…في المتحف الأثري ، شلالات مياه دار الشعر بتطوان ، شذر الأدباء قصائدهم بهاءً . وهي رحلة من الجنس الأدبي ، الذي يكاد يلجأ معظم الأدباء و العلماء و الشعراء ، إلى وسائل التواصل الاجتماعي في العالم الافتراضي أثناء الحجر الصحي ، وهي سابقة من نوعها ، و على غير العادة ، على نحو ما قال أبو تمام :
وطولُ مقام المرْء في الحيّ مُخلقٌ ~ لديباجتيه فاغتربْ تتجدَّد
فإني رأيتُ الشمسَ زيدتْ محبَّةً ~ إلى الناس أنْ لستُ عليهم بسرْمد
و إذا كانت هذه النوعية من الإبداعات التي تؤرّخ للحجر الصحي ، و تعكس منهجاً فريداً تاريخياً لوباء “كوفيد-19” . وقد انتهجتْ دار الشعر بتطوان ، لكتابات تمارس الفنّ الرفيع بتلقائية و عفوية ، و تسلط الذاكرة على الإبداع . إذ ينشدُ الأديب الاستمساك بالجوْدة . . ليتهيأ لمدير دار الشعر ، لتلك السلسلة التي كانت لوناً جديداً من فنون الأدب و باباً من قصص شعرية بالحجر الصحي . إذ ألفتْ اللقاء الأوَّل أثناء الحجر الصحي بين ثلة من الشعراء . من بينهم الأستاذ الأديب حسن مرْصو و قصيدته “لمنْ” (بكسر اللام) ، و ليختمها ب “ملأتُ سمائي” . لتتعقبه الشاعرة الرقيقة فاطمة مرغيش ، بقصيدتها “غربة” ، التي كان مسك ختامها “للغربة وجهُ حبّ غير عاداته و شبَّ عن طوْق البداية” . ثمَّ يأتي دور الشاعر الأنيق ناصر العلوي وهو يشدو بقصيدة اختار لها عنوان “عادة شعرية” ، و بسحر الكلام يختتم ، ” أدفنُ ظلي في البياض ، و أرسم صوتي بممحاتي” .. هو الشاعر الذي ينادي القلوب و العقول ، و فيه شيءٌ من كلّ شيء ،و كوْنٌ من كلّ كوْن. ليقدم الشاعر مخلص الأمسية وهو الأديب لمعظم الوقت ، و مبدعٌ جلَّ الوقت ، و بهيٌّ كلّ الوقت .. أقامت دار الشعر بتطوان أمسية شعرية عن بعد بعنوان “حدائق الشعر”، في فضاء حديقة دار الشعر والمتحف الأثري بالمدينة، وبحضور افتراضي. وصادفت الأمسية الذكرى الرابعة لتأسيس دار الشعر بتطوان، في فضاء هذه الحديقة التاريخية.
شارك في أمسية “حدائق الشعر”، الشاعر حسن مرصو والشاعرة فاطمة مرغيش والشاعر ناصر العلوي، وهم يمثلون أجيالا مؤتلفة وأشكالا مختلفة في الكتابة الشعرية بالمغرب. ووجهت دار الشعر بتطوان تحية لجمهورها الحاضر الغائب، بسبب ظروف الحجر الصحي، مؤكدة أنها لن تتوقف عن التواصل مع جمهورها، عبر منصات وقنوات التواصل الاجتماعي، لتنقل لهم قصائد الشعراء ورسائل الشعر الجميلة. واعتبر مخلص الصغير، مدير دار الشعر بتطوان أن الحديقة طالما شكلت امتدادا شعريا للبيت. وهو امتداد جميل شكلت فيه الحديقة مصدر إلهام وارتياح، ومنبعا للإبداع والإصرار على معانقة الحياة. بينما تبقى القصائد “أصداء الحديقة” بعبارة الشاعر الكبير إليوت. كما يأتي برنامج “حدائق الشعر” الذي انطلق قبل سنتين، ليواصل نشر الشعر وصداه في مختلف حدائق تطوان الأندلسية، وليجدد العلاقة الطبيعية والحضارية بين الشعر والحديقة، كما حدث في اللحظة الحضارية الأندلسية، عندما أصبحت الحدائق غرضا شعريا مستقلا بذاته وموضوع.
وتعد أمسية “حدائق الشعر” أول تظاهرة شعرية يحضرها الشعراء في زمن الحجر الصحي، في غياب الجمهور، ومع مراعاة شروط التباعد الاجتماعي ومختلف الإجراءات الاحترازية والصحية المرعية. كما قامت بعض القنوات التلفزيونية والمنابر الإعلامية بالتغطية المباشرة لهذه الأمسية.
واستهل الشاعر حسن مرصو الأمسية بقصيدة “لمن”، وهي تحمل تساؤلات شعرية قوية، حين يردد:
لِمَنْ سَأَلْبَسُ ثَوْبِي/ لِمَنْ سَأُهْدي مَسَائِي.
لِمَنْ أُصَفِّفُ شَعْرِي/ وَأَسْتَعِيدُ بَهَائِي.
لِمَنْ لِمَنْ سَأُغَنِّي/ فَيَسْتَلِذُّ غِنَائِي.
ويَنْتَشِي في رِحَابِي/ وَيَسْتَطِيبُ لِقَائِي.
خُذْنِي إِلَيْكَ حَبِيبِي/ وَكُنْ هَوَائِي وَمَائِي.
مَا أَضْيَعَ العُمْرَ إِلاَّ/ إِذَا مَلأْتَ سَمَائِي.
وصدحت الشاعرة فاطمة مرغيش بمجموعة من القصائد الشعرية في حديقة دار الشعر، ومنها قصيدة “غربة”، وفيها تقول الشاعرة:
أَنحازُ إلى سحائبي/ كلما أخطأَني المطر.
/ أُسَبِّح باسم المسافات/ المُتَورِّدة على هامات الوقت.
/ وأحاول رسم وجهٍل غربة مارِقةٍ/ تُزاحم الوهم/ على الجنَبات.
للغربة/ وجه مدينة/ فاض يَمُّها/ من دمع العابرين/ الواقفين حُفاةً على طلل/ ما وَشَم الذكرى إلا بِرَماد لهفةٍ حائرة.
للغربة وجه حبٍّ/ غيَّر عاداته/ وشبَّ عن طوق البداية”.
وختم الشاعر ناصر قراءاته بقصيدة “عادة شعرية”، ومنها:
أرتاد صوتي وإذني سكاتي/ وأصغي لذاتي بمنأى عن صفاتي.
أستدرج للنداء صداه وأخفي عن رجعه إنصاتي.
عن شمالي مآرب قلبي/ عن يساري جديد احتمالاتي.
موطن كلما آنست هدأته/ زاد نشاط ارتعاشاتي.
برزخ كلما آثرت موقعه/ علي بعت إحدى حبيباتي.
أقيم الدليل على دعواي/ يوقعني الدليل في شرك البدايات.
أدفن ظلي في البياض/ وأرسم صورتي بممحاتي.
(يتبع)
عبد المجيد الإدريسي









































































PDF 2025

