الإسلام، والإيمان، والإحسان، حتى إذا ما رام الواحد منا قطعَ أحدِها عن أخويْه، أصاب بقية الجسد بداءٍ مميت. وبهذا المنظورِ التكامليِّ نظَرتْ أجيال القرون الخيّرة إلى هذا الدين، وصُدوراً منه تفتقت أنظارُ الفقهاء والمتكلمين، وفاضت حِكَمُ الأولياء، وإشاراتُ الواصلين، فخلَّفوا لنا بذلك إرثا علميا وعمليا قمينا بالبحث والدراسة والاستلهام. ولقد ابتُلينا في زماننا بالتجافي عن جملة مهمة من هذا الإرث النفيس، خصوصا ما تعلق منه بعلوم التصوف والكلام، فأعرضنا عنها حينا من الدهر بفعل الحملات المتوالية التي تقضي برمْي المشتغلين بها بالجهل والابتداع تاراتٍ، وبالشرك والكُفر تارةً أخرى، حتى بات المنتسب إلى العلوم الشرعية ينأى بنفسه عن الخوض في هذه العلوم؛ يتقي من خصومها تُقاةً فِرارا منْ تُهَم التفسيق والتبديع والتكفير. ولم ينلِ العلومَ الدينية مجتمعةً ما نال التصوفَ وأهلَه من مواقفِ العداء، وفتاوى التحريم، وأحكام التبديع؛ حتى صار مصطلحُ التصوف عند شرائحَ عريضةٍ من العامة والخاصة عَلَما على البدعة، ونجاسةً تستوجب الغُسل، وبات الحديث عن الأولياء والصالحين مثارا للتفكُّه ومناسبة لخطاب: احذر.
ليس كل ما يرِثُه الوارث على وِزان واحد من الأهمية والصلاح، ولئن انطبق هذا الحكم على ما يتركه الميت لورثته من المنقولات والعقارات، فهو في حق الإرث العلمي والفكري آكد، نظرا لكونه نتاجا إنسانيا نسبيا يتفاوت جدة وأصالة وجودة، ـ غير أن أهله أحياءٌ غيرُ أموات ـ؛ فقد انتسب إلى التصوف من ليس من أهله، وتمسّك بحبله من الأدعياء من شانوا صَفْوه، وعكّروه بكَدَر البدع والخرافات والأساطير.. لكن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث؛ فليس ابتداعُ من ابتدع من بعض المنتسبين إليه بطاعن في عِلمٍ شريف أقام أركانَه قُللٌ في العلم والعبادة؛ فقها وعملا، ذِكرا ومذاكرة، تربية وتأليفا، وشهد لهم بذلك العدول من العلماءِ والفقهاءِ والمحدِّثين مشرقا ومغربا. نجتمع وإياكم في هذا المحفِل العلمي المبارك لنقف عند إرثِ أحد الأولياء المشهود لهم بالعلم والزهد والولاية؛ رجلٍ من رجال الله الذين تعْجب العقول من سيرتهم وآثارهم، وتهتز القلوب من روحانيتهم وعبوديتهم.. وارثِ سرّ الطريقة الشاذلية-الدرقاوية وأحدِ أقطاب التصوف السني في الغرب الإسلامي.
س ـ ما هي الأرضية المعدة من طرف المركز حول هذا الموضوع؟
ج ـ من المعلوم أن التصوف منذ ظهوره بالغرب الإسلامي عرف اختلافا بيِّنا في مناهجه التربوية ومسالكه العلمية، وذلك باختلاف الأسس التي اعتمدها أرباب التصوف للوصول إلى مقامات التحقق؛ قام في الفترة الأولى على الزهد في مُتع الدنيا وحَمل النفس على المجاهدة في الطاعة، وكان يهدف أساسا إلى التعريف بروح الاسلام ونشره، كما قام في بعض فتراته على التجربة الوجدانية متوسلا بمسالك الأحوال والمقامات، وأوغل في ذلك أحيانا أخرى حتى أصبح لا سبيل إلى إدراك الظواهر الصوفية إلا عن طريق الذوق، الأمر الذي أخرج مواقِفه التي تبناها فيما بعد ما عرف بـ”الحركات” أو “الطرق” الصوفية عن إمكانية التتبع بالتحليل والتقييم وَفْقَ ضوابطِ ومناهجِ البحث العلمي، وقد قامت الطرق الصوفية بنشر رسالتها واستقطاب مريديها، وأنشأت لذلك مدارس ورباطات وزوايا بالمغرب الأقصى وصل مداها شرقا ليشمل المغرب الأوسط والأدنى (تلمسان والقيروان) وشمالا في العدوة الأندلسية. ووقوفا على العصر العلوي، نسجل انتشارا كبيرا لعدد من الزوايا والطرق الصوفية كالطريقة الكتانية والعلوية والقادرية البودشيشية والدرقاوية، والريسونية والناصرية والتيجانية وغيرها من الزوايا والطرق، استهدفت إصلاح أحوال المجتمع، وتحصين العقيدة من تلاعب المغرضين، وتفعيل أركان الإيمان للارتقاء به إلى مقام الإحسان