فيليب بروطون
الحجاج في التواصل
ترجمة
د.محمد مشبال
د.عبـد الواحد التهامي العلمي
Philippe Breton, L’argumentation dans la communication, Quatrième édition, La Découverte, Paris, 2006.
الإغراء، والبرهنة، والحجاج؟
في الوقت الذي نطرح السؤال على الجماهير المختلفة حول تمثلاتهم لفعل الحجاج، وكيف نستعمله بشكل ملموس لأجل الإقناع، فإننا نلمس عند الأغلبية منهم، أن الأمر يتعلق بصفة خاصة، إمَّا بالإغراء، وإمَّا بالبرهنة. إن هذه التمثلات التي لا تضع نصب عينيها الحجاج تشهد على تراجع التكوين وثقافة الحجاج الضرورية في الحياة الديموقراطية.
يعد فعل الإقناع غالبا موضعا لعنف معيَّن. فالتطويع النفسي الذي استعمل على سبيل المثال بشكل عريض لأجل الإقناع في بعض أساليب البيع، ينطوي على عنف يمارَس على الآخر، كما تدل عليه التجارب التي قام بها جول Joule وبوفوا [1]Beauvois . إن وسائل الإقناع يمكنها أيضا، في هذا المنظور، أن تستعمل بشكل خفي، بل من دون أن يعرف الآخر أنه هدف للإقناع، كما نجد في الحالات التي وصفها فانس باكار Vance Packard في كتابه “الإقناع السري”[2]. إن التكوينات العديدة في مجال “التواصل”، ليست سوى تعلُّم الطرائق التي تهدف إلى حصر الآخر في فخ فكري لا يمكن أن يتخلص منه إلا بتبني الفعل أو الرأي الذي “نقترحه” عليه.
نستطيع أيضا أن نقنع بواسطة طرائق ألطف. فالإغراء يستعمل غالبا لحمل الآخر أو حتى الجماهير بأسرها، على مشاطرة وجهة نظر ما. وعلى هذا النحو تحملنا جاذبية الخطيب إلى التفكير مثله.
إن عديدا من رجال السياسة ينهجون هذا السبيل بإقامتهم علاقة شبه شهوانية مع متلقيهم، وهي علاقة لا تَعْرَى عن الإيحاء الجنسي. إن الممارسة التي ترتكز على لمس الناخب (في الغالب بواسطة قبضة اليد) تتعلق بهذه الطرائق.
لقد شكَّل الإغراء على الدوام إحدى الوسائل المتينة للحمل على الإقناع الذي يأخذ أشكالا مختلفة. فاستعمال الوجوه الأسلوبية التي تُجَمِّلُ الخطاب بجعله ممتعا، سواء في التعبير الشفوي أو التعبير الكتابي، يتعلق بهذه الاستراتيجية. إن شعارا مثل: “كأس واحدة لا بأس بذلك، أما كأسان، فمرحبا بالخسارة”[3]. هذا الشعار الذي يوظف صورة محددة من صور الإيقاع، لا يستمد ما به من إقناع مما يحاججه أو مما يستدل عليه، بل يستمده من حضوره السائغ في الأذن الذي يخلق إحساسا بالوضوح.
ثمة وسائل إقناعية أخرى تستدعي شكلا من أشكال العقل المجرد أكثر مما تستدعي العواطف. يتعلق الأمر بالبرهان، أي بمجموعة من الوسائل التي تتيح تحويل إثبات أو ملفوظ ما إلى “واقعة ثابتة” غير قابلة للجدل إلا إذا أمكن أن نعارضها بملفوظ آخر أقوى استدلالا. وهكذا، إذا رفعنا شيئا ثم أطلقناه دون أن نحدد له اتجاها معينا، فإن هذا الشيء سيتجه من دون مقاومة نحو الأسفل (على الأقل سيسقط فوق الأرض) متبعا خطا متأرجحا متوقعا يوصف علميا بقانون الجاذبية. ولأجل الإقناع بأن الأمر يتعلق هنا بواقعة حقيقية، يضع الباحث برهانا مقبولا من أقرانه الذين يستطيعون فحصه والتأكد منه، ومقبولا من الجمهور على أساس ما يمتلكه من ثقة في الخبراء. إن قانون الجاذبية لا يخضع للحجاج (لا يتعلق الأمر هنا برأي)، إنه يناقش بين العلماء للبرهنة عليه وتأكيده.
