الناظر في الخريطة الصوفية بالمغرب عبر عصوره يجد تقسيما جغرافيا لخريطة روحية .. وانطلاقا من هذا التقسيم انصرفت عناية أصحاب التراجم والمناقب والكرامات لرصد التحرك الصوفي داخل ميادين جغرافية معينة:
ـ بما تتسم به من صعوبات وتحديات..
ـ بما يحكمها من بعد وابتعاد عن السلطة المركزية باستثناء وسائط مكاتبات عامة ..
كما أن هذه الخرائط الصوفية كانت تختار مواقع حساسة اجتماعيا واقتصاديا لتقيم عليها ربطا وزوايا من باب التحصين واستمرارية الحياة الواقعية داخل فضاء مرسوم لكل زاوية صوفية..وهكذا يجد الباحث مادة خصبة رصدت التحرك الصوفي من وجهات:
ـ منقبية..
ـ كرامية ..
ـ تغلغل اجتماعي للظاهرة الصوفية ؛ تبعا لسير الطريقة واحتكاكها الجماعي/ الاجتماعي..
فالراصد للمغرب الأوسط يتصدر مرجعيته كتاب ” التشوف ” للتادلي ..
ومتابعة الحركات الصوفية بشمال المغرب تتم عبر ” المقصد الشريف ” لأبي يعقوب البادسي ..
والمواكب الصوفية في المغرب الشرقي تتحرك برسومات وخرائط ” أنس الفقير وعزالحقير ” لابن قنفد..
وبين الموقع ومواقع أخرى نجد في عمق الصحراء مصادر هامة عنيت بهذا الفن في ديوان المعرفة الاسلامية .
وتجب الاشارة في هذا الصدد الى ما ورد في نشر المثاني عن عمل الزوايا الصوفية في المحافظة والحفاظ على العلم وعدم انقراضه ، خاصة في مغرب ما بعد المنصور السعدي ؛ حيث حل الفراغ السياسي محل السلطة المركزية..
غير أن الزوايا ( الفاسية ـ الدلائية ـ الناصرية ) ظلت ممسكة بعصا التسيار من جميع الجهات ؛ علما وسياسة واجتماعا وتربية..
وهذا العمل الحمائي والتحصيني برز بصفة خاصة بعد معركة ” العقاب” وانحسار قوة الموحدين ؛ فكانت الربط والزوايا بدائل ، قامت بالتحصين ضد التحديات التي واجهت الأندلس والموحدين..
من هنا كان التلويح والتلميح الى أهمية الزوايا والربط الجهادية والصوفية وعملها العقدي والأخلاقي في مغرب ما قبل العصر الحديث بسنواته وعقوده وعصوره ..
والتاريخ الحديث يؤكد هذه الفعالية الجهادية على الثغور والحدود معا ؛ حيث كان للزاوية الدرقاوية عمل دفاعي في حدود الجزائر ضدا على الاحتلال العثماني الذي بسط نفوذه على أرضها..
ومثل هذه الوقائع وغيرها رسمت مرايا انعكاسية عبر عقود زمنية لاحقة ، كما بقيت حاضرة في ذاكرة الماضي القريب والبعيد..
وان تاريخ القرصنة والاحتلال ليؤكد بسط النفوذ الخارجي ، أو محاولته على ثغور عربية واسلامية لما لها من مواقع رابطة على خرائط جغرافية أخرى ، وربما يعني الباحثين من زاوية التاريخ لانعكاس السياسي لهذه الظاهرة.. لكن مؤرخي الأفكار ( الأخلاقية على وجه الخصوص ) يعنيهم الدور السلبي لهذا ( التواجد ) الخارجي داخل ثغور اسلامية ، ولما للتبعية من وجوه وتوجهات..
وعلما من الجميع فقوافل المحتل سبقتها ( قوافل ) اعلامية وتنصيرية ذات فن وخبرة في دراسة الأوساط المراد السيطرة عليها وبسط النفوذ على أرجائها ..قبل الاستمتاع بما تعطيه الأرض من خيرات وما تمنحه من استراتيجية لحصار عوالم مجهولة..