في الأعمال، واستثماره في تربية النفس وتزكيتها، للقيام بالأوامر الإلهية امتثالا وحبا، وهذه ملامح العلاقة الواصلة بين الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف على طريق الجنيد، التي طمح علماء المغرب إلى ترسيخها أملا في تيسير خطاب الشرع للإنسان مما لا يسع المؤمن جهلُه من أمور دينه، ونأيا به عن التدابر العقدي وتكفير العوام؛ حيث جمعت هذه الخصوصية المغاربة وحفظتهم من الغلو والتطرف، وصولا بهم إلى التعايش والتسامح والبحث عن المشترك العام بينهم. واستحضارا لما قامت به أبرز المدارس الصوفية التي ظهرت في هذه الفترة، وتخرج بها كبار رجال التصوف الذين أثروا في أجيال لاحقة وما زال فكرهم حاضرا إلى يومنا؛ نذكر طريقة الإمام أبي الحسن الشاذلي(من:571إلى656هـ) ومن بعده طريقة الإمام محمد العربي الدرقاوي (من: 1150إلى1239هـ) التي تميزت في دعواها إلى العودة بالتصوف المغربي إلى ينابيعه الأولى القائمة على نوع من الحرية الفكرية المنضبطة في أساسها بمبادئ القرآن والسنة، ودعت إلى تصوف عملي يشارك في مختلف شؤون البلاد الاجتماعية والسياسية وتجنب الاختلاء والعزلة عن الناس، في فترة انتصبت فيها جماعات نسبت نفسها للتصوف اصطبغت بصفة “الطرقية”؛ نأت عن التعاليم الإسلامية السمحة واتشحت برداء البدع والضلالات، حتى أصبحت حاملة لواء الجهل والخرافة، بل بلغ من خطرها أن صارت تهدد المجتمع المغربي في عقيدته ومستقبل بلاده؛ بما كان مريدوها يرتكبونه – باسمها- من المنكرات فرَّقتْ كلمة المسلمين وجعلت الدين الواحد أديانًا، وسيعرف التاريخ الإصلاحي للطريقة الدرقاوية تحولا إيجابيا مع انضمام أحد أعلام التصوف السني في القرن الثاني عشر الهجري بالمغرب إلى صفوفها وهو سيدي أحمد بن عجيبة (1162- 1224هـ/ 1748- 1809م) الذي كانت له اليد الطولى في تأصيل أصول هذه الطريقة وتقعيد قواعدها في التصوف، فاستطاعت بذلك أن تفرض هيمنتها على سائر الطرق بالمغرب طيلة قرن من الزمن، بل يمكن أن نقول إنها أصبحت – خلال القرن التاسع عشر الميلادي- تمثل سلوك التصوف المغربي نتيجة الطفرة النوعية التي أحدثتها في المشهد الصوفي المغربي، والشيخ أحمد ابن عجيبة من مكثري عصره في التأليف، وشُهر بتفسيره الموسوم بـ«البحر المديد» والذي يعتبر موسوعة قرآنية صوفية ضخمة لاشتماله على أقوال عدد كبير من أرباب علماء التصوف، كما عُرف أيضا بكتابه «إيقاظ الهمم في شرح الحكم» الذي يمثل في نسقيته مدرسة تربوية سلوكية قائمة بذاتها، وله عدد من الرسائل في العقيدة والتصوف، إضافة إلى «فهرسته» الزاخرة بمعلومات تاريخية مهمة ودرر أدبية من تراثه الشعري… والمستقرئ لهذه الأعلاق النفيسة يلحظ في مجموعها رنوّاً إلى الترابط والوصل بين الجانب العقدي الدقيق والجانب الشرعي العملي والجانب الصوفي السلوكي، وتظهر من هذا الوصل وظيفية العناصر الثلاثة وتكاملها في انسجام يكشف عن حِذق الرجل ومكانته واطلاعه الواسع على عدد غير قليل من العلوم والمعارف، بل وتفننه في جلها؛ ولا أدل على ذلك مما دبجه في مؤلفاته العديدة في علم التفسير والقراءات وعلم الحديث والرجال والفقه والعقائد واللغة والسلوك، ويَعِد البحث فيها وتتبعها بالدراسة لاستخراج العديد من أساسيات فقه السلوك كما فهمه علماء الصوفية بالمغرب. وقد اضطلعت الطريقة الدرقاوية بأدوار جليلة تحت لواء الإصلاح ربطا بين التحقق والتخلق في سلوك عامة الناس وخاصتهم، وقضاء على الخرافة والانحرافات الأخلاقية والدينية والاجتماعية، في وجه الطرق الأخرى التي اتهمت بالابتداع، حتى تعرض روادها وعلى رأسهم سيدي أحمد ابن عجيبة لجملة من المضايقات بسبب نهجه الإصلاحي الذي لم يرق أرباب المصالح الدنيوية في زمنه، بل اتهم بالمروق من الدين وبإحداث البدع فيه.
