تابع المبحث الثاني.
-النور وغير النور:
يشترك الشعراء ثلاثتهم في استحضار موضوعة “الطين” في مقابل “النور” ويختلفون بعد ذلك في الاهتمام بهذه الغيرية التي تشكل عملا معاكسا يحول بين الشاعر و”النور”؛ فالأمراني، بالإضافة إلى “الطين” يستعمل “اللهب”‘([1]) و”المصابيح”([2]) و”الأضواء الكاذبة”([3]). ويهتم بنعمارة ب “النار”([4])، بينما يكتفي الرباوي بتلك الموضوعة المشتركة.
– الأمراني:
ا- لقَد كَبُرت في القلب شجيراتُ الحزن
وعَذَّبني الطين
وأنا أحمل أوزاري
وأمُدُّ الطرف إلى أنوارك([5])
ب- و”دُوريسُ” في قلبِ باريسَ كالنجمة الشارده
تمارسُ غربتها القدسيةَ في الساعة الواحده
تُضيء…تضيء
وتَسمو على طين باريس
فهل تُسْـلِمين إلى النور يوما قيادَك؟
هياكل نور تَفَـتَّحُ دونكِ
فافتتحي صلواتك خاشعة مطمئنة([6])
ج- يا صديقي:
أنا من ماء وطين
وسراجُ العقل إن لم يلتمس من نفحة الأشواق نورا
صار وهما كالجنون([7])
د- بعدما غاض نور السماوات في الأفئده
يحذركم نفسه
ثم ينذركم بماء وطين
آهٍ يا جسدا عانق الطين عضوا فعضوا
وروحا تسامق للسماء للنور حبا ونجوى([8])
– بنعمارة:
ا- عبرتُ المدى وبين يديكِ ينابيع نور
وصخر المكان يطاردني
-ألستَ من الأرضِ
من صخرها المرمري؟
أعود إليها
فيتبعني أفعوان الغبار
ويرخي السواد أناشيده
وتسكنني دهشة الظلمات([9])
ب- هي كوكب من نور
تزوجتُك فاخترت اللونين
البنيَّ الغارقَ في الطين
ولون البحر..([10])
– الرباوي:
ا- يجذب هذه الذاتَ إلى حضرته النورُ
القهار، فيلتصق الجمر العذب بأجنحتي
المصنوعةِ من زبد الصلصال الفاخر
يلتصق الجمر ولكن ما زلتُ أطير إلى
حيث النورُ الجبار…ضعيفا كنتُ ضعيفا ما زلت([11])
ب- تَنبتُ كالـْفـُطْرِ مقاهي وجدةَ…وتبقى مغلَقة الأبوابِ
مساجدُ هذه القرية. كيف يزور النورُ
خرائب هذا القلب. وما زال أسير الصدأ المسنون؟
بعيدٌ هذا المسجد يا قلبي. وقريبٌ
ذاك المقهى الفرحان([12])
آفة النور في الإنسان هذا البرزخ الطيني المظلم الذي يشد المرء إلى شواغل الجسد ويثبط همته ورغبتَه في قهر صيصته الظلمانية. فمَن كان عشقه للنور وشوقُه إليه أقوى استطاع أن يتسامق إلى الأنوار العليا، ومن غلب عليه الطين لن يزيده إلا غرقا في وهدته ملقيا بينه وبين النور حجابا صفيقا. وما زال المؤمن في صراع بين الأمرين ما دام الإنسان قد خلق من صلصال. وهذا الصراع هو الذي تصوره النماذج السابقة، وكل شاعر تناوله بحسب حالته الشعرية.
-فالأمراني في النموذج(ا) يصور هذا الصراع بطريقة مباشرة؛ حيث يعلن أن أزمته كامنة بين واقعه الطيني وأمله النوراني؛ الطين يشده إلى الأرض والأمل يجذبه إلى السماء، والأوزار عوامل مساعدة للطين بإثقالها كاهل الشاعر مما يزيد من صعوبة نيل المبتغى.
أما في النموذج (ب) فيخاطب جانب الإيمان في الحضارة الغربية انطلاقا من أسطورة “دوريس” التي وضحها الشاعر بقوله في هوامشه: «تقول الأسطورة إن “دوريس” من حوريات البحر، تزوجت “نيروس” شيخ البحر، فولدت له خمسين فتاة كلهن ذات طبيعة إلهية- بحرية»([13]). وهي إن دلت على شيء فإنما تدل من جانب على هذا المخزون الإيماني لدى هذه الأمة في الماضي، كما تدل باستعادتها كأسطورة، على الشوق إلى هذا الإيمان في أعماقها. فكما سَمَتْ “دوريس” على الطين قديما، فإنها لا زالت تسمو اليوم على طين “باريس”؛ لأنها ما زالت تُرَدَّد على الألسنة. وترديدُها ما هو إلا حلم دفين بتحقيق التسامي على الطين مرة أخرى، وهذا ما أحس به الشاعر وهو يطّلع على هذه الأسطورة وجعله يسأل سؤال من يطمع في أن يدخل النورُ هياكل هذه الحضارة.