وحتى يبقى القول محصورا في ميدانه ، دونما خروج عن مظانه ، لا بد من التذكير أن المنطقة الشمالية للمغرب الأقصى ؛ أطرافها واقعة ثغورها على مد الأزرقين ؛ البحر والسماء ، وموقع المغرب بصفة عامة والشمالي منه بصفة خاصة جعله معرضا لتيارات وتحديات وافدة عاصفة من عصر قرصنة بحرية الى رزنامة احتلال حديث ..الى مد الطوابير أذنابها خدمة لدور جديد لاستعمار جديد، مبشر بعولمة جديدة.. وعلى سبيل التذكير أيضا فالرحالة/ المفكر اللبناني أمين الريحاني كتب في رحلته فصولا رائعة عن المغرب الأقصى ؛ خاصة عن منطقة الحماية الاسبانية سنة 1936 ، وأجمل هذه الفصول ما كتبه عن طنجة والعرائش وتطوان وما يربط مليلية بترابها الأصلي ، وختم قولته ، كمستخلص جغرافي / سياسي بالاشارة الى أهمية الثغور على الخريطة العربية ؛ ومن الواجب الأكيد ، قال : ” حافظوا على ثغوركم..” ( مليلية ، طنجة ، بيروت ، الاسكندرية..)
واذا كان من اللازم التركيز على جانب من خرائط الثغور فموقع طنجة على امتداد البحرين جعلها على كف عوارض من رياح متساوقة بحكم عاملين أساسين داخل معادلة : اقتصادية / اجتماعية ..
وان هذين العنصرين كفيلان بتفعيل الأحداث داخل خريطة الأخلاق والمعتقدات ، يوم كان المغرب مقسما على أطراف ؛ بحكم اتفاقية ما بعد الحرب الكونية.. ومن ثم فقد بسطت المجتمعات الأخرى خريطة نفوذها داخل الوسط العريض من الأناسي ( تبشيرا وتنصيرا ) وتحت غطاء انساني بتخريب مواقع ترعى الكائنات البشرية والكائنات الحية ( الحيوانية والنباتية)
وقد يقال :
ما علاقة التصوف بهذا وذاك ؟
ما عمل الطرق الصوفية في تحصين العقيدة والحفاظ على الهوية ؟
والجواب تحدده ماهية هذه الزوايا الصوفية وما لها من تأثير واسع وسلطان على النفوس ..
لن نقوم بمقاربة تحليلية لظاهرة التصوف الا داخل جغرافية المغرب الأقصى ؛ حتى نقترب قليلا نحو خصوصية جعلت زوايا صوفية تتخذ موقعها داخل أرواح ونفوس ..بل لتتخذ لها مكانة على خريطة واقع عاشه المغرب قديما وحديثا ؛ وهذا لا يعني بحال انفصالا عن أصل مشرقي ، وانما يعني تحيين الخصوصية واعطاءها الظرف الزماني والمكاني لكونها ظاهرة ثقافية لنتاج معين ديني ..
وقد عانت الظاهرة الصوفية من عزلة في مجال الدراسات الانسانية والسياسية بناء على معطيات كشف عن غطائها مفهوم جديد للثقافة الصوفية ..
وحيث انها كانت في مواجهة سلطة معرفية حملت لواء الاصلاح السلفي للعقيدة ، بل ان الأمر اتخذ شكلا معارضا للظاهرة تبعا لزواج تاريخي بين السلفية وبين الوطنية .. بعدما خسر المغرب الثقافي والسياسي من جراء هذا الانفصام النكد..
لكن وجه التعارض لم يعد له وجود بعد سنوات من استقلال المغرب بل تلاشى بالكلية ؛ والحال أن البحث الجامعي / الموضوعي يلغي من حسبانه خلفيات سلبية عارضة ..
وهكذا اقتحم الخطاب الصوفي الحرم الجامعي ؛ السلفي سابقا والاصلاحي لاحقا .. ولربما كان النشاط الوافد على المغرب في المجال الثقافي والديني دور في هذا الابعاد والابتعاد ( نعني به الحركة الوهابية )
لسنا في مجال أو ميدان مبارزة أو دفاع ، وانما السياق هو الذي يتحكم في بسط القول من جميع جوانبه..
وان أهم خاصية يمتاز بها التصوف العملي السني هو الاختراق والقرب من الوسط العريض من الناس ، بل ا ن هذا الاختراق مكاني أيضا بحكم موقع الزاوية من مصالح الناس ؛ حيث ان استنبات دلائل خيرات التصوف ليس له حدود جغرافية في الجبال الوعرة كما في السهول ، بل له مواقع داخل هاتين يتعسر على العابرين المرور بها..
والحال أن السلطة المركزية في منآى عن محيطها .. فضلا عن الخطاب المتواصل بين الزوايا ذات المشرب الواحد ( الشاذلية والتيجانية )؛ مما يعني أن سرعة الانتشار غير مشروطة بقيود زمكانية ؛ وعلى سبيل المثال فقد كان للزاوية الناصرية ( من موقعها بتامكروت) سفارات صوفية بأقصى شمال الريف وعلى حدود تارجيست ؛ ونعني بها الزاوية الخمليشية ؛ فهي ناصرية المشرب والروح..كما عرفت مدينة الشاون فرعا من الناصرية ، وهذا راجع لطبيعة الخطاب الناصري ، الصافي والبليغ والموسوم ببلاغة تراعي مقامات العامة والخاصة..وقد اتخذت لها موقعا وطنيا بوسائط :
قصائدها ..