يبتعد الحجاج، الذي يعد وسيلة متينة لإشراك الآخر في الرأي (الذي يمكن أن ينتج عنه فعل ما)، عن ممارسة العنف الإقناعي، كما يبتعد عن الإغراء أو البرهنة العلمية. يتعلق الأمر إذن بنوع خاص سنعمل على بيان خصوصيته وكذلك المقتضيات التي تحيط بإنجازه.
موضوع مركب
في الحقيقة يبدو الفصل النظري بين مختلف وسائل الإقناع أبسط مما هو عليه الأمر على الصعيد التطبيقي. وفي الواقع تتمثل إحدى الخصائص الكبرى للأفعال الإنسانية، إضافة إلى تركيبها، في أنها تبدو دائما محركة لكل ما هو ممكن بطريقة غير قابلة للتجزيء. وهكذا لا توجد مواقف خالصة للإغراء أو للبرهنة أو للحجاج إلا نادرا. فتاريخ البلاغة كله؛ أي “فن الإقناع القديم” يهيمن عليه “الإمتاع” و”التأثير” في مقابل الاستدلال الحجاجي الصارم. على هذا النحو، فإن الإشهار الحديث، بوصفه موضوعا مركبا، يدين بفعاليته المريعة إلى كونه يراهن على كل سجلات الإقناع في وقت واحد. فكل هذه العناصر، هي في الغالب، شديدة الارتباط. وسيكون إذن من الأفضل أن نقوم بوصف هذه المواقف، حسب الحالات، مثل المواقف التي يهيمن عليها الإغراء، أو تلك التي يهيمن عليها الحجاج.
إن الرؤية الصَّلفة للحقائق الإنسانية، يمكنها أن تؤدي إلى إنكار ثراء وتشابك الوسائل المستعملة في الإقناع. وفي الغالب ما تنطوي هذه الرؤية على نهج أساس يقوم على وضع الإغراء في المقدمة، وفي الخلف هناك استخدام لعلاقات السلطة. ولا يعني وجود مثل هذا التوجه أنه يُكَوِّنُ “الطبيعة” البشرية، أو أننا خاضعون له. وفي جميع الأحوال لن نأخذ بوجهة النظر هاته في كتابنا.
إن للإغراء بكل تأكيد جاذبيته، وهو لحسن الحظ ملائم لكثير من المواقف. ولكننا سنتعرَّف هنا وجود حالات متعددة، ولاسيما في كل الجدالات التي تسمح بها الديموقراطية اليوم، حيث يمكن أن يتعلق فعل الحجاج أساسا باستعمال البراهين التي تراعي المتلقي في موقف تواصلي حر. في هذا التوجه، سنعمل على تعريف الحجاج طوال صفحات هذا الكتاب، واعِينَ أن الأمر يخص، في الوقت نفسه، وصف آليات هذا العنصر الأساس في النشاط الإنساني، وإبراز كل الموارد التي يزخر بها بوصفه تقنية في التواصل، وهي تقنية جوهرية في الجدل والممارسة الديموقراطية.
الحجاج والمواطنة
يخضع وجود البلاغة بشكل واسع للاستعمال الذي يوظفها. لقد كان ميلادها داخل سياق قضائي في القرن الخامس قبل الميلاد، ثم انتشرت وامتدت بشكل سريع إلى المجال السياسي، كما يذكرنا بذلك بيير أوليرون Oléron Pierre بقوله إن الحجاج “لا يمكن أن يعمل إلا إذا كانت هناك موافقة مسبقة على فتح باب النقاش، وإذا كان أيضا من يتقدم للدفاع أو تبرير موقف ما، يرى من حقه أخذ الكلمة”.[4] والنظام الديموقراطي يكوِّن، بكل تحديد، مثل هذا السياق، و”من ثم يكاد تاريخ الفن الخَطابي يلتبس بالتاريخ السياسي”.[5]
لقد استوعب الرومان القدامى، مخترعو الجمهورية، جيدا هذا الطابع المركزي للحجاج مادام أنهم جعلوا منه، بشكل غير قابل للفصل، نواة لكل تعليم وأساسا للمواطنة. يتوجب علينا كذلك، من وجهة النظر هاته، ومن دون شك، أن نبذل مجهودا لكي نصبح معاصرين.
