تميز العصر الإسماعيلي بخصائص ومميزات جعلته يتصدر عصور الإبداع في العصر العلوي، من هذه المميزات وفرة الشعراء إذ جعلهم الدكتور الترغي رحمه الله ما يربو على 300 شاعر، وقد قسم الترغي الاتجاهات الشعرية في هذا العصر إلى 3 اتجاهات[i]: الصنعة والمعنى وشعر الفقهاء.
يتموقع شعر التستاوتي ضمن شعر المعنى المتميز بالفطرة والتلقائية، ومن خصائص شعراء المعنى: الغزارة الشعرية والموضوع وتقليد الفحول.
وتوصف الكتابة الشعرية في العصر الإسماعيلي بأنها تسير على مذهبين اثنين هما:
– حماسة أبي تمام وما جرى مجراها من نسيب ومدح وهجاء ورثاء ومخاطبة.
– اتجاه ديني تميز بشعر المديح بنوعيه النبوي والسلوكي، وتميز هذا الاتجاه بالتصوف عموما فعمت الصوفيات والتوسلات.
ومن أبرز شعراء هذا العصر نجد الشاعر أحمد بن عبد القادر التستاوتي.
فمن هو التستاوتي؟ وما مميزات خصائصه؟
أحمد بن عبد القادر التستاوتي 1042-1128هـ تتلمذ على شيوخ الزاوية البكرية، ومن أساتذته الحسن اليوسي وعبد القادر الفاسي والشيخ ميارة وابن ناصر الدرعي، ومن مؤلفاته: نزهة الناظر وبهجة الغصن الناضر.[ii]
يعتبر التستاوتي شاعرا فذا من العهد الإسماعيلي، كان نبأ عظيما في سماء التصوف المغربي. خصصت له دراسات مقالات تتناول أدبه بالدارسة والتحليل، وهو الجدير بذلك نظرا ل:
- براعته النظمية: أعجوبة في النظم والنثر
- حسن بديهته: حضور للفكرة وانهمار للتعبير وتدفق في الإفصاح.
- كان حفظه عجيبا وذكاؤه أعجب
- قال فيه ذ الخمار الكنوني: أحد شعراء المغرب الكبار
- وقال عنه ذ مفتاح: الشخصية التي تضاهي الشخصيات المغربية[iii]
يعد د شهبون عبد اللطيف[iv] من أبرز الباحثين الذين نفضوا الغبار عن شخصية وإبداع التستاوتي من خلال أبحاثه الأكاديمية التي انطلقت مع بحثه المعنون بجمع وتحقيق وتقديم شعر أحمد بن عبد القادر التستاوتي[v] ويليه العمل الآخر الخصائص الأسلوبية في شعر التستاوتي[vi]، وقد اشتغل بتراث التستاوتي العديد من الباحثين منهم:
- أحمد الطريبق، الكتابة الصوفية في أدب التستاوتي
- محمد ابن الصغير، بناء القصيدة الصوفية في الشعرالمغربي التستاوتي نموذجا
- ناهد المودن، رسائل التستاوتي
- حكيمة الفحصي، منظومات التستاوتي
- ملحونات التستاوتي
يعد ديوان التستاوتي من ذخائر ونفائس الشعر العربي في العصر الإسماعيلي، فأول نص شعري للتستاوتي وصل إلينا يرجع إلى سنة 1067 أي عمره إذ ذاك 21 سنة، واخر نصوصه كان سنة 1127 بمعنى أن التستاوتي أمضى 60 سنة في كتابة ونظم الشعر.
والكتاب الذي سنخصص له المقال بعنوان الخصائص الأسلوبية في شعر التستاوتي منشورات كلية الآداب بتطوان مطبعة الخليج العربي 2008، يقع في 516 صفحة من القطع المتوسط. يتألف الكتاب من قسمين اثنين يضم كل واحد منها بابين وتندرج تحت الباب فصول، الباب الأول خصص للشاعر تعريفا به وبعصره، والباب الثاني دراسة في معمار النصوص متنا وأغراضا، وخصص الباقي لدراسة الشكل الشعري فتوقف عند البحور الخليلية والضرائر الشعرية والمكونات البديعية والاختيارات الصرفية والتركيبية (الأساليب والمعجم).
