2-د. محمد مفتاح وكتابه: دينامية النص.
أما في كتابه “دينامية النص” المؤلَّف بعده، فكان حديثه فيه عن “الحوارية” التي يرى بأنها تنقسم إلى حوار داخلي وحوار خارجي([i]):
-الحوار الخارجي هو التناص الذي نحن بصدده، أما الحوار الداخلي فيخص كيفية تناسل الخطاب داخليا وخارجيا وهي كيفية معقدة يصعب «على باحث واحد أن ينجز تشخيصا كافيا لآلياتها»([ii]) إلا أن الباحث رغم ذلك يحاول أن يحدد الخطوط العريضة لهذه الآليات فيميز في الحوار الداخلي بين نوعين: نوع سطحي، وآخر عميق. النوع السطحي يتميز بوجود “قال” و “قلت” وما أشبه في الخطاب الشعري، وهو حوار سطحي ظاهر، كما يتميز بوجود ما يسميه الباحث بالحوار السطحي المضمر، وهو أن يخمن الشاعر أن معترضا يسأله وهو بصدد إنشاء الخطاب، فتكون كل جملة أو كلمة في هذا البناء إنما هي جواب عن سؤال مقدر يسأله هذا المعترض. وقد افترض الباحث نموذجا لهذا الحوار حول قصيدة للسان الدين بن الخطيب [الطويل]:
| وَدَيْــرٍ أَنَـخْــنَا في قَرَارَتِهِ العِيـسَـا | بِـــحِـــــــلَّــةِ رُهْـــــبـانٍ إِلاهُــــهُـمُ عِــــيـــسَـــى |
| عُـكُوفٍ على التِّـمْـثالِ يـَسْـتَلِمُونَهُ | ويُعـْنَـوْنَ بِــالإنْـجِيـلِ حِـفْــــــــظاً وَتَــدريـسـَـا |
| زَعَـقْـنَـا بهِمْ بَعد الْعَشِـيِّ فَهَـيْـنَمُوا | كَأَنَّـا ذَعَـــــــرْنَـا غَابَــةً مـِنْهُ أوْ خِــــــيـــسـَا |
| وَقُـلْـنَا: بَنُـو سُبْـلٍ جَـوَانِحُ لـِلْقِرَى | فَـقَـالَ زَعِيمُ الــقَـومِ: رَحْــــباً وَتَـــــــأْنِيـــســَا |
| فَقُلنا: هَـواءُ الـشَّامِ غَـالَ نُـفُـوسَنا | فَهــــَـلْ لَـكَ في شَيْءٍ يـُنَــــــفّـِسُ تَـنْـــفِـيـسَـا؟ |
| فَقَالَ: أَخَمْــرٌ؟ وَهْيَ شَيءٌ مُـحَرَّمٌ | عَلَيْكُمْ، لَبـــِئْسَ الْمُسْلِمُونَ، إِذَنْ، بِـــــــيسَا |
| فَقُلْنا: دَعِ الإنْــكارَ، إِنّــا عِــصَابَةٌ | يُطِـيعُـونَ، فِـيمَا تَـشْـتَهِي النّفْسُ، إِبْلِيسَـا |
| فَـــقَامَ يَــجُرُّ الْــمِسْـحَ ثُمّ أَتَى بِـهَـا | فَـأَبْـــــــــصَرْتُ كِــــــيـوانـاً تَــنَاوَلَ بـــــــــَرْجِـيـسَا |
| وَصَارَفَــتُهُ فِيهَا لُــجَـيْنــاً بِـــعَسْجَــدٍ | فَــــنَـاوَلَـنِي كَأْساً وَنَــــــــــــاوَلْــتُـهُ كِـــــــيسَا |
| وَلـــلهِ مِــنْ عَــيْشٍ نَــعِــمْنَـا بِـلَهْـوِهِ | حَـمِدْنَـا بِـــهِ مِنّا مَــقِـيلاً وَتَـــعْرِيــــــسَـا([iii]) |
ومن هذا الحوار المفترض ما يلي:
الشاعر: المعترض :
| ودير | ماذا فعلتم فيه؟ |
| أنخنا | أين ؟ |
| بحلة رهبان | من إلههم ؟ |
| عيسى | ماذا تفعلون ؟ |
| عكوف على التمثال | ماذا بعد ذلك([iv])؟ |
| …الخ |
أما الحوار العميق فيرى الباحث أن مقاربته في الشعر تكون أصلح بنظرية العوامل الكريماصية.