وفي النموذج(ج) يعود الأمراني إلى تقرير واقع الإنسان من خلال ذاته حين يخبر صديقه الإنسان بأنه من ماء وطين وأنه لا فائدة ترجى من العقل (في الحضارة المعاصرة المعلية من شأن العقل) إن لم يقتبس من النور الإلهي ما يهتدي به.
ولربما كانت أغرب علاقة ينشئها الشاعر بين النور والطين؛ هي تلك التي نجدها في نموذجه (د) حيث نلاحظ زيادة الكمية في الطين عند غياب النور من الأفئدة من جهة، ومن جهة أخرى زيادة في النور كلما زادت كمية الطين! ففي الصورة الأولى يصور الشاعر ارتداد الإنسان عن دين الله وتخبطَه في الظلمات مما يقتضي في تقدير الشاعر عقابا إلهيا، وهذا هو الذي وقع لمدينة “آرمرو” الكولومبية. وكانت قصيدته قد نظمت إثر الإعصار الطيني الذي اجتاحها يوم 13 نوفمبر 1985؛ إذ جاءها بمقدار عكسي لذهاب النور من الأفئدة. أما الصورة الثانية، فتخص الفتاة “عميرة”؛ إذ أن ازدياد الطين عليها وملابسته لأعضائها لم يكن دالا على نفاد النور من فؤادها، وإنما بالعكس؛ فإن الشاعر رأى أنه بمقدار زيادة تراكم الطين الذي ذهب بأنفاسها تزايدت الأنوار المتألقة منها. ذلك أن اسمها “عميرة”؛ دلت به على محافظتها على إيمانها في ليل كولومبيا، ودلت به على آثار حضارة لا زالت جذوةً كامنة في النفوس تنتظر من يحركها لتنبعث من جديد=وتأكَّد هذا وذاك من خلال آخر ما نطقت به وهي تلفظ أنفاسها؛ «وكان آخر ما نطقت به أن خاطبت أمها البعيدة عنها في “بوكوطا”: “أمي صلي من أجلي كي أستطيع أن أمشي”»([14]). وقد نجد مظاهر أخرى لاستحضار النور مع الطين في شعر الأمراني كقوله في قصيدته “مقام الحبيب ساعة التجلي”:
أيها الدرويش وما أنت؟
تراب في تراب
ها رحاب النور تدعوك إليها
فاحترق تخترق([15])
-ونفس الصراع يصوره بنعمارة خاصة في النموذج(ا) حيث يغير الطين ألوانه وأشكاله في مطاردته الدائمة للشاعر؛ فهو تارة صخر وأخرى أرض وثالثة غبار، ومهما جد الشاعر في الفرار إلى ينابيع النور فإنه لا يجد نفسه في آخر المطاف إلا وقد سكنته “دهشة الظلمات” واستسلم ل”أناشيد السواد”.
وفي النموذج(ب) لا يتجاوز الشاعر-كما فعل الأمراني تقريبا في نموذجه(ج)- تقرير كونه من جسد وروح، فهو يصف الذات بأنها نور وفحم أو بحر وطين: يدل النور والبحر على الروح، ويدل الفحم والطين على الجسد.
-أما الرباوي فله وقفتان من النور والطين في تصويره لهذا الصراع؛ ففي النموذج(ا) يشير إلى اتصال ذاته بالنور القهار بانجذابها إليه ولكنه يشكو هذا الضعف الذي يتسبب فيه الصلصال دون أن يستسلم الشاعر لليأس. وفي النموذج(ب) تطغى نبرة اليأس في تصويره لهذا الصراع غير المتوازن إذ يرى الشاعر الغلبة للطين؛ يظهر ذلك من خلال سؤاله الذي يستبعد فيه زيارة النور لقلب خرِب تسيطر عليه رغائب الجسد الطيني، بل إن الطين ليمتد إلى الخارج ليتجسد في تزايد المقاهي واقترابها بينما تُبعد المساجد وتُغلق أبوابها=فتسهُل تلبية رغبات الجسد ويصعب تحقيق مطالب الروح.