بيد أن ممارسة حجاج المواطنة تعرضت في الوقت نفسه إلى الانحراف بواسطة إمكانات التطويع التراجيدية للكلام ومن ثَمَّ للأذهان، هذه الإمكانات التي أتاحتها تقنيات التواصل في القرن العشرين، المشتقة أساسا من الجانب المظلم في المناهج القديمة للبلاغة. إن سلطة الإعلام، والتقنيات الدقيقة لِلتَّضْلِيلِ الإعلامي، واللجوء الكثيف للإشهار، تجعل التفكير في شروط الكلام الحجاجي مقابل البلاغة والتطويع، أمرا ضروريا كل يوم.
مقاربة مضاعفة للموضوع
على هذا النحو، نرى أن هذا المؤَلَّف قد كتب في الآن معا بتواضع يقتضيه بحث مستجد في الحجاج، كما كتب بكل الطموح الذي يفترضه مثل هذا البرنامج.
لقد صدر عن تصور يقترح على القارئ مقاربة مضاعفة للظاهرة الحجاجية؛ فهي تاريخية وبلاغية من جهة، وتحليلية تطبيقية من جهة ثانية.
تحدد الفصول الأولى مدلول حقل الحجاج وتصفه خصوصا من زاوية التواصل. وتسمح بالإلحاح على نقطة أساس لاستراتيجية الحجاج المتمثلة في الاتفاق المسبق مع المتلقي. هذا الاتفاق الذي يعمل، أكثر من أي شيء آخر، على وضع فعل الإقناع داخل منظور تواصلي.
إنها كذلك اللحظة التي نتساءل فيها عن المكانة غير قابلة للاختزال التي يحتفظ بها الإمتاع، والإغراء، والتأثير داخل فعل الحجاج، ولكنها أيضا اللحظة التي نتساءل فيها عن محاولات تطويع الأذهان والجماهير التي نواجهها كل يوم.
سيعثر القارئ -في الفصل الثاني خصوصا- على أدوات لتحليل الأقوال، والنصوص، والخطابات التي تسعى إلى الإقناع. إنه يقدم طريقة بسيطة تسمح بتنظيم حل شفرات هذه النصوص، التي تُفْرَضُ علينا في أغلب الأحيان، من دون أن نعرف كيفية اشتغالها.
أما باقي الفصول فتصف بكل دقة، انطلاقا أساسا من أمثلة مأخوذة من الجدال الاجتماعي والسياسي، مختلف أصناف الحجج المستعملة بشكل عام.
إن غايتنا هنا تمكين القارئ من تعلم ضبط “القوالب الحجاجية” التي تنساب داخلها مناقشاتنا. ومن دون شك، إننا نرى من خلال الأمثلة والنصوص المحللة، أن الحجاج ليس دائما تلك التقنية الوحيدة التي تعمل على إشراك الآخر في الرأي، ولكنه يعد، في الوقت نفسه، الأكثر ثراء على المستوى الثقافي، والأكثر انفتاحا على المستوى الإنساني.
[1]– 1987.
[2]– 1963.
[3]Un verre ça va, deux verres, bonjour les dégats. (المترجم)
[4]– 1993، ص.18.
[5]– Benoit، 1983، ص.39.









































































PDF 2025