أحزابها..
حضورها السني أيام اللطيف..
ما للقصيدة الناصرية من تداول عظيم في ليالي الدجنة من الاحتلال العنيد ..مما جعل الاقامة العامة تحرم على الناس تلاوة اللطيف أو انشاد :
يا من الى رحمته المفر ومن اليه يلجأ المضطر
هو خطاب صوفي يتسم بالاختراق..
ويتصف بالانتشار رغم أن الطوية الحقية في نظم الأوراد والأحزاب لشيخ الناصرية كانت ذات غايات ومرام تربوية بتعميم لغة الضاد على أهل الأمازيغ في درعة وحواليها..
وقل مثل هذا في أحزاب صوفية لها وقع خاص داخل مشارب صوفية ..
وقد سجل التاريخ ارتباط الفقه والفقهاء بالسلطة ودواليبها ..كما سجل ابتعاد المتصوفة عن دائرة السلطان..لكن أعمدة الحكمة بالمغرب قديما وحديثا استفادت من حكمة التوازن بين قوتين لصيرورة المجتمع العالم على حافتي : عقل وروح..
ومن نسيج السياق السابق يتضح عمل الزوايا في:
الحفاظ والمحافظة على الهوية والعقيدة في وجوه تحديات التنصير والتبشير والتغريب..خاصة داخل فضاء جغرافي متسم بالانفتاح وأبوابه مشرعة لعواصف ونوائح.. وهكذا يتضح عمل الزوايا الصوفية في الحفاظ على صفاء الطوية ومعين العقيدة..
والحال أن الواقع كان يعج بمغريات وانحرافات..ونحن لا نلغي بحال عمل المسجد والفقهاء والوعاظ على الضفة الأخرى ، بل لا فصل بين الضفتين داخل الخريطة المغربية ؛ فالقول ينصب بالدرجة الأولى على الرسالة الأخلاقية والدينية التي اضطلعت بها الزوايا الصوفية بشمال المغرب ، بالرغم مما كان يغشى بعضها من عيوب لاحقة بطبيعة المجتمعات .. وهذه العيوب التي لحقت بعض الزوايا اتخذت مواقف بعيدة عن صفاء التصوف وسخرت التصوف لخدمة مواقف سياسية وحزبية ..وبما يعطيها على واجهة الغلاف من صراع بين سلفية وبين اصلاح..
وان الباحث الاجتماعي والراصد لتأريخ الأفكار ليسجل بدقة العمل التلقائي الذي كانت تقوم به الزاوية الدرقاوية والزاوية التيجانية بشمال المغرب ، خاصة بطنجة من حيث التأطير الديني والأخلاقي وتطهير العقيدة من انحرافات وعيوب..جسدتها فرق خارج نطاق الدين.
وأما في المجال السياسي فالتصوف ظل ممسكا لزمام المبادرة ، وفي هذا السياق لا بد من التذكير بموقف حازم سجله أحد شيوخ الزاوية البقالية ؛ كما نص على ذلك صاحب نشر المثاني في موضوع تسليم ثغر العرائش للدخلاء من الأجانب زمن السعديين..
وهناك مثال آخر لما قام به أبو الفضل جسوس في فتوى تمليك العبيد من طرف السلطان المولى اسماعيل ، وقد رثاه برثاء حار دافق الشاعر علي بن أحمد مصباح الزرويلي بقصيدة قال فيها :
حل بالدين يا لقومــــــــي بلاء أحجمت دون وصفه الشعراء
قتل اليوم أعلم الأرض ظلمــا فبه في الاسلام حق البــــلاء
قتلوه من أجل أن كان أستــــا ذا أعزته النة السمحــــــــاء
وفي الختام
يمكن التأكيد على أهمية التجربة الصوفية والظاهرة الصوفية ، بل يمكن التأكيد مجددا على الموقع الحصين للزوايا والطرق الصوفية ؛ وهو رفع ألوية الدفاع عن الهوية والعقيدة.
أحمد الطريبق أحمد.









































































PDF 2025