ونلاحظ هنا أن الباحث غيّر مصطلحاته وطورها، غير أنها لم تكتمل بعد؛ فالتناص الداخلي، مثلا، قد يحدث تشويشا في ذهن القارئ وهو يقرأ هنا “الحوار الداخلي” رغم أنهما متباينان كما هو واضح من تعريف الباحث لهما وما دام قد أخذ بمصطلح “الحوارية” في هذه المرحلة، فكان من المنتظر، على الأقل، أن يغير مصطلح التناص الداخلي السابق إلى ما يمكن أن يعبر عن “امتصاص الشاعر لنصوصه أو تجاوزها”. كأن يضع له مثلا مصطلح “الحوار الذاتي” أو ما أشبه. غير أن الباحث، ربما، لم تكن تهمه هذه الناحية “الشكلية” حتى يستقصيها كلها أكثر مما همه اكتشاف آليات اشتغال التناص وتحديد علاقته وتفاعلاته وصياغتها صياغة أقرب إلى الكلية والشمول. فلا بد، في كل تناص، من مقصدية وتماثل أو تشابه مع النصوص المستدعاة، وموقف ما، قد يكون سخرية أو تعضيدا…وهذه أهم المفاهيم التي استعملها الباحث لسبر أغوار التناص، وقبل تركيبها يعرف كل مفهوم على حدة:
ا-فالمقصدية هي ما يكون محركا للمنتج وللمتلقي من معتقدات وظنون وأوهام بوعي منه أو دون وعي([v])
ب-والمماثلة والمشابهة: هي نسبة الاتفاق بين المتناصين؛ بحيث تعني المماثلة الاتفاق في أغلب العناصر الذاتية بينهما، (مثلا نص 1= أ-ب-ج-د) (ونص ج= أ-ب-ج-هـ) وتعني المشابهة الاتفاق في أقلَّ ما يمكن منها (مثلا نص 1= أ-ب-ج-د ونص 2= د-هـ-و-ز…)([vi])
ج- ونوع العلاقة: هي تلك التي يربطها النص اللاحق مع النص السابق وهي، على العموم، إما علاقة تعضيد أو علاقة تنافر. ولإعطائها مزيدا من التحديد والإجرائية، يقترح الباحث تفريع كل نوع إلى ثلاثة أقسام ذات طبيعة تراتبية، ويضع لكل رتبة من رتب هذه العلاقة وصفا أو مصطلحا معينا:
أ.فالعلاقة التعضيدية تتفرع إلى:
1-التبجيل
2-الاحترام
3-الوقار [التوقير]
ب.والعلاقة التنافرية تتفرع إلى:
1-الاستهزاء
2-السخرية
3-الدُّعابة([vii])
على اعتبار أن التبجيل أعلى من الاحترام درجة، والاحترام أعلى من الوقار، وعلى أن الاستهزاء أشد تأثيرا من السخرية، والسخرية أشد تأثيرا من الدعابة. واعتمد الباحث، في هذا التدرج، كما يقول، على سليقته اللغوية؛ لكون المعاجم لا تساعد على ضبط هذه الفروق. وشرع، بعد ذلك، في التركيب بين هذه المفاهيم في إطار كل من النوعين العامين السابقين سعيا إلى ضبط جل، إن لم يكن كل، علاقات التناص الممكنة فوجدها سبعا لكل نوع، نكتفي هنا بذكر بعضها للتمثيل فمن علاقة التعضيد أو الحوار الجاد:
1.(+ مقصدية التثبيت + المماثلة والمشابهة + التبجيل) .
2.(-مقصدية التثبيت + المماثلة والمشابهة + الاحترام).
ومن علاقة التنافر أو الحوار الساخر :
1.(+ مقصدية تغيير الرأي + المماثلة والمشابهة + الاستهزاء) .
- (+ مقصدية تغيير الرأي + المماثلة والمشابهة + السخرية) .
وهو ما مجموعه أربعة عشر نوعا، زاد عليها نوعين، في الفصل الثالث من الكتاب([viii]).
– الأول للتعضيد: (+ مقصدية التثبيت – المماثلة والمشابهة – العلاقة) .
– والثاني للتنافر: (+ مقصدية تغيير الرأي – المماثلة والمشابهة – العلاقة) .
