في حديث مع صديق بمدينة تطوان له دراية بشؤون ثغر سبتة المحتل و له اطلاع على ما يجري حوله أخبرني أن مجهودات تبذل لإيجاد بدائل للتجار المغاربة الذين كانوا ينشطون بهذا الثغر، وقد تأسفنا معا في مجرى الحديث لحجم الكساد الذي أصاب المدن المجاورة لهذا الثغر و الإفلاس المصاحب له، والذي امتدت تداعياته إلى النشاط التجاري بمدن عديدة بالمغرب و انعكست آثاره الوخيمة على حيوات أشخاص انتقلوا من وضع اجتماعي شبه مزدهر و قار قبل إغلاق “باب سبتة” إلى وضع مهتز وقلق و مزر بعد إغلاقها، ور بما يسري هذا الوضع على المدن المجاورة لثغر مليلية المحتل بالجهة المقابلة شرقا.
لقد شكل هذا الثغر لعقود عديدة مصدر تزويد رئيسي للأسواق القريبة بشكل خاص كما كان يزود كذلك بعض الأسواق البعيدة بما كان يسمى “السلعة ذ سبتة” أو ” السلعة ذ برا” أو “الكونتروباند”..، و كان الحصول هذه السلعة بموادها المتنوعة التي تهم مناحي استهلاكية و غير استهلاكية متعددة: الغذاء، الألبسة، التجهيزات المنزلية، المواد الإلكترونيات والكهربائيات، تجهيزات الحمامات و ما يرتبط بالترصيص الصحي، وقطع غيار السيارات إلخ يدخل في باب الامتياز، ذلك لأن “تميز” أو “علامة جودة” هذه السلعة تأخذه من كونها سلعة تأتي من الغرب و إن كانت تحمل توقيع ماركات مشهورة أحيانا و أقل شهرة أو مجهولة أحيانا أخرى، و إن كانت مواد كثيرة يطالها التزوير أو تخضع للتقليد أو تكون منتهية الصلاحية أو تشكل خطرا على الصحة…
اللهف على هذه السلعة كان كبيرا، كنا نراه في فصل الصيف و أثناء العطل في أسواق تطوان: “باب النوادر” و “السوق د برا” أو “سوق خديجة” و في أسواق الفنيدق و المضيق و مارتيل…، و انعكاسا لذلك كانت حركة النقل نشيطة بين سبتة و بابها و باقي نقط التزويد، كما كانت حركية الأموال والمعاملات و صرف العملات هائلة..
لقد كان سوق “الكونترابند” سوقا للشغل و مصدر دخل لآلاف من الأسر، كما كان مجالا لخروقات و تجاوزات، و ساحة لمعاناة “الخبز” وآلام الطريق وهضم الكرامة، كما كان كذلك مشتلا لاقتصاد مواز غير قانوني يخترقه عنف خفي و ظاهر، سوقا و اجهته البراقة تخفي وراءها أسرارا مظلمة..
لم يكن معظم العاملين الكادحين في هذه السوق و كذا المستفيدين من أرباحه غير المشروعة يتوقع توقفه بهذه السرعة و الحزم و إن كان بعض من لهم حدس وفراسة رأوا من بعيد، بناء على مؤشرات، أن الأمر آت لا ريب فيه، ولما وقعت الواقعة كان يعتقد في البداية أن الأمر عابر ومؤقت، إذ لا محالة من رجوع حليمة إلى عادتها القديمة كما في مرات سابقة، لكن ما وقع هذه المرة كان حاسما و قاطعا كالسيف الجارح..
ما وقع قلب المنطقة رأسا على عقب كما هز حيوات أفراد و أجيال هزات عنيفة تشبه الزلزال و فتح مصائر أسر وعائلات على باب التيه، لكن ما وقع قد يقع حتى لاقتصادات مشروعة إذا غفلت و لم تجدد نفسها و تأخذ التحولات بعين الاعتبار من أجل التكيف..
المنطقة شهدت تحولا على مستوى البنية التحتية و التجهيزات في العقدين الأخيرين وفورة على المستوى العمراني، و ما ينتظر الآن هو التحول على مستوى جذب الاستثمارات و ما يرتبط به من ظروف مادية ومعنوية، فالتكوين الجدي المؤهل للموارد البشرية من جهة و الاستثمار النشيط و الجيد، المناسب و الخالق للثروة من جهة أخرى هما الكفيلان بإعادة الحيوية وفتح الباب أمام التطور الطبيعي للمجال المجاور لسبتة المحتلة و لخلق نسيج سوسيو-اقتصادي صلب و دائم في أفق تنمية مستدامة و متوازنة..
إن المناطق الشمالية بحكم موقعها و ما حققته من تراكم و من ثروات في إطار الأنشطة غير المشروعة قادرة إن توفرت الإرادة السياسية والتضامن الوطني و خلق أجواء الثقة أن تخرج من أزمتها الحالية في أقرب وقت، وذلك بتوحيد الرؤية و تكاثف الإمكانيات و تنسيق التدخلات بين الدولة و الجماعات الترابية و مختلف الفاعلين لتحسين مناخ الأعمال و تشجيع القطاع الخاص المحلي والوطني والدولي على الاستثمار الخالق لفرص شغل حقيقية و بالتالي توفير مناخ اجتماعي باعث على الاستقرار و الأمل.
إن نجاح الفنيدق وبنيونش وتطوان و القصر الصغير ومارتيل إلخ في التغلب على الأزمة الحالية و خلق اقتصاد بديل منتج سيكون له آثار إيجابية سواء على مستوى الجهة أو على المستوى الوطني، ذلك لأن انطلاق اقتصاد أي منطقة و نهوضها التنموي يصب في الدفع قدما بتقدم بلدنا و اكتسابه المناعة لمواجهة كل التقلبات و المنافسات بمنطقة البحر الأبيض المتوسط خاصة و على المستوى الدولي عامة.
ما نتمناه في سنة 2022 هو العمل المتواصل في هذا الاتجاه تضامنا مع سكان المنطقة و إنصافا لهم وصونا لكرامتهم، خاصة كادحيها الذين طوقتهم الأزمة و اشتد عليهم العسر…
عبد الحي مفتاح









































































PDF 2025


