عند الكثيرين، صورة الأستاذ عبد الخالق الطريس تكاد لا تخرج عن إطار الزعامة الوطنية السياسية، وأيضا هو الخطيب والوحدوي، صفة هيمنت وحجبت ما سواها، والقليل جدا من المثقفين والباحثين من تفطن لصفات أخرى طبعت أيضا حياته النضالية ولازمته وظل وفيا لها، وكان له بها حضور بارز متميز في مختلف المحافل الأدبية والفنية، منها شغفه الشديد بالقصة والموسيقى والمسرح «لقد كان بين الأدباء أديبا لامعا، وبين الكتاب كاتبا مبدعا، وفي المجالس الموسيقية وخاصة منها الأندلسية الأصيلة رهيف الإحساس، رفيع الذوق الخ»[1].
هذا الولع الأدبي الفني برزت بشائره في فترة مبكرة من عمره الذي لم يكن قد تجاوز العشرين ربيعا عندما انبرى كأصغر خطيب في زحمة الأصوات القوية الرصينة المحتفلة بأمير البيان شكيب أرسلان عند زيارته لمدينة تطوان غشت 1930، وقبل أن يحفر وجوده الأدبي الراسخ الثابت في صدارة الصحف الوطنية والعربية.
لقد كتب الطريس المقالة والخاطرة، القصة والمسرحية، كتب عن المتنبي والقري وأرسلان والكلاوي وكامونيس البرتغالي، كتب عن فلسطين والطرقيين والصحافة والموسيقى والمسرح، عن الصحة والتعليم وغير ذلك مما كان يشغل الناس وقتها.
كتب بالعربية والإسبانية حسب مقتضى الحال ما تجاوز عدده الآلاف، ناهيك عن الخطب والمحاضرات والمداخلات البرلمانية والتقارير والبيانات، وقد تقاسمت كل تلك الكتابات الروح الوطنية الصادقة، الجامحة الوثابة.
وفي كل ذلك يبقى المسرح أولى اهتماماته الأدبية الفنية، والذي يعكس لنا صورة نضالية أخرى له، صورة تضاهي صورته النضالية في المجال الوطني السياسي.
شغف الطريس بالمسرح يعود إلى زمن التلمذة بالمدرسة الأهلية المحسوبة على الخط الوطني كأول مدرسة حرة وطنية (1925)، وكبر معه هذا الشغف وتنامى من خلال قراءاته المتنوعة المتعددة للمتن المسرحي عربيا وإسبانيا، وتتبعه للعروض المسرحية المحلية والوافدة على المدينة، وكذلك وهو طالب في القاهرة وباريس، ومن احتكاكه المباشر بالرواد المسرحيين مما أهله لكتابة نص مسرحي خالد (انتصار الحق بالباطل) مطلع ثلاثينيات القرن الماضي وأصدره سنة 1933 محققا به الريادة كأول نص مسرحي مغربي تم طبعه.
إننا نخرج من قراءتنا لمسرحية الطريس بوجود تداخل الفني بالوطني والسياسي، وللوصول إلى ذلك يجب أن نضع المسرحية في سياقها التاريخي والظرفية السياسية والاجتماعية التي كان عليها المغرب، وقتها لم تكن الوطنية المغربية في علاقتها بالمحتل تتجاوز سقف المطالبة بالإصلاحات، خطوة كانت تراها ضرورية لإعداد المواطن لمرحلة المطالبة بالاستقلال، وأهم تلك المطالب التي كانت على القائمة يأتي التعليم، ولذلك صُرفت جهود المخلصين لإنشاء المدرسة الوطنية، ليس فقط من أجل محو الأموية وإنما أيضا لمواجهة المدرسة العمومية الاستعمارية والبرامج التعليمية الاستعمارية، وهذا أيضا كان محور (انتصار الحق بالباطل)[2].
كان الطريس يرى بأن المسرح وسيلة أخرى من وسائلة المواجهة، وسيلة ناجعة لكون المسرح أقرب قنطرة للوصول إلى الجمهور، ولا يتم إلا بالاحتكاك به عن قرب إلى جانب كونه قبل أي شيء آخر عمل فني أدبي.
وانطلاقا من إيمانه القوي بقدرات هذا المسرح التأطيرية والتوعوية لم يرض لنفسه بالجلوس على كرسي المشاهدة، بل انخرط في الفعل المسرحي بحماس وقوة مؤلفا ومخرجا ومعدا ومؤطرا وناقدا، فأنشأ فرقة مسرحية من تلاميذ (المعهد الحر) الذي كان يرأسه ووضع لها إطارا قانونيا.
كما كان مدعما لكثير من الأعمال المسرحية، مشجعا الشباب على الانخراط في المسرح، ومن «..المؤسسين للحركة المسرحية في مدينة تطوان خصوصا ومناطق الشمال عموما في وقت كان للمسرح المغربي دور فاعل في مواجهة المستعمر وفي تحريض الجماهير المغربية الخ»[3].
كما أن بيته كان مفتوحا باستمرار في وجه كل الفرق المسرحية خصوصا الوافدة على تطوان مغربية، عربية، أجنبية، هو استقبال لا ينحصر في طقوس الحفاوة بل يتعدى ذلك إلى المناقشة والتوجيه والتأطير، يستحضر البدوي «.. وكانت ليلة خالدة بحضور المرحوم الطريس وهي ليلة لا زلنا في مسرح البدوي نعتز بها ونعتبرها من محطات حياتنا الفنية على الإطلاق، إذ أن استمرارنا في العمل المسرحي طيلة هذه العقود الأربعة يرجع بالأساس إلى هذه الشحنة التي مدنا بها»[4].
رحم الله الرجل المعطاء في تعدد عطاءاته.
[1] – م.ع الشاوش، في تقديمه لكتاب (مسرح عبد الخالق الطريس) لرضوان احدادو، ص: 5 – دار الشويخ للطباعة، ط 1، 1988.
[2] – كتب النص خصيصا لفرقة الفتيان وتم عرضه بإخراجه في 10 يونيو 1936 من قبل طلبة “المعهد الحر”.
[3] – ع.القادر البدوي، (المسرح والسياسة والأخلاق في تفكير عبد الخالق الطريس)، جريدة العلم، 7 يونيو 1992، ص: 6.
[4] – نفسه.
رضوان احدادو
كاتب وباحث في المسرح









































































PDF 2025