ويبدو أن هذه المفاهيم التي صاغها وطورها أقرب إلى الوصف العلمي من “القوانين” التي استعارها د. محمد بنيس، ذلك أنها لا تدعي بأن الشعر الذي يسود فيه حوار التنافر أرقى من الشعر الذي يتوسل حوار التعضيد. أضف إلى ذلك أنها أكثر تفصيلا وتنوعا، وأكثر إسعافا للمعالجة العميقة إذا وجدت يدا صَناعا، مع العلم بأن الباحث لم يغلق الباب دون من أراد الاجتهاد والإضافة خاصة وأن بعض المفاهيم الأساس، والتي تبدو واضحة للوهلة الأولى، تنطوي على إشكالية مؤكدة منها مفهوم المقصدية: «فمقاصد المتكلم، ناهيك بالشاعر…لا يمكن الحديث عنها بيسر أبدا، هذا إن لم يستحل أصلا، ذلك أنها تشتمل في أعماقها على أبعاد تتصل بلا وعي صاحبها…فليس كل ما صرح به معبرا عن قصد صاحبه»([ix])
مما يفتح الباب على مصراعيه للتأويلات التي قد تكون قريبة أو بعيدة من مقاصد الشاعر بحسب ما يمتلكه الدارس من قدرات ومعارف ومهارات؛ وفي هذا الإطار رأى د. سامي سويدان أن د. محمد مفتاح لم يستطع الوصول إلى مقاصد الشاعر، وركن إلى الاعتباطية في التأويل زيادة على السطحية والسذاجة والعبث([x]) في تحليله لقصيدة ابن عبدون في بني المظفر [البسيط]:([xi])
| الــدّهر يَــفْـــجَعُ بَــعْدَ الـعَيْنِ بِالأَثــَرِ | فَمَا الْبُكاءُ عَلى الأَشباحِ وَالصُّوَرِ([xii]) |
فإذا وافقنا، في الظاهر، على ما ذهب إليه د. سامي سويدان من وصف لهذا العمل، فمن الأكيد، من جانب آخر، أن د. محمد مفتاح لم يكن يقصد جعله يتصف بذلك وهو الذي حشد له ثمين علمه وجهده ووقته. فإن اعتبرنا من ذلك بشيء فليكن بهذا الجهاز النظري المتكامل الذي صاغه بمهارة ووفر أدواته الأولية لكل من رام دراسة النص دراسة محايدة. أما التطبيق فلكل اجتهاده وتأويلاته.
[i] – دينامية النص؛ 83-94.
[ii] – نفسه؛ 94.
[iii] – نفسه؛ 88. (الهامش) وبها بعض أخطاء تلافيناها هنا باعتماد ديوان الشاعر. وهي فيه تحت رقم 656. ص: 720-721.
[iv] – نفسه؛ 97. وفي التراث الأدبي العربي ما يؤيد افتراض الباحث هذا، ولنتأمل الحوار التالي بين الفرزدق والكميت وقد أنشده الأخير قصيدته؛ قال في الأغاني يروي ذلك مع الشعر [الطويل]:
| طربت وما شوقا إلى البيض أطرب | |
| قال : فقال لي : فيم تطرب يا ابن أخي ؟ فقال : | |
| ولا لعبـا مني وذو الشـيب يلعب؟ | |
| فقال : بل يا ابن أخي فالعب فإنك في أوان اللعب فقال: | |
| ولم يلهـني دار ولا رسـم مـنزل | ولم يتطـربـني بـنـان مخضـب |
| فقال : وما يطربك يا ابن أخي ؟ فقال | |
| ولكن إلى أهل الفضائل والنــهى | وخـير بـني حـواء والخير يطلب |
| فقال : من هؤلاء ويحك ؟ فقال : | |
| إلى النـفر البــيض الذين بحبـهم | إلى الله فيمـا نــالني أتــــقـرب…. |
| قال :أرحني ويحك من هؤلاء ؟ قال : | |
| بـني هاشم رهـط النـبي فإنــني | بهم ولهم أرضى مـرارا وأغـضب |
– الأغاني؛ 16: 350 . وهناك مثال آخر بين نفس الشاعر وأبان بن عبد الله البجلي، في: أمالي الزجاجي؛ 138.
[v] – نفسه؛ 82.
[vi] – نفسه؛ 83.
[vii] – نفسه؛ 84-85.
[viii]– نفسه؛ (الهامش) 103.
[ix] – جدلية الحوار في الثقافة والنقد، د. سامي سويدان؛ 45. وينظر أنواع المقاصد في تحليل الخطاب الشعري؛ 164-165.
[x] – نفسه؛ 46 وما بعدها.
[xi] – يشكل تحليلها القسم الثاني من “تحليل الخطاب الشعري”؛ 175-337.
[xii] – المعجب؛ 113.
د. المختار حسني









































































PDF 2025


