أعادت حرب روسيا ضد أوكرانيا قضية اللاجئين و الهجرة إلى واجهة النقاش في الغرب و الشرق، ذلك أن النزوح الذي كانت وراءه هذه الحرب لا يشبه نزوحا آخر منذ الحرب العالمية الثانية حيث تحرك ما يقارب عشرة ملايين شخص نحو ملجأ آمن سواء داخل أوكرانيا أو الخارج وخاصة الدول الأوروبية؛ وقد فتح النزوح المؤلم شهية الجدال حول المساواة في التعامل مع اللاجئين أو الكيل بمكيالين في احترام حقوق الإنسان، ثم الأوجه المتعددة التي تحملها الهجرة حسب زوايا النظر و المواقف الأيديولوجية و التموقع السياسي…
لا حاجة للتذكير أن الهجرة ظاهرة تاريخية و أن وجهات أو أخرى في العالم عرفت أو تعرف تدفقات دورية أو مستمرة بسبب النزاعات و الحروب أو الجفاف و المجاعة أو لأسباب أخرى مختلفة اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية…، حسب الحقب و المناطق. و قد يكون لشعوب أو جماعات نزوع للهجرة أكثر من غيرها، و ما يسلط عليه الضوء إبداعيا الكاتب اللبناني أمين معلوف دال في هذا الباب.
ما يطغى على الموضوع حاليا هو أبعاده الثقافية أو الدينية إلى حد ما بخلفية اقتصادية، حيث إن ما أثارته، بسبب حرب مدمرة وهمجية لم تبق و لم تذر، في ماض قريب هجرات السوريين (وغيرهم من الشعوب المستضعفة) أو لجوئهم من زوابع عبر معظم دول الاتحاد الأوروبي، طولا و عرضا، والتي كادت تعصف برصيد بعض القادة كأنجيلا ميركيل، أمر يشكل مرآة للمقارنة مع يسجل، راهنا، بالنسبة للاجئي أوكرانيا من ترحاب كبير و تعاطف إنساني. و كما يلاحظ العديد من المتتبعين النزهاء فإن الفرق كبير بين الأجواء السياسية للجوءين و كأن الأمر لا يتعلق بقضية إنسانية و حقوقية واحدة في الجوهر، وإنما بدرجات في الإنسانية والحقوق، بل إن منظمات حقوقية استنكرت بعض السلوكات و المعاملات التمييزية تجاه اللاجئين الأفارقة أو العرب حتى في النزوح الحالي من أوكرانيا إلى أوروبا، وإن اعتبرت انحرافات معزولة و ليست ممنهجة حسب ردود رسمية…
إن الهجرة إلى أوروبا، و إن اتخذت صفة اللجوء بالنسبة للعرب والمسلمين و الأفارقة جنوب الصحراء، قد دخلت إلى قلب الصراعات السياسية و المعارك الانتخابية و التقاطبات الاجتماعية و لم تبرح مكانها على الأقل منذ العقدين الأخيرين بتفاوت بين الدول و في الموجات الزمنية، بل إن اليمين المتطرف جعل قضية الهجرة حصان طروادة لتكثيف هجومه على المهاجرين العرب والمسلمين والأفارقة، وحافزا لاجتهاده و إمعانه في خلق إحساس بالخوف والقلق سعيا إلى تشكيل رأي عام متعصب لصفاء الهوية الغربية والوقوف سدا منيعا أمام ما يسميه اجتياحا بشريا يحمل عادات “غريبة” و سلوكات “عنيفة” منافية أو معادية للحضارة الغربية.
و في هذا السياق وجد اليمين المتطرف في”نظرية الاستبدال العظيم أو الكبير” فزاعة مثلى لتأجيج رفض استقبال المهاجرين المسلمين و الأفارقة حيث بنى عليها، على سبيل المثال لا الحصر، المرشح للرئاسة الفرنسية إيريك زيمور مجمل خطابه السياسي و الانتخابي لكسب القلوب و الأصوات و ربح مساحات جديدة في المجتمع الفرنسي لضمان موقعه مستقبلا في المشهد السياسي الذي هو قيد التشكل من جديد، ونجح هذا الأخير في التشدد درجات على مارين لوبين و إن لم ينجح في سحب البساط منها كممثلة أصيلة لهذا التيار الصاعد، خاصة وسط الفئات الشعبية و المناطق القروية والمدن الصغرى… المتضررة من العولمة، و داخل الأصوات الغاضبة من خسارة فرنسا لموقعها الدولي سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو ما قد يسمونه ب”انحدار/déclin فرنسا”.