س ـ كان لكم تنسيق قبلي مع نقابة الشرفاء العجيبيين؟
ليس بعجيب أو بعيد أن تنظم نقابة الشرفاء العجيبيين هذا اللقاءَ العلمي بالشراكة مع الرابطة المحمدية للعلماء في شخص مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية؛ فبين التصوف وعلم الكلام في المغرب ـ خصوصا عند المتأخرين ـ من الوشائج والتداخل ما يجعلهما وجهين مختلفين لعملة واحدة؛ أولهما استدلالي برهاني، والثاني كشفي وجداني. ودونكم تعريفا للتصوف رسَمه سيدي أحمد ابن عجيبة قائلا:
«موضوع التصوف: هو الذات العلية، لأنه يبحث عنها باعتبار معرفتها إما بالبرهان، أو بالشهود والعيان، فالأول للطالبين، والثاني للواصلين. وقيل: موضوعه النفوس والقلوب والأرواح، لأنه يبحث عن تصفيتها وتهذيبها، وهو قريب من الأول، لأن من عرف نفسه عرف ربه»
وكلا التعريفين يصل التصوف بالكلام؛ فالذات الإلهية وصفاتُها هي محلُّ أنظار المتكلمين واستدلالاتِهم، ومَطمعُ مجاهدة المتنسّكين وشُهوداتِهم، والقومُ جميعا يَصدُرون عن الوحي وينظرون في أنفسهم والآفاق من حولهم لمعرفة الباري تعالى.
نقف اليوم مع إرثٍ من إرث أسلافنا العلماء، نقف أمام تركة علمية وروحية لعالم صوفي فذ ترك لنا بحرا مديدا من الآراء والحكم والإشارات تستحق العناية بها مدارسةً ومباحثةً ومفاتشةً وفق ما تقتضيه من المقاربات العلمية الهادفة والمرافعات الفكرية البانية.
س ـ ما هي غايات الندوة ومقاصدها؟
ج ـ تنعقد هذه الندوة بحثا عن المشترك العام للمدارس الصوفية بالمغرب ورصدا لإسهاماتها في إصلاح المجتمع خاصة في الفترة الاستعمارية التي عرفتها منطقة الغرب الإسلامي نهاية القرن الماضي، ووقوفا على تجربة من عايشوا هذا الوضع، وبيانا لدور هذه الحركات الإصلاحية في تشريح الأوضاع وإصلاحها، وإبرازا للنموذج الرائد في التجربة الصوفية الإصلاحية الذي مثله أحمد بنعجيبة، ولكن التركيز في هذه المدارسات والبحوث ينطلق ويركز أساسا على البعد العقدي في نتاج الشيخ، وعلى ما أسهم به في نشر الاعتقاد الصحيح والتخلق بالسلوك القويم.
س ـ ما هي الخطوط الكبرى لهذه القاصد؟
ج ـ من مقاصدنا:
ـ البحث في تاريخ التصوف بالمغرب وتمييز خصوصياته وارتباطاته بالمجال العقدي والكلامي
– تتبع سيرة أحد أعلام التصوف المغربي وهو العالم الشيخ “سيدي أحمد بن عجيبة”
– استخراج العديد من أساسيات فقه السلوك كما فهمه علماء الصوفية بالمغرب انطلاقا من مؤلفات الشيخ وأعماله العلمية.
– الوقوف على العلاقة الواصلة بين الفقه والعقيدة والتصوف عند المغاربة انطلاقا من توجههم لإصلاح المجتمع والوقوف في وجه البدع والخرافات
– الاطلاع على الدور الذي قامت به الزوايا والطرق الصوفية في التحام المغاربة سياسيا واجتماعيا
– الوقوف على ما ساهمت به هذه المدارس والرباطات الصوفية في نشر العلم وتوعية الناس ومحاربة الدجل والبدع والضلالات
– الاطلاع على الإنتاج الأدبي الصوفي المغربي الذي يعد أحد أقوى الاتجاهات الشعرية في العصر العلوي على الخصوص.
– النبش في جوانب من كتابات الغربييين عن تجربة التجربة الصوفية المغربية من خلال تصوف الشيخ أحمد بن عجيبة.
س ـ ما هي آفاق العمل في الاستقبال؟
ج ـ هذان اليومان الدراسيان حلقةٌ من حلقات العلم والدرس.. نجدد بهما الصلة بعلم التصوف عبر آثار الشيخ أحمد بنعجيبة آملين أن تكون فعالياته في مستوى ما ينتظره الناس من المتدخلين المشاركين في إعداد وإنجاح هذا اللقاء وعلى رأسهم الدكتور أحمد عبادي (الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء)، والأستاذ جعفر بنعجيبة (نقيب الشرفاء العجيبيين)، كما أتقدم بشكر خاص للأساتذة المشاركين في هذا اليوم على المجهودات المضاعفة المبذولة في إعداد البحوث، وأخص بالذكر الوافدين علينا من خارج تطوان، وعلى رأسهم فضيلة الأستاذ الدكتور عبد المجيد الصغير.









































































PDF 2025