وبالإضافة إلى اقتران النور بالطين في مختلف تجلياته (طين، تراب، غبار، صلصال) لدى الشعراء ثلاثتهم فإن الأمراني وبنعمارة كما أشرنا قرنا النور بعناصر أخرى. فأما بنعمارة فأضاف إليه عنصر النار؛ قال:
ا- القلب نصفان:
الأيمن: نور
والأيسر: نار
ودماء مجاري جدول أعماقي
إيقاع يتبعه إعصار([16])
ب- -النار النورْ
أنت الكائن بينهما
أنت القفص الصدئ
وفيك نبوءة عصفور
-النار النور/ أنتَ وأنتْ
-النار النور/ الأنثى والأنثى([17])
ويبدو من خلال السياق أن النار نقيض النور يصور بها الشاعر الرغبات الجسدية الجامحة في الإنسان، وما الإنسان بهذه الصورة إلا طين أو “قفص صدئ” كما سماه الشاعر، فلا هو من النار ولا هو من النور، ومصيره أن يختار أو يحقق نوعا من التوازن بينهما.
أما الأمراني فيستحضر عناصر أخرى مع النور كما في النموذجين التاليين:
ا- مزيدا من النور، قد كاد يذهب بي عطشي
ويحاصرني لهب ما له من ضياء
مزيدا من النور
هيهات أن يستبد اللهيب بذاتي
وأنت لوائي([18])
ب- بعتُ أضواء المدينه
واشتريت النور غضا
يجتلي رائحة الوحي
وأنداء السكينه([19])
يستعمل الأمراني “اللهب” بدلالة مقارِبة لتلك التي أعطاها بنعمارة للنار، فاللهب مناقض للنور في كونه يحرق ويتسبب في العطش ويفتقد للضياء؛ وخطورته تكمن في أنه يحتل أماكن النور ويزداد حجمه بتقلص حجم النور في الذات؛ ولذلك يدعو الشاعر الله تعالى أن ينجده بمزيد من النور حتى يستطيع طرد اللهب.
وفي النموذج(ب) يشير الشاعر إلى الأضواء المغرية للمدينة المعاصرة وكيف تخلص منها في سبيل نور الوحي. فهذه الأضواء قد تشتبه على الإنسان بالنور الحقيقي فيكتفي بها، إلا أن البصيرة جعلت الشاعر يميزها عنه كما يقول في مكان آخر يخاطب غزالته:
رخوةٌ يا نِيبَةُ المسالكُ لا ظلَّ فيها
وبقعر الخوابي رياح السَّموم
لهن شهيق يرُجُّ الأضالع يشوي الوجوها
وتلك المصابيح كاذبة فالعنيها([20])
كما أنه يميز النور عن الذهب في قوله واصفا المجاهدين:
ومنبرهم قد رفعت من نور
لا من ذهب([21])
[1] – مملكة الرماد؛ 11.
[2] – سآتيك بالسيف والأقحوان؛ 52.
[3] – نفسه؛ 103.
[4] – السنبلة؛ 51،56.
[5] – “وأُصَلي لك أيضا أيتها الفاكهة المحرمة”، الزمان الجديد؛ 17.
[6] – “إيكار”، مملكة الرماد؛ 34-36.
[7] – “معزوفة الغريب”، نفسه؛ 72.
[8] – “البستان”، ثلاثية الغيب والشهادة؛42.
[9] – “الرسم بلادي وأناشيدي”، السنبلة؛ 43-45.
[10] – “هي الآن شراع يمشي”، نفسه؛ 78.
[11] – “لك الملك”، الأحجار الفوارة؛ 53.
[12] – “كأس من رماد”، أول الغيث؛ 22.
[13] – مملكة الرماد؛ 37.
[14] – من مقدمة الشاعر لقصيدته “البستان” التي منها النموذج،في مجلة “الموقف” المغربية؛ ع:9-1986؛ 58. وقد حذف الشاعر هذا التقديم للقصيدة في المجموعة الشعرية “الزمان الجديد”.
[15] – مملكة الرماد؛ 90.
[16] – “من كلمات النهر”، السنبلة؛ 51.
[17] – “مقام ترتيل الصمت”، السنبلة؛ 56-57.
[18] – “استغراق”، مملكة الرماد؛ 11.
[19] – “من حراء”، سآتيك بالسيف والأقحوان؛ 103.
[20] – “الدخول إلى حدائق إقبال السندسية”، سآتيك بالسيف والأقحوان؛ 52.
[21] – “كفبق الصبح”، مملكة الرماد؛ 21.
د. المختار حسني









































































PDF 2025