إن نجاح اليمين المتطرف في فرض مسألة الهجرة كقضية محورية سياسيا في فرنسا كان له صدى داخل المشهد السياسي يمينا ويسارا، بل إن اليمين التقليدي وضع موضع حرج فكان لا بد أن يبحث عن تخريجات منافسة لأطروحات اليمين المتطرف بجميع تلاوينه حتى لا يفقد ما تبقى من قاعدته الانتخابية.
و إذا كانت كفة اليمين المتطرف و أطروحاته تخضع للصعود والنزول و تموجاتهما داخل كل الدول الغربية و خاصة في أوروبا القريبة منا، فإن موقعه يترسخ شيئا فشيئا في زمن الأزمة، دون شك، وكذا حضور إيديولوجيته و أطروحاته التي قد تكون لها انعكاسات على سياسة الهجرة و آلياتها: إعادة النظر في تدبير منطقة شنغين و اللجوء السياسي، تخفيض عدد التأشيرات، التشدد في إجراءات التجمع العائلي، طرد مرتكبي الجرائم و غير الحاصلين على الإقامة… و إعادتهم إلى دولهم الأصلية، التقليص من عدد الطلبة، منح الأسبقية للسكان الأصليين على المهاجرين في كثير من الخدمات الاجتماعية (السكن، الشغل…) و فرض شروط على استفادة المهاجرين من هذه الخدمات كمدة الإقامة…، التوجه نحو تشديد الخناق على منافذ الهجرة السرية و تعويض هذه الأخيرة بهجرة منظمة وفق نظام الاستهداف على غرار ما تقوم به كندا ودول أخرى.
ومع ذلك فالجدير بالإشارة أن كثيرا من الأقلام و الأصوات الحرة في الغرب تعتبر أن الهجرة بما تتيحه من تثاقف وتمازج بين الشعوب و الأجناس و الأعراف رغم اختلاف الديانات و الثقافات و التقاليد والعادات… فيها من الغنى ما لا يمكن بأي حال من الأحوال إنكاره أو إلغاؤه ومحوه بجرة قلم، بل تعتبر الانغلاق التام و منع التحركات البشرية والتواصل بين الشعوب من باب المستحيل أو ضرب الخيال، ثم إن هذه الأقلام و الأصوات المدافعة بقوة مبدئية إنسانية والتي تمتح مرجعيتها من مبادي الثورة الفرنسية والأنوار وكل ماراكمته البشرية من فكر تقدمي، تذكر وتحذر وتنب باستماثة مجتمعاتها بعدم الإنسياق مع حملات التشويه و التضليل تجاه الأجنبي أو الآخر المختلف دينيا أو عرقيا كالعربي و الإفريقي عل الخصوص، حيث إن الشعوب الغربية لها دين على شعوب مستعمراتها الماضية و على كثير من الشعوب الضعيفة، كما أن لها حاجات لدى هذه الشعوب و من مصلحتها المساهمة في تكوين نخبها و استقبال جزء من أبنائها وبناتها ( إن اليد العاملة المهاجرة قد ساهمت إلى حد كبير في بناء أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية) إن كان من باب البرغماتية أو التضامن.
و لابد، أخيرا، من التأكيد على أن لا أحد إن خير سيختار أن يعيش في غير وطنه-فوطني و إن جار علي عزيز= و أهلي إن ضنوا علي كرام-، وتبقى الهجرة في الأحوال العادية للأوطان “الحقيقية” استثناء، وحينما يهيمن جنون الهجرة على العقول و يركب بريقها النفوس، فاعلم أن شيئا في الأوطان خطأ و أن على النخب الوطنية إصلاح عقارب الساعة لتنبض بنبض الوطن والمواطنين دون استثناء.
عبد الحي مفتاح









































































PDF 2025


