بنعمارة (تتمة)
وفي أول عهد بنعمارة بالإسلامية في الشعر نجده يهجر، أو يكاد، كلمةَ “العشق” حيث قلَّ عددها في مجموعته “نشيد الغرباء” التي تعتبر قصائدها النماذج الأولى لشعره الإسلامي. فبدا وكأنه هجرها فيما هجر من ماضيه!، وأقبل على شعر كان في تصور الشاعر يعني أن “يلتزم” بقضايا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ويصور الألم ويسترجع الأمجاد، ويفتح باب الأمل، مما هو، في مجمله، بعيدٌ أو كان يبدو له بعيدا عن معاني العشق السابقة، وكأن الشاعر كان يعني ذلك حين وصف الحرف/الشعر الذي ينظمه الآن بقوله في النموذج(ب):
والحرف اليانع يذوي اللحظة بين يديك
وهَزُلت فيه معاني عشقك
صلبوك
أمامهمو: إسلامك…
فعندما يتعلق الأمر بالشعر الإسلامي فإن معاني “العشق” تهزل وتذبل فيه، ويفقد الحرف ذلك الرواء والغنائية التي تحتفل بحب الشاعر/ الإنسان للمرأة. ويبدو أن الشاعر لم يَرُق له أن يتخلص نهائيا من هذه الكلمة بمعانيها القديمة؛ فكانت بداية تحويل مجراها، ربما، من هذه المجموعة الشعرية، حيث نجد مباشرة بعد المقطع السابق ربط الكلمة بالمرأة، إلا أن المرأة التي تُعشق هذه المرة، حاول الشاعر جهد المستطاع تخليصها من عوالق الواقع بالنعت والتشبيه موحيا بعدم قصده امرأة حقيقية. إلا أن الواقع مع ذلك ورغم النعوت والأوصاف يبقى قابعا في”امرأة” و”العينين” وكذلك في التشبيه=”تشبه قمرا” الذي، ولِقِدَمه وكثرة تداوله، فقَدَ إثارته وصار أقرب ما يكون إلى الواقع. قال:
أمامهمو: إسلامُك
كل عصافيرك تُقتل
من يتغنى بهواك: يجوع ويُجلد حتى الموت
ومن يعشق فيك امرأة أسطورية العينين
وساحرة تشبه قمرا أورق فيه النور
فَمُتَّهم.
وقد عاد بنعمارة إلى الاستعمال المكثف لكلمة “العشق”- وهو بعدُ أشد شعراء المتن عشقا لها!- في شعره التالي لمجموعة “نشيد الغرباء” عودةً تشبه عودة الولد “الضال”! ولا غرو أن نجده هو نفسه يعبر عن ذلك أفضل تعبير في النموذج(ح):
– معجزتي عشقي أتوكأ
وأهش به
فيه مآرب أخرى..
ويلوم ذاته الشاعرة التي كانت تتحمل المشاق من أجل عشق أقل ما يقال عنه إنه كان”وثنيا”، يقول من نموذجه(ج):
مجنونٌ أنت لأنك لطَّختَ يداً بِدمِ الفاكِهة الممنوعة
وَتَسَلَّقتَ جبالاً صَخريةً لتنادِيَ مِن فَوق القمةِ عاشقةً
بُوذِيَّةً مَنَحَتْكَ دُخولَ الذات لِتَسْأَلَ أجسَادَ التـربةِ
وَجَنَاحَ الشهوة، وتباريحُ الوجدِ النابِتِ في قلبك
سوسنةٌ تَسْتَرخي في معبد هذا الحب.
وَثَنِيٌّ؛ لأن المعشوقة(بوذية) ولأنها تربط الذات بالجسد والشهوة على حساب الوجد([1])، أو العشق الحقيقي الذي بدأ ينبت في هذه الذات. فقول الشاعر بأن (تباريح الوجد سوسنة تسترخي) دال على ذبولها، لغفلة الذات عنها وعنايتها بالسِّوى. وفي نفس النموذج يضع الشاعر، أمام الذات، الحد الفاصل بين الجسد والروح؛ بأن الثاني لن يتميز عن الأول إلا بعد المجاهدة باجتياز مسافة طويلة في “الطريق”([2])، كما عند المتصوفة، فيلج الجسد الوحشة وتدخل الروح “الزمنَ الضوئي”:
أوَتَدري مِن أينَ يَمُرُّ اثْنان
وبينهما شوقُ المشيِ الصاعِد
إنهما يَختفيانِ إذا طَال السير
الأولُ يَلِجُ الوحْشَةَ
أما الثاني فهو العاشق عَذَّبَهُ ظِلُّ النخل
فَهُزَّ الجذعَ يَسْقُطْ زَمَنٌ ضَوْئِيٌّ
ولا يخفى هنا المعنى الصوفي في ربط الشاعر بين العشق والزمن الضوئي كما هو مُبَين في شرح معنى “الوجد” في الهامش ما قبل الأخير، وتلميحه إلى معنى المحو والفناء([3])، بسقوط الضوء/النور على الظل/الظلام، وإشارته بكل ذلك إلى الأنس([4]) الذي هو فرح القلب بالمحبوب حسب تعبير الجنيد في مقابل الوحشة التي تعني الاغتراب والانقطاع عن الله تعالى؛ قيل للجنيد: «على ماذا يتأسف المحب من أوقاته؟ قال: على زمان بَسْطٍ أوْرَثَ قَبْضا، أو زمان أنسٍ أورث وحشة»([5]). ومن هنا نستطيع القول بأن بنعمارة قد خرج من بوتقة العشق القديم واكتشف دلالات العشق الصوفي عبر التناص. فكانت عودته إلى كلمة “العشق”، التي هجرها لفترة قصيرة، من طريق أخرى ومن أوسع الأبواب. والحقيقة أن الشاعر لم يعد إلى هذه الكلمة مفردة معزولة عن باقي السياق الشعري القديم كما قد يفهم من خلال إفرادها بالدراسة هنا، وإنما عاد إليها ضمن اللغة الغنائية الرومانسية المحتفلة بالحب الذي حاول الشاعر أن يرتقي به إلى معاني الحب الصوفي مقتديا في ذلك-على المستوى الشعري- بالصوفية في ارتقائهم بحبهم من العشق الحسي إلى العشق الروحي.
[1] – الوجد في اصطلاحات الصوفية له معان كثيرة بحسب المقامات والأحوال منها«في الأحوال: شعلة متأججة من نار العشق يستفيق لها الروح بلمع نور أزلي»؛ معجم اصطلاحات الصوفية؛ 317.
[2] -الطريق «عبارة عن مراسم الله تعالى وأحكامه التكليفية المشروعة التي لا رخصة فيها، فإن تتبع الرخص سبب لتنفيس الطبيعة المقتضية للوقفة والفترة[الفتور] في الطريق». -التعريفات؛ 183.
[3] – «المحو رفع أوصاف العادة بحيث يغيب العبد عندها عن عقله…والمحو الحقيقي فناء الكثرة في الوحدة». -التعريفات؛ 264.
[4] – الأنس: «أثر مشاهدة جمال الحضرة الإلهية في القلب وهو جمال الجلال». – رسائل ابن عربي؛ 532.
[5] – طبقات الصوفية؛ 163. -طبقات الأولياء؛ 129.
د.المختار حسني









































































PDF 2025