المبحث الأول في الفصل الأول توقف عند دراسة العتبات النصية، فوجد ان الشاعر قدم لمجموعه الأدبي (النزهة) تم قدم للباب (الفصيح والملحون)، كما اعتنى التستاوتي بتذييل النصوص أو صناعة الخاتمة. كل ذلك ساعد الباحث في توصيف البناء المصاحب للنص الأصلي ومحاولة دراسة حضوره وإسهامه في فهم النص.
اختار الأستاذ شهبون الاشتغال بالخصائص الأسلوبية في شعر التستاوتي وهو المسكون بسحر الشاعر وشغوف بالتفصيل في معانيه الشعرية، وقد استهوته التجربة الشعرية للتستاوتي منذ ارتباطه به من خلال العمل الذي عمد إلى جمع نصوصه الشعرية وتقديمها.
سنقف عند الأغراض الشعرية عند الشاعر كما صنفها الدكتور شهبون، فنجد التستاوتي قد نظم الشعر في المديح النبوي والمديح السلوكي والتوسلات والمراجعات والوعظ والمكاتبات والشكوى والرثاء، تنوع في الأغراض يدل على موسوعية شعرية وانفتاح للشاعر على مواضيع متنوعة، والملاحظ أن جلها يندرج تحت الشعر الصوفي المرتبط بالتزكية والسلوك لكنه يتسع ليشمل المراسلات الإخوانية.
تعهد د شهبون النصوص الشعرية للتستاوتي بدراسة الإيقاعات والبحور، يقول “نظم التستاوتي أشعاره في إطار البحور الخليلية” [vii] فتوسل الباحث بالدوائر الشعرية لدراسة الإيقاع عند التستاوتي.
انتقل الباحث بعد ذلك لتتبع خصائص ووظائف الضرائر الشعرية، ثم رصد نسق المكونات البديعية والاختيارات التركيبية والصرفية وتوقف عند الصور الشعرية، كل ذلك خدمة للنص التستاوتي من جانب الأسلوب وتوظيفا للأسلوبية.
إن هذا العمل لبنة في صرح الدراسات الجادة التي أماطت اللثام وكشف حجب النسيان عن أفذاذ المغرب ورجاله، ورسمت صورة متكاملة المعالم لشعر فذ من العصر الإسماعيلي كان قد طواه النسيان وأشاح بوجهه عنه الزمان، فقامت همم الباحثين ومنهم الدكتور شهبون ليستقرئوا النصوص ويغوصوا في عوالم خفية وليستنبطوا كنوزا منسية. فكان لهم فضل السبق وفضل العمل الرصين، فجاؤوا بالسمين المعين.
فهذا قدر الله لهم أن يكونوا سباقين مجدين.
“وهكذا شاء الله أن أرافق جهدي مع جهد من سبقني في: الاكتشاف والتعريف، والنظم والتأليف .. وهم جمع قلة على كل حال.”[viii]
الهوامش:
حركة الأدب في المغرب على عهد المولى إسماعيل 1082-1139 دراية في المكونات والاتجاهات[i]
مخطوط ضخم يتألف من عدة أبواب (الفقه-الرسائل-الشعر الفصيح-الملحون)[ii][ii]
أستاذ التعليم العالي بتطوان، له دواوين شعرية منها: كما لو رآني – وذاتي رأيت – إليك انتهيت[iv]
نوقشت بتاريخ 18 دجنبر 1990 بآداب الرباط [v]
منشورات آداب تطوان مطبعة الخليج العربي 2008 [vi]
د. محمد التويرة









































































PDF 2025


