كُتب لي أن أنتقل في عزّ الصّيام، إلى مدينة الخميسات، لأصل الرحم بابني وزوجته وأحفادي، ولأقضي في ضيافتهم عشرة أيام، بالكمال والتمام.
وما أن أديت فريضة العشاء والتراويح بالمسجد العتيق بالخميسات، حتى عنَّ لي أن أحرر هذه الدردشة.
هي أول ليلة لي هنا، وهو أو مسجد أدخله مع أذان العشاء.
والدافع، هذا الاختلاف الذي وجدته بيّناً واضحاً بين بعض مساجد تطوان، ومسجدي هذا.
هنا وجدتُ أربع مزايا افتقدتها بالمسجد الذي أتردد عليه بتطوان.
أولها الواعظ الذي يرشد الناس قبل وبعد أذان العشاء، فيستقطب السامعين.
موضوعه الذي اختاره بعناية، الحديث النَّبوي الشريف، الذي مفاده أنَّ الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما يوم الحساب.
بطلاقة لسان، وتركيز وإيجاز، استطاع هذا الفقيه أن يشرح الشفاعة، ويورد الآيات القرآنية التي ذكرت فيها كآية الكرسي مثلاً، ويتدرج بالشفاعة بين الأنبياء من سيدنا آدم إلى سيدنا محمد، ليستنتج أنه صاحب الشفاعة، ثم يختم الموضوع بالدعاء بأن ننال شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم، يوم العرض الأكبر.
ثانيها، إمام المسجد الذي أمَّ بنا صلاة العشاء، فقد كان فصيح اللسان، يرتل القرآن أحسن ترتيل.
ثالث المزايا، المشفع الذي رتل ما تيسَّر من سورة يوسف.
فلأول مرة أسمع قصة يوسف، على لسان مجوّد، يحسن التجويد، ويتوفق في مخارج الحروف أيما توفيق، ويشدك إليه شداً، ويجعلك في هذه اللحظة الروحية التي تقف فيها بين يدي الله، حاسَّة سمع، تستقبل آيات الله المحكمات، دون أن يشغلها شاغل، أو ينأى بها عن قراءة القارئ ناءٍ.
إنها موهبة ربانية، وهبها الله لهذا الرجل، فملكت الأسماع، واستمالت الأفئدة.
ما أخذتُه عليه- وأنا أبدي إعجابي به عقب التَّراويح- أنه لم يبدأ سورة يوسف من أولها، وإنما بدأها بـ: «قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف» فغاب عنا فصلان: الفصل الأول من القصة وهو: إخبار يوسف أباه بما رأى في المنام. والفصل الثاني منها وهو التخطيط الذي خططه إخوته للتخلص منه.
مجمل ما قرأ مشفعنا نصف حزب، وهذا نصيب فيه الكفاية، فالعبرة هنا بالكيف لا بالكم.
رابع المزايا، انضباط المصلين، وحرصهم على أداء جميع الركعات، وهما أمران يمنعان اللغط والصخب اللذين تشهدهما مساجدنا عند انصراف أغلب المصلين بين النوافل.
المسجد العتيق بالخميسات، لم تعد تبدو عليه مظاهر الشيخوخة و«دْوَاير الزمن»، وإنما استعاد شبابه ونضارته، وصحته وعافيته، بفضل العناية التي يوليها أمير المؤمنين لبيوت الله. فكما تشهد تطوان هذه الرعاية، تشهدها باقي المساجد بمملكتنا الشريفة.
إلا أن أيدي الصناع المهرة، تكون بيّنة واضحة في مساجد، وتكون باهتة شاحبة في مساجد.
وهذا المسجد يبدو من الوهلة الأولى، مسجداً وفر الله له الأيدي التي تتحرى الإتقان، وتتقي الله في السر والإعلان، فأتى آية في البناء والزخرفة، والتجيير والصباغة، حتى زاربيه، تشعر وكأنها أتت للتوّ من مصانعها.
حيا الله هذا المسجد، وحيا الله الساهرين عليه.
مصطفـى حجـــاج









































































PDF 2025

